المقالة

الفيدرالية والأمية السياسية

>

fenadi@yahoo.com

>

(يا شباب العاصمه … بنغازي ما هي قاسمه)

(يا شباب مصراته … ليبيا مش ثلاثه)

(لا للفيدراليه … ليبيا وحدة وطنيه)

(لا لا للفيدراليه … انقولوها بالعين قويه)

(يا فيدرالي مانك صافي … تحقق في حلم القذافي)

هكذا صدحت حناجر الشرفاء في بنغازي وغيرها من المدن الليبية الحبيبة طبرق وشحات ودرنة والبيضاء والمرج واجدابيا والبريقة وسبها وغيرها، والتي قدمت شهداءها الأبرار من أجل أن تظل ليبيا كيانا واحداً ودولة موحدة لا تقبل القسمة إلا على نفسها. لقد كتب ثوارنا الأبطال بدمائهم الطاهرة الزكية عبارة (لا شرقية ولا غربية … ليبيا وحدة وطنية) عندما تصدى أولئك الشباب الرجال بصدورهم لنيران كتائب معمر القذافي ومؤامرات نظامه وأزلامه الذين استغلوا رموز القبيلة، واستجلبوا المرتزقة، واشتروا ذمم الشخصيات الوطنية، والعديد من الدول العربية والإسلامية والافريقية والأوروبية الصديقة من أجل استمرار هيمنة النظام الديكتاتوري على الدولة الليبية وممارسة القهر والإذلال لليبيين جميعهم.

كانت تلك لغة الثورة المسلحة في مرحلة مهمة من تاريخ ليبيا البطولي، فكل التضحيات التي قدمها الشعب الليبي الشجاع برجاله وحرائره وشبابه البواسل لم تتضمن أية أهداف سياسية معلنة أو مبطنة، لتقسيم هذه المساحة الجغرافية التي تسكن قلوبنا واسمها ليبيا، ولعل أكبر دليل على ذلك هو أعداد الشهداء من المناطق الغربية الذين رووا ثرى البريقة واجدابيا ومصراته وبني وليد والكفرة وسرت وغيرها، ومثلها قوافل الثوار والشهداء من شباب ورجال المنطقة الشرقية الذين تشرفت الأرض الليبية الطاهرة باحتضانهم في غربها وجنوبها وشرقها وشمالها، وأبرز مثال على ذلك هو الشهيد العميد الركن على عطية حدوث العبيدي الذي قدم حياته فداء لمدينة مصراته الصمود ولليبيا الحبيبة كافة، وغيره كثيرون كثيرون كثيرون.

كما أن الشعارات الوطنية التي انطلقت أثناء كل تلك المظاهرات والمسيرات المعارضة لنظام القذافي مع انبلاج ثورة فبراير المباركة كانت تعكس الروح الليبية المتضامنة الواحدة المتحدة، فجميع أهل الشرق كانوا يؤكدون في هتافاتهم بصوت واحد أن (طرابلس عاصمة أبدية) وأهالي الغرب والجنوب هتفوا بملء حناجرهم (بالروح بالدم نفديك يا بنغازي) واسم بنغازي هو مجاز المقصود به المنطقة الشرقية كلها ولا يقتصر على المدينة بعينها فقط.

إذاً السؤال الذي يطرح نفسه في خضم الأمية السياسية السائدة في مجتمعنا والتي يعاني منها الليبيون: هل المطالبون باعتماد النظام الفيدرالي يعون ويدركون دلالات وتبعات هذه المفردة السياسية بكل دقة وموضوعية؟ أم أنهم اختاروها وناقشوها تعبيراً عن سخطهم وغضبهم وعدم رضاهم واستيائهم من تردي منظومة الخدمات العامة التي تقدمها مؤسسات الدولة الرسمية، والتي يغلب عليها الطابع المركزي المترهل المتسم بانعدام الشفافية وضعف الأداء، والتنفيذ البطيء في تسيير دفة الأعمال خاصة المرتبطة بحاجيات المواطن وإنجاز إجراءاته الإدارية والمالية وغيرها؟

أنا على يقين تام بأن ما ينادي به بعض أهالينا في الشرق ومن بينه مطالبتهم باعتماد النظام الفيدرالي للدولة الليبية هو تأكيد لحرية إبداء الرأي، وممارسة الديمقراطية الحقيقية التي وفرتها مناخات ثورة السابع عشر من فبراير، وهو تفكير ناضج بصوت عال في جو ديمقراطي لا ينطلق من رغبة انفصالية أو نزعة انعزالية تهدف إلى تقسيم البلاد وتمزيقها إلى ولايات أو كانتونات أو غيرها من المسميات السياسية.

وأنا أؤكد ذلك لسببين أولهما أن مفهوم مصطلح الفيدرالية لا أراه مكتملاً في عقولهم وتفكيرهم بمعناه السياسي المباشر الواضح، وإنما استخدم في هذا الحدث كتعبير اجتماعي يسعون من خلاله لإسماع رأيهم ومطلبهم بإيجاد حلول لجملة الاختناقات الإدارية والمالية والخدمية التي تعاني منها المنطقة الشرقية بشكل خاص مثل بقية المدن والقرى الليبية الأخرى. أما ثانيهما فهو ما أبرزه (البيان الختامي لسكان إقليم برقة) كما أسماه المنظمون والذي تأسس من ثمانية نقاط وتم إعلانه أمس الأول حيث يؤكد على وحدة الدولة بكامل ترابها حين أبرز عبارة (عاشت ليبيا دولة واحدة موحدة ذات سيادة) في ذيل ذاك البيان، وإذا تبين أن هذه العبارة وردت خطأ في البيان فهو بالتأكيد يعكس تناقضاً فكرياً كبيراً في منهجية العمل وضبابية الأهداف والغايات المرجوة منه. كما أن البيان في فقرته الخامسة ينادي بالتمسك بقيم ومباديء ثورة السابع عشر من فبراير، وللعلم فإن أول هذه المبادئ هو رفض تقسيم ليبيا انطلاقاً من هتافات الثوار التي دوت في سماء المنطقة الشرقية قبل غيرها (لا شرقية ولا غربية… ليبيا وحدة وطنية).

من خلال كل هذه الأطروحات يتبين أثر تدني الثقافة أو الأمية السياسية التي نعاني منها في مجتمعنا وانعكاسها السلبي المؤثر على أفكارنا وبرامجنا وخريطة العمل التي نعتمدها والتي لازالت تعاني من قصور في رسم المسارات السليمة للوصول للأهداف والغايات الوطنية المرجوة.

مقالات ذات علاقة

الشاعر الكبير مفتاح العمّاري يصفع التوحش

يونس شعبان الفنادي

إِبْـــــدَاعُ شَــاعِــرِ الوَطَــنِ: أحمد رفيق المهدوي.. وَقِصَّةُ القَطِيعَةِ الثَّقَافِيَّةِ بَيْنَ الأَجْيَالِ!

خالد السحاتي

قـامـوس أمـنـا الـمـرأة

المشرف العام

اترك تعليق