المقالة

الفيلسوف سونسيوس مطران طلميثة عام 400 م يشكو حال ليبيا!

بوابة الوسط

هذا الجرس المكسور مازال يحب الغناء.
الشاعر التشيلي  بابلو نيرودا

مثل الكثير من الشهود على الأحداث لم يكن يفهم شيئا مما يجري حوله. فالشاهد هو شخص موجود وسط إعصار حدث، أو حادثة، ويحاول أن يستوعب المعنى. كان يرغب في فهم ما وقع أثناء انشغاله بمجهود البقاء قيد الحياة.

الروائي الإيطالي إيري دي لوكا

1-

أحب أن أنوه، أني أتمني أن يطالع مطالع هاته المقالة، كتاب عبد الرحمن بدوي: “تاريخ الفلسفة في ليبيا – الجزء الثاني – سونسيوس القورينائي – منشورات الجامعة الليبية – الطبعة الأولي 1971”.

الحقيقة الدافعة لذاك التنويه أن إعادة قراءتي للكتاب دافعها أني (مثل الكثير من الشهود على الأحداث لم يكن يفهم شيئا مما يجري حوله)، ولقد انشغلت بالبقاء على قيد الحياة عن معنى ما يحدث، ذاك الانشغال محفز أن ألوذ بذا الكتاب، فما مضى لم يمض حيث أن الإنسان في كل حال هو الإنسان، وما الزمن إلا اللحظة السرمدية والمكان يتعين بوجود ذا الإنسان فيه، بدا لي أن أستحضر سلفي سونسيوس الفيلسوف وأن أركب مركبة الزمان إلى نهاية القرن الرابع وبدء القرن الخامس.

سونسيوس عاش كما عشت 1969 – 2019م منشغلا بالبقاء قيد الحياة، وكتب الكثير من رسائل/ مقالات وأنشد في صمت:
–    كم من متاعب عانيت آنذاك، وكم من أحزان قاسيتها هناك، بينما كنت أحمل على عاتقي وطني الأم! لقد تبللت الأرض من عرق بدني، وكنت في عراك مستمر يوما بعد يوم.      
– أيتها الأرواح السعيدة اشتركي معي في دعواتي وآلامي العديدة. فالحياة لم تكن حلوة، لأن الأرض التي هي وطني أصابها الاضطراب.  
– أليس من المحزن ألا يكون لدينا غير أخبار أليمة نتبادلها في رسائلنا؟.

هذا جاء فيما كتب من قورينا (شحات حاليا) إلى أخيه بالإسكندرية:
– ولا أحد منا يثور! بل نقبع في بيوتنا دون أن نحرك ساكنا!،وإني أملي هذه الرسالة وأنا شبه راكب على فرس. اليوم لا يسمع في كل مكان غير وقع سنابك الخيل، والبلاد كلها محتلة، وأنا واقف حارس بين برجين، وأغالب النعاس:
لرمحي أدين بالطعام
ولرمحي أدين بالشراب
وأشرب مستندا لرمحي
ولست أدري هل يصدق ذلك على أرخيلوخس صدقه علىَ…

أما كريالس حاكم الليبيين فيُشترى بأبخس الأثمان، لا يحفل بحسن السمعة، ولا يعبأ بأمان المدن، ويختلس أجور الجنود المحليين، أما الأجانب فكان يخشاهم…جميعا لا يفكرون إلا في الثراء يتميزون بغلظ عاداتهم وحقارة مشاعرهم، وفقط في المجتمع الفاسد فعلا يمكنهم أن يفلتوا من الاحتقار.
– إني أعيش وسط مصائب وطني، وكوارثه تملؤني بالإحزان، وفي كل يوم أشهد أسلحة الأعداء، وأشهد الناس يذبحون كالقطعان السافلة، وأتنسم هواء فاسدا منبعثا من الجثث، وأتوقع لنفسي أن ألقى نفس المصير الذي يلقاه الكثيرون، إذ كيف يكون عندي أمل، بينما السماء تكدرها أسراب من الطيور الجارحة التي تنتظر فرائسها؟ ومع ذلك، فلا يهم، إني لن أترك هذا المكان: ألست ليبيا؟ هنا ولدت، وهنا أشهد قبور أجدادي النبلاء. 

