تشكيل

الفنان التشكيلي الليبي علي المنتصر البحث عن الطمأنينة في اشد المناطق عتمة

خلطة تشكيلية معاصرة تعمل بكل هدوء بعيدا عن الوسط الفني لجأت الى الهامش وتركت المتن منذ اكثر من عقدين من الزمن، تجربة الفنان التشكيلي الليبي علي المنتصر المجرب لعدة تقنيات ومدارس فنية يتجه في اعماله الى الموضوع الواحد في كل مرحلة يخوضها كمغامرة فنية بكل عنفوان بدأ من مراحله المبكرة في الصرخة والموسيقيين والسلالم وغيرها الى اسلوبه الراهن الذي يشتغل عليه الان في مرسمه بمدينة طرابلس الليبية.
عمل الفنان بالتجارة الى جانب عمل كفنان تشكيلي مما وفر له قدرة لممارسة العمل الفني بعيدا عن الاسلوب الترويجي في الفن والرضوخ الى متطلبات السوق الفنية الرخيصة ذات طابع النخاسة الفنية المنتشرة هذه الايام حيث ان الفنان قد وفر احتياجاته المادية من عمله في التجارة واستطاع ان يفصل بين الشخصيتين في آن واحد. شخصية التاجر وشخصية الفنان التشكيلي.
 

الفنان التشكيلي علي المنتصر

اعماله الفنية تتمظهر فيها الفخامة الفنية وتدعمها فلسفة عميقة ومدركة بعلم العلامات والدلائل ومناخات لونية مختلفة بفعل مخزون بصري معرفي كبير وذائقة منفتحة على العالم كله تلامس العديد من الثقافات فالموسيقى تمثل جزا كبيرا من مصادر الالهام عند الفنان وتتمظهر في حركة الفرشاة واثرها المتروك على اسطح لوحاته الفنية كأنها عزف موسيقى الجاز ربما محاولات من الفنان لترجمة الصوت الى لون بطريقة ما.
مجموعة السلالم مثلا توحي بأمكنة مهجورة تتمثل في القبو والعلية، حيث الاتجاه الى الاسفل يمثل دواخل النفس البشرية بكل غموضها ومجاهلها والاتجاه الى الاعلى يمثل الخروج منها الى الحياة الواقعية ففي اغلب هذه الاعمال تسيطر عليها الالوان العميقة المائلة الى السواد مع تدرجات الرمادي و انبلاج ضوء خافة في الاعلى يعطي اتزانا معينا وأملا ما رغم ان اتجاه اغلب هذه الاعمال الى القبو.
 
مناطق عميقة غاص فيها الفنان بدأ من مجموعة الصراخ الى السلالم ومرورا بالموسيقيين وحتى مرحلة الانسان المعاصر، الخوف هي الثيمة البارزة في اغلب كائناتها حتى الموسيقيين تغمرهم رهبة اثناء العزف حالة من عدم الانسجام في حركاتهم مع الاجواء المحيطة بهم من الوان مفعمة بالحيوية وعدم الاستكانة، موسيقى شرقية بتلوين صاخب كأنك تستمع الى موسيقى الجاز ذات الهرموني القلق والغير مستقر.
رؤية معاصرة لمفردات تم استخدامها منذ الازل وستبقى مستعملة الى الابد ولكن هنا عند الفنان المنتصر تم تناولها بشكل مختلف حيث تظهر علامات القلق بفعل تأثيرات اثر الفرشاة وسرعاتها في بعض الاحيان وسكونها في احيان اخرى مع التلاعب في دراجات اللون حيث التناغم والانسجام في مناطق معينة والتنافر والمفارقة في مناطق اخر توحي بالقلق والاضطراب، كأنها محاولات الفنان البحث عن الطمأنينة في اشد المناطق عتمة واضطرابا.
الاداء عنده مفعم بالحيوية، والأفكار من خارج محيط الذاكرة الشعبية، فنان قادم من مناطق اخرى يتكلم بصوت علي المنتصر نفسه الانسان المولود في طرابلس المدينة المتوسطية متأثرا بكل الثقافات التي مرت وبكل الحضارات التي احتضنتها في فترات زمنية متباعدة.
الانسان المعاصر مرتهن للخوف والعزلة، نتاج طبيعي لمرحلة ما بعد تفكك الدولة الوطنية وانتشار العصابات المتعددة الجنسيات والتي تعمل في مجال الارهاب وتهريب البشر والنفط وغيرها بالأعمال الغير مشروعة من اجل بريق الذهب والمشاريع الشخصية فتظهر كل هذه الافعال مجتمعة في نصوصه البصرية حيث الفنان وكلبه كرمز للعزلة والكآبة والكثير من الخوف والقليل من الطمأنينة.


كتب عنه الفنان التشكيلي الليبي علي الزويك “بقياس سنوات عمره الزمني الفنان علي المنتصر تجربة عميقة ساطعة وجديرة بالتوقف، فنان غير خطابي، زاهد في القول يحيط نفسه بعزلة وأسئلة حرجة حول الفن والحياة، لا يبوح بما في داخله إلا للورق والقماش. تزداد المفارقة والذهول عند مشاهدة لوحاته ( تداعيات لمناخات الكفكاوية) تلوين دسم صلب يصل درجة الخشونة، جنوح وحدة لا تلمسهما في شخصه”.
ولد بمدينة طرابلس الليبية 1967 تطور ادواته بشكل شخصي في فترة زمنية قصيرة حيث اصبح من ضمن اهم الاسماء التشكيلية في ليبيا منذ بداية التسعينات وقد شارك في العديد من المعارض والمهرجانات الدولية والمحلية ومن اهمها معرض الصور الشخصية بمالطا 1993 – بينالي الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة 1999 – معرض EUROPE ART GENEVE بسويسرا2001 – معرض مشترك مع الفنان علي العباني والفنان علي الزويك بمركز الفنون المعاصرة بمدينة انقره بتركيا 2003 – البينالي العالمي للفن المعاصر بمدينة (فلورنسيا) إيطاليا 2003 والعديد من المعارض الشخصية في طرابلس وتونس ومالطا واسطنبول ومنذ فترة قصيرة اسس غاليري خاصة لأعماله الفنية ومرسمه الخاص في وسط مدينة طرابلس.
 

________________________________
مجلة الجسرة التشكيلية.. العدد 15 – 2018

مقالات ذات علاقة

تفصيل صغير من عمل كبير.. التليسي..للجدارية التي شيدّها لليبيا.. باحتها الخلفية

زكريا العنقودي

لوحة الحرب

ناصر سالم المقرحي

خيول “جمال دعوب”

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق