التشكيلي محمد بن لامين
حوارات

الفنان التشكيلي محمد الأمين… لوحات تفضح روح السجين

عن صحيفة فبراير

فراغ سحيق، وأكثر، وأكثر، وأبعد، حينما تقرر التأسيس، الأرض… هناك، في أقصى الفراغ، الشمس، القمر، النجوم، المدى الفضائي الامتناهى، والأيام المحسوبات، لكل كتلة، وجمال، ومجرة، وشهاب، ولم يكن بالمقابل سوى الأسئلة، للعبث بالتفكير، حتى آخر حقيقة، لم يكن صعباً إظهارها، ثم، ومن جديد، من جديد، تتوالى الأيام، حتى ظهر أول رسام… دعونا نتصارح مع واحد من آخر الرسامين، ولن نقول آخر رسام (!)

التشكيلي_محمد بن لامين

أخبرنا كيف يلتقي الألم والفن؟

سجنت في منتجع الموت (بأبو سليم)، وضعت فيما يعرف بالشيلة، وكان الفن براح لتوسيع ضيق الغرفة، تلك الزنزانة الحقيرة، الضيقة، الوضيعة، الخانقة للأنفاس، ووسيلتي كانت الرسم، فرسمت بسلفر لعدم وجود أدوات الرسم، كان يقدم لنا مع الطعام، هو من الألمونيم، ويعطي نفس خطوط الفحم، وقلم الرصاص، اذا ما خطيت به على الحائط، وكان اللجوء إلى الرسم على الحائط ملاذا، ملجأ، مفرا، حتى فى تلك الأوقات التي ننتقل فيها من زنزانة إلى أخرى، والغاية هي توسيع ضيق الحيطان، ونسيان التحديق بباب الحديد المرعب، وفتح باب للتأمل، للفضاء، للأفق، وفى ذات الوقت كان تعبير عن ما يجول بالنفس تلك الأيام القاسية، إنه لقاء بين السجن وبوح النفس، بالرسم، بالحق… الذي تمثل على هيئة خطوط.

السجن، الصدمة، الفن… هل ستتوقف طويلاً عند هده العوامل التي صارت تمثل وجدانك؟

لألم، معناه المحيط، الدكتاتورية، قصة ربيع ليبيا، الظروف السيئة التي مررنا بها طيلة عقود، لها انعكاس على فني، وهذا يلمس في كثير من الأعمال التى أنجزتها، قبل وبعد الثورة، إنه ألم عام، ذاكرة جماعية محطمة، مقيدة، مرتبة بالقوة داق طعمها كل الليبيين، وكفنان كان من الضرورة أن تنعكس على أعمالى، وفى أعمال كل فنان صادق مع حكايته الملونة، ومع بلده، ولم يكن هناك مفر من الوفاء، والتعبير عن الحقيقة، والمعاناة بكل تفاصيلها، الصغيرة، الكبيرة، البسيطة، وتلك المفجعة، فمن يريد أن يرسم عن الثورة فلينظر إلى وجوه الليبيين تلك الفترة ..والمعاناة صعب تفسيرها، شرحها، توضيحها، مدام هناك عين تحدق، فالحال كان مظلما بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والعين كانت تنظر، ومصدومة لفظاعة ما ترى، وهول ما صار فيما بعد ..عدلا لا يفسر سوى بمواجهة اللكمة باللكمة..أو كما يقال، مواجهة الإرهاب بالإرهاب كي يتحقق العدل، ولا غالب إلا الناس.

التأمل الحزين تنجم عنه أفكار حزينة..اراك اليوم بعد سنوات التحرير الثلاثة لازلت مصراً أن يكون الأسود لون الظلام، لسان حالك؟

هي ليست سوداوية بالمعنى المتعارف عليه، لأمر بسيط، أننا كنا ملزمين بها، بحكم الواقع المعاش الذي كنا نحياه، وحالة البلد، لذلك، ودونما تفكير، وبكل بديهية كان الفنان يجد نفسه موغلا في الظلام، حتى وهو في وقت الظهيرة، والشمس الحارة تتوسط السماء، تجده يكابد الألم، والحزن، والكآبة.

تقنياً، هل يؤثر الحزن، والظروف النفسية الصعبة، على التقنية؟

الفنان يتجاوب مع ظروفه، وواقعه، والأحداث التي تمر به أو بوطنه، أو حتى بأصدقائه، فالفن في الأصل، قبل كل التعريفات، هو مايدور في خلد الفنان، وإذا تابعت سيرة إي رسام، كأن يكتبها هو، أو غيره، ستجد أن اعماله هي إنعكاس لتلك السيرة، وهذا أمر بسيط، يعرفه كل مختص بالنفس، كتب ذات مرة عن رسام، أو قاص، أو روائي .. ولكن هذا لا يمنع أن يتجاوز الفنان حزنه إن كان حزينا، ويقدم لنا بكل شجاع صور للامل، الفرح، التفائل، إنها حشر للمشاعر، وقدرة الفنان وخبرته، تبوح بشعور ما، في وقت يمر به بشعور شديد، منهك، مغاير، إن وحي الإلهام لا يهادن حالة نفسية واحدة، ويظل أسيرلها، حتى في مرحلة واحدة، اعني سيريه لوحات تمثل حالة واحدة، تحمل قلقا، وتفكيرا مختلفا.

