حوارات

القاص “عمر الكـكلي”: الشخصية القصصية لا توجد سوى على الورق ولا تتجسد إلا من خلال الحبر

القاص “عمر الكـكلي”:

الشخصية القصصية لا توجد سوى على الورق ولا تتجسد إلا من خلال الحبر

الرواية رغم تقدم القصة القصيرة وتطورها، مازالت ذات جاذبية

لا يمكن اعتبار أية قصة من قصصي جزءا من سيرتي الذاتية

 

حاورته: خلود الفلاح

القاص: عمر الككلي

عمر الككلي قاص ليبي بدأ النشر عام 1970، وفى عام 1999 صدرت مجموعته القصصية الأولى (صناعة محلية) لتعاد طبعتها مرة ثانية عام 2000.. وفى عام 2005 ترجمت هذه المجموعة إلى الفرنسية وذلك ضمن فاعليات الندوة الدولية حول ترجمة الأدب الليبي إلى الفرنسية.. في عام 2006 صدر كتابه الثاني (منابت الحنظل والشيء الذي ينأى) حول هذه التجربة الإبداعية فتحنا باب الحوار معه:

(*) سؤال الكتابة، سؤال الحياة، سؤال الموت، سؤال القلق. هذه الأسئلة كيف تقرأها بعيداً عن سياق اللحظة الآنية؟

– غالبا لا أجد في نفسي الكفاءة والحذق الكافيين للإجابة على مثل هذا النوع من الأسئلة بشكل لطيف وسلس وجذاب، ولكن بالإمكان القول أن هناك بعض الأشياء التي أنخرط فيها (مثل الكتابة) وأخرى وجدتني فيها (مثل الحياة) وغيرها (مثل الموت) تنتظرني في نهاية رحلتي التي لست أدرى متى تحين، دون أن أشغل نفسي بالتفكير فيها والانهجاس بها.. فأنا أكتب وأجتهد في أن تكون كتابتي أجود وأرقى، وأنا أحيا محاولا العيش براحة مادية وضميرية لم أحقق الأولى، ومن المؤكد أنني أحقق الثانية وأنتظر الموت، الذي آمل أن يأتي في وقت ملائم “قبل أن تذلني الشيخوخة أو ينال من كرامتي المرض.

(*) شخصيات الككلي القصصية، شخصيات تجمعها الوحدة ويثيرها الحنين، شخصيات سجينة داخل عالمها وداخل أسوار. هذه الشخصيات تعكس تجارب أصحابها وأنت في مجموعتك القصصية الشيء الذي ينأى أعدت إنتاج الواقع بطريقة اعتبرها البعض مباشرة دون أن تهتم بإعادة نتاج الواقع بطريقة مختلفة. كيف ترى المسألة؟ وماذا تقول بخصوص الكتابة وطن الكاتب؟

– لم أفهم ما المقصود من جملة أن شخصياتي القصصية تعكس تجارب أصحابها. شخصياتي القصصية تعكس تجاربها هي ذاتها.. فالشخصية القصصية لا توجد سوى على الورق ولا تتجسد إلا من خلال الحبر، هي في القصص وليست في أي مكان آخر. فهي كائنات تخييلية، فنية، حتى لو كانت مستقاة من الواقع. فعش الطائر لا يحيل سوى إلى نفسه ولا يدين بوجوده سوى إلى الطائر الذي بناه، رغم أن خاماته ملتقطة من العالم المحيط به.. تقولين بأنني في مجموعتي القصصية (الشيء الذي ينأى) أعدت إنتاج الواقع دون أن أهتم بإعادة إنتاجه” بطريقة مختلفة”. هل حقا فعلت ذلك؟. إذن، فقد أتيت معجزة!. إلا أن هذا ليس صحيحا، على الإطلاق، لسبب بسيط، وهو أنه غير ممكن.. فمن الناحية التأصيلية والنظرية لا يمكن لأية كتابة، بما في ذلك الكتابة التاريخية غير الأدبية، ولا لأي فن من الفنون، بما في ذلك التصوير الفوتوغرافي، إعادة إنتاج الواقع كما هو، بالمعنى الصافي للكلمة. لأن أية كتابة تتعامل مع الواقع، حتى الكتابة غير الأدبية، ستكون مضطرة إلى التعامل الانتقائي مع الواقع، لأنه لا يمكنها الإحاطة به في كافة تفاصيله المتعلقة بالموضوع المعالج.. لذا فهي تجرى عليه عمليات استبعاد وقص ولصق معيدة تركيبه ” بطريقة مختلفة ” بحيث يخرج النتاج، في النهاية، حاملا لوجهة نظر فردية معينة لها تصوراتها الخاصة عن العالم. وحتى التصوير الفوتوغرافي مثلا، الذي يمكن أن يعتمد عليه في التوثيق، لا يعيد إنتاج الواقع كما هو، وإنما يعيد إنتاجه ” بطريقة مختلفة “.. فإذا أراد مصور أن يلتقط لي صورة الآن فهو، حتما، سيعزل عددا هائلا من عناصر المكان الذي أنا متواجد فيه وسيلتقط الصورة من زاوية معينة تظهر فقط جوانب منى مخفية جوانب أخرى و سيأخذها على مسافة معينة تجعل بعض ملامحي أقل، أو أكثر، وضوحا من سواها، بحيث أبدو أحسن، أو أسوأ، مما أنا عليه في الواقع.

