قصة

الفــقـــاعـة


وجه غائم الملامح كالعجين الحار، يطل بشعره القنفذي من بين الفرجات والأغصان… من الشقوق في الجدران القديمة يتملص بعينين ساذجتين… يرتسم فقاعة قميئة آسنة بشقين مغبرين، مرمدتين، وبأنف عملاق راشح كإسفنج مبللة، لحم متهدل رخو يتقلص حنكه برعشات مزمنة.. ارتعد برداَ حتى العظم.. هلع يصعد إلى رأسي، وينسكب في أعماقي.. أشواكه المسننة تنشب رؤوسها في داخلي، فأشعر باشتعال لحمي… رائحة الشواء والعظام المحروقة تعربد في مسامي.. أتشبث بقماش معطفي لأبعد السيل الجارف الذي يطوقني.. يحملني طوفانه الأحمر بعيداً، إلى أماكن عذراء غير مطروقة.. أهرول بين شجيرات الحديقة المظلمة.. أتعثر بالطين اللزج وبقايا الأغصان، بأعشاب الحديقة المتشابكة.. أعدو إلى البيت المنعزل في الأفق البعيد.. متأرجحاً بين الكابوس واليقظة، أتدفق بين الأزقة الخالية المظلمة، التي يقطنها الخواء الكئيب، ويعشش القهر بين جدرانها الباردة. المسخ الرهيب يظهر لي مرة أخرى أكثر وضوحاً.. ينظر إلي في بلاهة مقيتة كبلاهة السمكة التي كانت تنظر إليّ عند ما فصلت رأسها عن جسدها.. على آخر الطاولة تركت السكين يلهو بأحشائها.. يفتت لحمها نتفاً صغيرة مقززة.. الدم الأسود الكثيف يسيل بارداً كالثلج.. عيون مفتوحة لا مبالية.. شعاع مخيف ينطلق منها… لففت الرأس المقطوعة في كيس قمامة.. أسمع في داخلي أنينها المكتوم… أزيح الكيس بعيداً، لكن النشيج الحزين يسكن أذني، الشعاع الغريب يلتف حولي كالعنكبوت اللزج. الرأس المقطوعة ترتسم على الجدار المقابل مرة أخرى.. الدم الأزرق البارد يسيل من الخياشيم… من الأنف العملاق الراشح… من الشقين الأحمرين.. ساقاي تشتغلان بلا هوادة.. أجرى كمطارد يقذف جسده إلى الأمام… نحو الأفق الركامي الأصفر الملتحم بالسماء.. أميل إلى الأزقة المتعرجة، الضيقة الوسخة.. أميل بعنف حتى أصطدم بالجدران الواطئة المؤدية إلى الجزء القديم من المدينة.. بيتي هناك في نهاية الزقاق الموحش.. مجموعة من الجراء الصغيرة العمياء تنام تحت الجدار المتهالك.. أتمنى أن أكون في فراشي الآن، أقفل الباب جيداً، أشعل المصباح وأنام إلى الأبد..

أنفاسي اللاهثة تتقطع، لكن قوة رهيبة تولد في داخلي.. تدفعني.. تحثني على تحريك رجليّ.. أود أن أهرب وراء الخط اللازوردي.. أهرب بساقين طويلتين، أشعر أنهما لا تمتان لجسمي بصلة، تقفزان الحفر والبرك الصغيرة والمباني الواطئة.. أطير بجسد مرعوب، مدمر حتى العمق.. أحاول أن أفلت من الرعب القاتل المنبثق بضراوة من عيني السمكة المقطوعة الرأس.. من الوجه الخرافي المتهدل في كل زاوية بشعيراته الكريهة، ودمه الراشح من قشوره وبثوره المحيطة بالعنق الضخم، شيء صار خلفي يقترب من كتفي، حتى أشعر بأنفاسه اللاهثة.. اللهب وراء أذنيّ مباشرة.. رائحة ليست غريبة تتسرب إلى أنفي.. رائحة السمك العطن.. رائحة الموانئ القديمة والشباك المهترئة.. الدم الغليظ البارد، المتدفق من الخياشيم ومن الرأس المقطوعة بعينين مخيفتين.

شيء يغمر المدى بذراعين مشعرتين عملاقتين تمتدان حتى الخط الفاصل بين البحر والأفق.. أنتفض بينهما كلعبة معدنية.. أجري على إيقاع أنفاسي المتقطعة ودقات قلبي المتسارعة.