– احفظ، أيها السعيد، لليبيين كل ما حصلوا عليه، احفظه  لمدة طويلة من الزمان، مراعاة لذكر إحسانك، ومراعاة للآلام القاسية التي عانتها نفسي!

2-

كما لذت به لاذ سونسيوس بالأناشيد، الفيلسوف لم تسعفه محبة الحكمة ولم تجبر بخاطره إلهة الحكمة، اتخذ من الناي طريقة فـ (تغني مصحوبا بالكنارة بنغمة دورية هي وحدها التي رآها تناسب جلال التعبير والفكر) وتلم بالمحنة: (عندنا موسيقى ليست لأحد غيرنا. فرجالنا الانخماخرسيون يستعملون كنارة صغيرة جاسية جلفة لا فن فيها ولا صنعة، لكنها لا تخلو من سحر: إن لها طابع الرجولة، على النحو الذي طالب أفلاطون في تربية الأحداث. صحيح أنها رتيبة نوعا ما، ولا تصلح لكل أنواع النغمات لكنها تكفينا…، فكما انحدرت إلينا من آبائنا لا تزال تشيع السحر في فقرنا. أما الإمبراطور، والمقربون إليه وكل ألاعيب الحظ هؤلاء الذين يلمعون لحظة يختفون كأنهم الشهب، فلا أحد هاهنا يتحدث عنهم، إن أسماعنا لها وجهات أخرى.).         

إن كتب ذاك كما عرض حال للفجيعة والمواجع، كتب في (مديح الصلع): (الأصلع يسمى “قمرا”، وهو يمر بنفس المراحل التي يمر بها القمر في أدواره طوال الشهر القمري: فلا يبدو منه في بدايته إلا هلال صغير ثم يكون ربعا، ثم ينمو حتى يصير بدرا. والصلع قريب الصلة بالنور، والنور أجمل الأشياء…).

وفي هذا كتب متفكها كما ديون الفم الذهبي علّ في هذا قشع الغمة، فليس كالسخرية والتهكم في واقع الحال طريقة في الشجاعة والمواجهة …

وكتب أن (الفائدة الكبرى للكتب هي أن تجعلنا ننتقل من القوة إلى الفعل)، (حيث أنتم تخجلون من أن تتعلموا في وقت متأخر، لكن ليس هذا هو ما ينبغي أن يشعركم بالخجل، إنما الجهل هو الذي يدعو إلى أقصى الخجل)، (ما أعجب أقوالكم، وما أغرب معتقداتكم ومذاهبكم،

إنها خليط مشوه مضطرب من الكلمات غير المعقولة).

3-

أن أتمترس بدرع كسونسيوس فليس كمثله شيء، حين لزم أن يكون الفم الذهبي ألقيىخطبة قدام الإمبراطور في القسطنطينية أما في الإسكندرية مع هيباتيا تفلسف، حين عاد إلى قورينا والعود أحمد امتشق السلاح.
وابل من مصائب وسيول من نفوس خربة اجتاحت البلاد، فلم يتراجع ولا تردد حتى أن مصيره المجهول ذهب في تراب البلاد الثكلى.

كنت كلما أوغلت بين دفتيه تجتاحني حال من تشاكل عليه الزمان وتشكل في المكان، بدا لي أن الحدث بإعصار اجتاحني فكنت الشاهد الذي يبحث عن معنى حيث المعنى في اللا وجود أو أن الحدث المعنى الموجود وحسب.

مقالات ذات علاقة

مـفارقة كـبرى

زياد العيساوي

أنا وصغار المعتزلة

عمر الككلي

طبيعة السجن كمكان

عمر الككلي

اترك تعليق