كنت في فترة من المفقودين – اعني – فترة السجن، كم كانت فترة اعتقالك، وهل ستكرس تلك التجربة لمستقبلك الفني؟

وقت كنت بالسجن، أنذب الحال، والعن السجان، مع كل الويلات التي لا قيتها، لم يكن أحد من البسيطة يدري أين أنا، فالقبضة كانت محكمة، واللغة، والألوان، كانا مصدران، ومن يمانع، يساق مثلي إلى أبو سليم، إلى المكان الذي من يدخله مفقود، وكنت كذلك، ومن يخرج منه مولود وعسى أن تولد في مرسمي هذا، تجربة تعيش إلى الأبد، ولا تموت مع الزمن، كما مات الطاغية، الذي سمع بحياته كلاماً كثيراً، ولكن يبدو أنه لم يسمع أن الكلمة، والفن، عمرهما أطول من عمر السجان، وما عليك إلا أن تقلب صفحات التاريخ.

التحرير .. هل تراه حررك من أربعة عقود من السجن، تحت شمس ليبيا التي كانت خجولة، وستة أشهر وخمسة أيام في ضيق الزنزانة.. هل أن لكتاب العذاب أن يقفل، والى الابد ؟على اللوحة على الاقل؟

حين كان الفن في ضل الدكتاتورية والقمع تجد فيه بعض الدلائل والمؤشرات من خلال الاعمال، بأن تلك الاعمال فيها الكثير من الشكوى والتحطم الانساني والسوداوية الليبية بإمتياز، وفراغ الهوية منها، ومحاولة إقحامها بالأدلة، وبعد الثورة مرت لوحاتي بعدة مراحل، ابتداء بتفكيك الخروج السلمي للناس، ومحاولة إيجاد رؤية له، والمواجهة المسلحة، وبالتالي كانت هناك سلسلة أعمال ولكل حدث كبير بالثورة شغل خاص به وحده، وعرضت كل هذه الاعمال أكثر من مرة، كما عرضت في بريطانيا، والولايات المتحدة.

منحوتات بالرصاص ومخلفات الحرب .. هل يحمل التاريخ تجارب حرب تذكر؟

ما يخص المنحوتات بالرصاص، كتب عنها في أمريكا من قبل المهتمين، ومن خلال نحتي لإعمال الرصاص حاولت أن أغير رؤية الرصاص، فقد انجزت منه أعمالا تعبر عن السلام، الرقص، الحب، الفرح، المرح، وهو المعد أساساً لقتل الناس، أنبسطو ياناس، ومن غير الفن سلم يصعد بنا إلى قمة الانبساط، حتى في ذروة القسوة.

شخصياً معجب كثيراً – وسامحني على هذه النقلة – ببورتريه للسيدة فيروز، كان صعباً أن أتجاهل الحديث عنه؟

بورتريه فيروز رسم في «1999» وهي قامة كبيرة، وجميعنا يحترمها ولشئ في صوتها رسمت البورتريه وقدمت نسخة منه لابنتها ريما في بيت الدين ببيروت لتوصيله إليها، وأظنه وصل، ما لم يبلله مطر الرصيف، وشتاء تلك السنة البعيدة.

لديك منحوتة ضخمة بالصين، ما قصتها؟

إسمها «شمس الحب ..أنجزت في «2006» في مدينة «شان شون «بأكبر حديقة نحت بالعالم، هو عمل يزن 17 طنا، من الجرانيت والبرونز، يحكي أسطورة ليبية، تتمثل في طائر الفينيق الذي يقال إنه يبعث من الصحراء الليبية كل مئة عام، ترفقها أسطورة صينية، فهمتها، ومزجتهما فكان ذلك العمل.

هناك تنوع في التلوين، إكريليك، مائي، حبر، زيت، في زمن يميل فيه إلى صنف أو صنفين على أكثر تقدير؟

فنانون كثيرون يشتغلون بخامات كثيرة… وأحب هذه الكثرة، بل وأجتهد في أبتكار خامات ومواد موغلة في التفرد، على أسس بعث الدهشة، والجديد في حوار اعمالي.

الرسم، النحت يبدأ لديك باستكشات أم مباشرة تبدأ بالعمل؟

بالرسم مباشرة، بالنحت باستكشات لطبيعة العمل عليه.

إذا طلب منك رسم الكون ماذا ستضع وسط اللوحة، حيوانات، اشجار، ادوات حرث ام نجوم وتخوم ومجرات؟

لا اعرف كيف يرسم الكون ولكنني أرى أن الكون من الممكن أن يتمثل حتى في حبة قمح… ولكن من الصعب رسم الكون بمفهومه المطلق، فذاكرة الانسان لا تستوعب اكثر من الراهن، وخيالها، وقديمها الذي ياتي فجأة ويذهب فجاة، الذاكرة ياصديقي مليئة بالثقوب.

حوار_التشكيلي محمد بالامين

مقالات ذات علاقة

أسامة الفيض: مشروعي الفني دعوة للسلام

خلود الفلاح

الأستاذ الدكتور “فتحي الغماري”: قد يكون الإنسان مبدعا أو فنانا وهو يمارس عملاً لا علاقة له بالفن أو الأدب والإبداع

رامز النويصري

محمد الفقيه صالح: عندما سمعت اسمي في قوائم الإعدام

المشرف العام

اترك تعليق