وبذا أكون قد تحولت إلى موضوع وتحكم المصور في الكيفية أو الهيئة التي يريد أن يراني عليها الناظر إلى الصورة، وبعبارة أخرى يكون هذا المصور قد حولني إلى موضوع جمالي، أي أنه أعاد إنتاجي” بطريقة مختلفة “.

فما بالك إذا كان العمل قصصيا، أي تخييليا. إن دخول الواقع إلى القصة سيحوله من وجود موضوعي “طبيعي أو اجتماعي ” إلى وجود تخييلي، أي جمالي يستهدف المتعة، وبالتالي، إلى وجود رمزي “يخلق دلالات غير ماثلة في الموضوع الواقعي”.. فالمُبدَع الأدبي أو الفني هو في المحصلة الأخيرة – ومهما تقصد الواقعية ومهما نجح في الوفاء للواقع ونقله – رمز وليس واقعا. إذا كتبت أنا تجربة عشتها ونقلتها، جدلا بحذافيرها، فإن مجرد تقديمي إياها للقارئ تحت مسمى قصة كفيل بجعله يتعامل معها على أنها عمل رمزي وليست جزءا من الواقع…

هذا من الناحية النظرية، أما فيما يتعلق بمجموعتي”الشيء الذي ينأى” “التي واضح أنك لم تقرئيها”، “لا قرأها”. فلم أسمع من أحد أو عن أحد “باستثناء الذين قالوا لك أنت، ومنك أنت” أنها مباشرة. ذلك أنني منذ أن ابتدأت الكتابة والنشر سنة 1970 كنت أسمع من متابعي قصصي أن أهم ما يميزها هو الاجتهاد الجمالي والفني.

وأحب أن أشدد هنا على أنني كنت واعيا، إلى حد كبير، بأهمية هذا الجانب منذ البداية وأنه أخذ مع الزمن يزداد تأكدا ورسوخا وأنا أعزو هذا الوعي المبكر بالناحية الجمالية والفنية إلى المصادفة السعيدة التي جعلت قراءاتي القصصية الأولى، وأنا طفل، في القصة الليبية، التي هي قصة راقية ومتقدمة ومتطورة وتنتمي إلى أرقى ما يكتب من قصص في الوطن العربي.

هذا قول يستغربه أغلب من يسمعه، بمن في ذلك الليبيون !.

ولكنه صحيح وواقعي “لا يعيد إنتاج الواقع “بطريقة مختلفة”!”، وعلى من يشك في هذا العودة إلى المجموعات القصصية الليبية المهمة ومقارنتها بنظيراتها، أهمية وزمنا، في حركات أدبية عربية أخرى. أما لماذا لم تأخذ القصة الليبية مكانتها الجديرة بها على الساحة الثقافية العربية فتلك تراجيديا أخرى.. أما القول بأن الكتابة وطن الكاتب فلا أستطيع استيعاب المجاز في هذه الجملة. أنا أعتقد أن الكتابة هي إثمار الكاتب، هي عطاؤه، وبالتالي هي هويته ومعنى وجوده، فالكاتب الذي يحرم بأي شكل من الأشكال، من الكتابة، إنما تسلب منه هويته وتتم محاولة تتفيهه و تحقيره، لنفسه أولا، والكاتب الذي يعجز عن الكتابة كمن يصاب بعجز جنسي ولا تخمد شهوته.