– هل تسمح أن أجاريك؟

فأجابني صوته المتدفق الحاد.. صعقني البرق الأزرق يطعن قبة الأفق، ويترك أثراً فسفورياً باهتاً يلون جزءاً من السماء.. مررت بكفي على وجهي الساخن.. أحسست بخشونة واخزة.. تذكرت أنني لم أحلق منذ مدة طويلة.. لم أنم منذ مدة أطول.. أمتهن التسكع في الأزقة المظلمة الفارغة حتى الصباح.. عندها أرجع بجسد منهوك ورأس مشحونة بالأرق والفوضى والأصوات الغريبة.

– كم يمتلكني ذلك السحر الغامض عندما أسير على الشاطئ ليلاً تحت المطر والظلام.

يا إلهي.. إنه يشاركني الشعور ذاته، الذي كثيراً ما ينتابني.. إنها أفكاري التي تعشش في جمجمتي، وتحتل كل أيامي الفارغة.

– أتمنى أن أكون قرشاً يطارد الأسماك الصغير في العمق الأزرق. لقد قتلني أحدها عندما كنت عائداً من رحلة صيد.. لا أنسى لحظة الرعب عندما أطبق بفكيه على وسطي، وغاص بي تحت الماء.

القاع يرتطم بعنف، دوامات إلى الأفق تدور كحجر الطاحون.. الماء الأحمر والغرين والأشلاء المتعفنة يجرفها التيار.. أستعيد توازني قليلاً لكن الموجة العالية تطيح بي.. تمزقني، لم أستطع أن أرتكز على شيء، لكنني أقاوم حتى الموت.أتعلق بالقطرات المتفلتة.. أبكي.. تستحيل قوتي إلى سكون بارد متخشب.. أتحول إلى هلام يذوب في اللجة المالحة.. يتلاشى في القطرات المتدفقة من أسفل الدوامة إلى أعلاها.. العيون الجاحظة تنتشر من حولي.. تولد في شعوراً بالغثيان، بالخوف يهاجمني.. أجري صوب البحر، أتبعه كظله.. أسرني عنكبوته اللامرئي.. سلبني كياني وأخذ يجرني ويضحك بعمق.. لا فكاك من الهاوية.. أجري دونما توقف إلى جانبه.. أتدفق وراءه.. أمامه.. كان الطريق ينحدر بقوة ناحية البحر، حتى أني لم أجد صعوبة في تحريك رجليّ.. الصدى يردد دقات حذائي.. دقات الحذاء تخترق السكون والليل، فتوقظ الكلاب المكومة في الزاوية الرطبة. الجراء الصغيرة تموء.. تلحس بعضها في حنو، يلتصق بي حتى نتداخل في بعضنا، نلتحم كياناً واحداً، ينفصل عني ويبتعد قليلاً.. يستطيل رأسه، ويأخذ شكلاً مثلثاً بحراشيف وقشور خشنة. ينفلق الرأس عن فم واسع بأسنان قوية تقطر دماً.. قدماه تلتصقان في شكل أسطواني.. عند الحافة الأولى للبحر تتحولان إلى زعنفة عاتية بشعبتين حادتين. أنساب إلى جانبه كالريح.. أنتفض كطائر بري مبلل تعبث به الريح.. يسكنني صمت هائل.. تتوقف حركة البحر وانسياب الهواء.. تتآكل الأصوات فجأة وتهرب إلى فوقعتها. السكون يعم الشاطئ ويكبر حتى آخر البحر.. أتأرجح بين الضفاف الهادئة.. بين الذراعين الكونيتين.. أدور حول نفسي حتى أتقيأ ما بداخلي، ما بخارجي.. ألملم أطراف البحر لأجعله رقصة متناهية، قطرة وحيدة على سطح الرمل.. أدوسها بقدميّ.. أبعثرها.. أغيب في حلمي.. أرجع إلى بيتي في الضاحية البعيدة.. ألاعب الجراء الصغيرة العمياء.. أحصي جحافل النمل الخارجة من الجدار القديم.. أدخل القطرة المتدحرجة على الشاطئ.. ألبس الفقاعة الهائلة المحلقة في الأعالي.. أتدثر بذراعين عنكبوتيتين مشعرتين. أغوص في إغفاءة طويلة.. أنهض منها لأجد عينيه المرمدتين تنظران إلى وسطي في بلاهة كبلاهة تلك السمكة عندما قطعت رأسها.

مقالات ذات علاقة

ليم دمي

عزة المقهور

من يسكت بقية الديوك..؟

سعيد العريبي

التراب الوطني

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق