المقالة

الفـراغ المـتاح

 

في صحبتها لا نشعر بالوحدة. نلوذ بها دائما. لتمتعنا بها سطوة علينا متى كنا فرحين زينت المجال حولنا بما يزيد كم الفرح، ومتى كنا حزانى حاكت حزننا وأثلجت صدورنا بالتعبير عنه. هناك من يتعاطى منها لونا واحدا يستفرد به وحده بعيدا عن كمها الذى تلغيه ذائقته الأحادية، وهناك من يرى فى الموسيقى والأغاني عالم يتسع لكل ذوق، وما عليك إلا أن تختار ما يروق لك منها دون اقصاء لأي لون منها.

آباؤنا وقلة من أبناء جيلي لا تستهويهم إلا الأغاني والموسيقى الشرقية القديمة، يقتني أشرطتها ويحرص عليها كما الكنز يختلي بها عندما يحتاجها ويسنح الوقت. ويا ويلك إذا ما فكرت في قطع هذه الخلوة أو تجرأت وأبديت تذمراً من تكرارها أو قدمها. عندها ما عليك إلا أن تنتظر جراء فعلتك الجريئة هذه ما يجود به من غضبه عليك، أقله محاضرة انفعالية حادة غير موضوعية حول تفوق الموسيقى والأغاني الشرقية سواء كانت عربية أو ليبية قديمة في مقابل الغناء والموسيقى الأجنبية أو الشرقية الحديثة التي لا يمكن ان تضاهي تأثيرها بأي حال من الأحوال في نظره فن أيام زمان.

هذا من جهة ومن أخرى سيلقي في وجهك غضبه الفائر من الاضطهاد الذي تمارسه عليه القنوات الغنائية العربية الكثيرة جدا واصفا أغانيها بالاستهلاكية التي لا تحافظ على حضورها في حاجة المستمعين لسماعها أكثر من سنة في أحسن الأحوال، المعتمدة على كلبـّاتها المسوقة بفتيات فاتنات وفتيان وسيمين يتفاعلون داخل الشاشة بما يجعل الموسيقى والغناء هامشا لحوارية مشاهدهم التي لا تخلو من إغراء وإثارة أحيانا مبالغ فيها تذهب بالعقول تماما وتصرفها عنها. ومن جهة أخرى تشطب ذائقته كل فن موسيقي غنائي أجنبي لأنه لا يستطيع أن يتفاعل معه لأسباب عدة قد تكون اللغة أولها بالنسبة للأغاني والمزاج الشرقي المحافظ بالنسبة للموسيقى.

في المقابل ينشأ الأن عندنا جيل تنساق ذائقته بسهولة نحو كل جديد تصدره وسائل الاتصال المتعددة من موسيقى وأغان أجنبية وأخرى عربية يصعب أحيانا تصنيفها شرقية كما إن تواجدها وتكرارها في ظل غياب الشرقي العربي القديم منها أحدث نوع من القطيعة معها لأن آذانهم لم تتربَ على سماعها منذ الصغر مما ساهم أكثر في ابتعادهم عن ما كان يجب أن يرتبطوا به.

وبما أني من الجيل المحظوظ “فيما يخص هذا الأمر فقط” الذي نما وجدانه على الممازجة بين الكل، يحب سيد درويش وعبد الوهاب، وفيروز، وصباح فخري، ومحمد قنديل، وسلام قدري. وينتشي لسماع موسيقاهم وأغانيهم كم يحب شوبان، وأدرينوا شلنتانوا، وبافارتي، ورافي شنكر، وسنتانا، وأبا، وبرايان أدامز، ومرايا كاري، وياني. ومنفتح حتى يتسع ليضم عدنان سامي، وبلو، وبوندس، وجريج ديفيد، ونيو، وفضل شاكر، وجوليا بطرس، ومفتاح امعيلف.