(*) هناك كتُاب قصة قصيرة أصبحوا كتُابا عالميين برأيك هل هذا راجع إلى ارتفاع مستوى القصة القصيرة أم أن الإنسان اليوم أصبح أقل صبراً ويعشق كل ما هو سريع وقصير؟

– أعتقد أن القصة القصيرة ظل ينظر إليها دائما على أنها تأتى بعد الرواية في الأهمية ودليل ذلك أنه لا توجد جوائز عالمية هامة للقصة على غرار ما للرواية، كما أن حظ الكُتاب المقتصرين على كتابة القصة في جائزة نوبل للآداب منعدم.. ولكنني أعتقد أيضا أن اشتهار بعض ُكتاب القصة على صعيد عالمي عائد إلى جودة كتاباتهم، وأن القصة أصبحت تفرض نفسها أكثر فأكثر، وليس بسبب ميل القراء إلى ما هو سريع وقصير، لأن قراء الرواية من جانب آخر يزدادون.

(*) رغم انتعاش القصة القصيرة اليوم إلا أن حياتها قصيرة “أقصد القصة نفسها” بينما حياة الرواية أطول ولديها فرصة أكبر من الشهرة والترجمة. كيف تفسر المسألة؟

– لعل في إجابة السؤال السابق شيئا من الإجابة على هذا السؤال، أي أن الرواية رغم تقدم القصة القصيرة وتطورها، مازالت ذات جاذبية، بل إن هذه الجاذبية تزداد.. ربما كان ذلك بسبب أن الرواية تنقل عوالم متداخلة ومتشابكة وتتيح للقارئ لحظات معايشة لتجارب مختلفة ومتناقضة، خصوصا وأن أنجح الروايات الآن تلك التي يكتبها روائيون من المستعمرات السابقة يعيشون في البلدان التي كانت قد استعمرتهم ويكتبون بلغتها ناقلين تجارب ومناخات متفردة ومتميزة استقوها من حياتهم المتناقضة ومن أوضاع شعوبهم غير المستقرة، أو روائيون من قارة لها خصوصيتها البالغة هي أمريكا اللاتينية.. لعل القصة كالنبع الصغير الصافي المنساب الذي يجلس عنده القارئ غامسا فيه قدميه متنعما برقرقته، بينما الرواية كالنهر المتدفق العميق الصاخب الذي يمكنه السباحة فيه أو التنقل على متن قارب.

(*) مجموعتك “صناعة محلية” كانت الأكثر رواجاً بالنسبة إليك هل كان ذلك بسبب التفاصيل المسرودة أم أن القصة القصيرة كانت في حاجة إلى هذه المجموعة كي يبدأ الحوار حولها؟

– صدرت مجموعتي الأولى”صناعة محلية” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1999 وسنة 2000 عن الدار الجماهيرية في طبعتها الثانية. أي أنه مرت على صدورها حوالي تسع سنوات، في حين أنه لم يمر على صدور” منابت الحنظل والشيء الذي ينأى” وهما مجموعتان في كتاب واحد، سوى ما ينيف عن سنة.

أي أن الحكم بأن المجموعة الأولى لاقت رواجا لم تلاقه الثانية قول سابق لأوانه. ولا شك، طبعا بأنني آمل أن يمثل ما أكتبه من قصة إضافة مهمة وجادة ومغنية لمدونة القصة الليبية وبالتالي العربية.

(*) “منابت الحنظل” هل يمكننا اعتبارها جزءا من السيرة؟ هي مجموعة في ظاهرها تقريرية؟

– لا يمكن، في رأيي اعتبار أية قصة من قصصي جزءا من سيرتي الذاتية. لأنني أعتبر أن ما يحدد الجنس الأدبي هو الطريقة التي يكتب بها و ليس المصدر الذي استقى منه موضوعه.. فبالإضافة إلى ما ورد في مناقشتي لمسألة إعادة إنتاج الواقعي في سؤالك الثاني لو أردت كتابة جوانب من سيرتي الذاتية وتقديمها للقراء بهذا الاعتبار فسأكتبها بشكل مختلف عن الشكل الذي أكتب به هذه الجوانب وأقدمها للقراء باعتبارها قصصا.. من ناحية أخرى لا أدرى حقيقة من أين تأتين بأوصاف “مباشرة” و”تقريرية” التي تنسبينها إلى قصصي قد تكون ثمة بقصصي عناصر من هذا النوع لم أتفطن إليها أنا ولم يتفطن إليها المثقفون المهتمون، وآمل أن يقوم من سمعت منهم هذا الرأي أو أنت شخصيا، إن كنت تتبنينه بدراسات تكشف عن هذه المباشرة والتقريرية وتوضحها للقراء ولى أنا شخصيا، كي ينيروا لي الطريق و أتفاداها، وسيسدون لي بفعلهم هذا فضلاً لن أنساه لهم.

آمل أن يكون من أشرت إليهم من النوع الذي يحب إسداء الفضول. ـ( أتمنى ذلك )ـ

(*) إلى أي مدى يؤثر المكان في كتابتك القصصية؟

– هذه مسألة نقدية من اختصاص النقاد. أنا لست ناقدا. خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بأعمالي. كل ما أستطيعه في مثل هذه الحالة هو تقديم ملاحظات وأفكار أولية.. فإذا كان المقصود بالمكان، مكانا جغرافيا، موضوعيا، يمكن معاينة وجوده خارج النص، فهذا غير ماثل في أعمالي.. لن تجدي في قصصي أسماء مدن أو قرى أو شوارع أو أحياء تشغل حيزا فيزيائيا خارج النصوص، أما إذا كان المقصود بالمكان المجال المتخيل الذي تتحرك فيه شخصيات قصصي، فأعتقد أنه متنوع، وأظن أنه ينقسم إلى قسمين عامين:

“1” مكان تمكن تسميته بالمكان الإيحائي أو الضمني “أي الذي لا يذكر صراحة في النص ولا يركز عليه الوصف، وإنما يستشفه القارئ استشفافا” وهو مجال عام يفهم أنه المدينة. فليس ثمة في قصصي صحارى أو غابات أو خضم بحار أو محيطات.

“2” وإنما مدينة غير محددة المعالم، سوى أنها محاذية للبحر. وحتى في بعض القصص التي تجرى وقائعها في أمكنة محددة ضيقة لا تجدين وصفا يحدد معالم هذه الأمكنة ويصور أجزاء كبيرة من تفاصيلها، وإنما يكتفي بتسميتها كالقول بأنها محل لبيع كذا أو حافلة وما شابه ذلك.

“3” مكان مشخص وهو مكان يتم وصفه بقدر من الدقة “وبذا يتحول إلى شخصية من شخصيات القصة” لأن هذا الوصف يؤدى وظيفة درامية “يسهم في تطور الأحداث” أو وظيفة دلالية أو نفسية.

وقد لاحظت أن هذا الوصف غالبا ما يجسد طائفتين متناقضتين من الأمكنة: أمكنة حاصرة معادية كالزنازين والأقفاص والحظائر وأمكنة منفتحة مؤنسة، البحر غالبا.

(*) ما الجديد لديك؟

– أشتغل الآن بشكل متقطع على الإضافة إلى عمل نشرته في المدة الأخيرة في مجلة عراجين المعروفة وأعادت نشره مجلة أدب ونقد المعروفة أيضا في عدد شهر مارس 2007 عنوانه “سجنيات” لقد لاقى هذا العمل اهتماما حارا من قبل القراء في ليبيا وخارجها “بدليل إعادة نشره من قبل “أدب ونقد” فور صدوره في “عراجين” لنواحيه الجمالية وللتجربة المتميزة التي ينقلها ولمكانته الخاصة فيما يمكن تسميته بأدب السجون.

* عن العرب اللندنية

مقالات ذات علاقة

سعاد الشويهدي: أبحث عن خلاص يليق بإنسانيتنا

حواء القمودي

لطفية القبائلي: أنا وبنات جيلي لم نقع بمصيدة الأدب الإباحي

عبدالسلام الفقهي

الروائي عماد مدولي: الكتابة تمثل للخيال ملاذًا للابتعاد عن الواقع.

مهند شريفة

اترك تعليق