قد نختلف في تحديد الأسماء ولكن نادرا ما نختلف في الممازجة. وكما ذكرت لأني من جيل الوسط الذي بدأ مع الأول، ولاحق بالأخير، يمكنني فهم أحادية الصنف الأول، فالفرد في العموم ابن بيئته، ما يخرج منها يصب عادة في وجدانه ويعبر عنه، لذا يتفاعل معه، ويمكن أن يكتفي به. كما أني أحاول تفهم الصنف الأخير، جيل أولادي الذي ولد ونشأ وها هو يشب في عصر العولمة والتي من أخطر آلياتها وسائل الاتصال التي أصبحت متاحة للكل. حفلة مثلا لجستين تيمبرليك في هونج كونج يتابعها شباب كل العالم في ذات الوقت، وإذا فاته البث التلفزيوني المباشر لها فالنت يقوم بالواجب. هذا البراح المفتوح الذي يسهل الوصول الى ما نحتاجه على كل الصعد بما فيها الثقافية يمكنني أن أرى فيه انجازا إنسانيا هاما يسهل انتقال الكتب والصحف والأفلام والأغاني، متى تذكرت شبابي ونحن ننتظر بفارغ الصبر أن تصلنا أشرطة فيديو حفلات مايكل جاكسون مثلا، بعد بثها بأسابيع وتباهي من كان السباق في مشاهدتها من بيننا، لذا لا تزعجني أبدا، وارى كل ذلك أفق وانفتاح يوسع الذائقة ويغنيها ولكن هذا لا يعني أن نأخذ فقط.

خانة تفاعلنا في هذا المجال شبه معدمة، فالأغنية الليبية الحديثة التي كانت متطورة وحاضرة وملء الأذان من منتصف القرن الماضي حتى بداية الثمانينات تعاني الآن من غياب شبه كامل حتى إن أولادنا لا يعرفونها. فبعد أن ألغت مؤسساتنا التعليمية مادة الموسيقى التي كنا ندرسها في المرحلة الابتدائية، وأقفلت المعاهد الموسيقية في وجه هذا الجيل غاب الأساس عنهم من جهة، ومن أخرى تكاثر قنوات الغناء التلفزيونية بمختلف أنواعها كل يوم تقريبا في مقابل شبه انعدام لتواجد الأغنية الليبية التي توقفت عجلة قطارها من سنوات ليست بقصيرة كلها أسباب أدت إلى نتائج نجني ثمارها الآن، فالأغنية الليبية تقريبا في خبر كان، وأولادنا شبه مستلبين للموسيقى الأجنبية وساحة الفن في ليبيا لم تتسع من سنوات إلا للغناء الشعبي بأنواعه والذي يصعب على أبناء هذا الجيل خلق علاقة معه.

ورغم ذلك لا يسعني هنا إلا أن أشد على أيدي نجوم الغناء الشعبي الذين هم وحدهم مازالوا يحافظون على ضوء شمعة الغناء المتبقي في بلدنا فللمصداقية هناك مواهب حقيقية بالسليقة لو تم تبنيها من قبل معاهد موسيقية أو تم إرسالها للدراسة في الخارج يمكنها أن تقدم الكثير، ومن يدري قد تعيد مجد أيام خوالي كان الفن والأغنية الليبية لديهما من الحضور في الوجدان ما يكفي ربما بعد ذلك يمكنهما أن يحضرا ضمن ما يتهاطل على مسامع أولادنا من فنون كل العالم.

أما إذا ظل الحال على ما هو عليه لا موسيقى تدرس في المدارس، ولا معاهد موسيقية، ولا اهتمام بالمواهب، ولا مشاريع ثقافية يمكنها إعادة لحمة ما انقطع، فأبشروا وهيئوا أنفسكم أيها الليبيون لمزيد من استلاب سيطال أجيالكم القادمة.

مقالات ذات علاقة

الليبيون وصلوا إلى أمريكا قبل كولومبوس

محمد قصيبات

التعصب والعنصرية لدى الشعب الليبي

عمر الككلي

“الشخصية الليبية” ودفاعات التكيف ــ 1

سالم العوكلي

اترك تعليق