قصة

الفستــان الأبيــض

 

ماتت نعـــم ماتت في ثيــابهــا البيضاء، كانت تتوســـل لأمــها بأن ترتدي الفستـــان الأبيـــض، كانــت قــد نزفـــــت شــــوقا ً  لارتداء هــــذا الفستــــان الأبيض، غمـرتني هذه الكلمـــــات بنفس الشـــــوق  و بمــزيج ٍ من الألـــــم و الخوف، قالت صديقتي بأنها كـانت جميلة رائعة و وديعــــة و ظلت تسرد لي عن جمالها تارة ً و عن حسن خلقها تارة ً أخرى، لكنهــــا ماتــت، نعم ماتـت و هـي أسيــرة حلــم كــان يأسـرهـا و يأسـرني و يأسـر صديقتي بعد.

–         مرصودة……هي مرصودة

فدب الرعب في أعماقي، ألتفت يميني و شمالي، أمامي و خلفي لأبحث عن رصـــدٍ خفي، و أدركت ماذا يحــــدث أو ربما ظننت أنني أدركت ماذا يحدث وأيقنت لا محالة بأنني قد رُصــدت وصاحبتي قد رُصــــدت أيضا ً.

جالت الأفكار بداخلنا فأسطردتني نفسي عابرة ً قسمات وجهي ساخـــرة ً      مني فأنا لســـت جميلة و لا أحتـــاج للرصــــد و ما لرصـــــد الإ بعضــــا ً من العزاء.

ظل حوارنا مليئا ً بالحكايات عن السحر و الشعوذة، فجـــــارتنا كرهت زوجها ثم اكتشفا أن هناك من كتب لهـــــم السحر، و تلك تكتب لزوجـــــها فيمضي على هواها و يفعل ما ترغب به و الأهم الأهم تضمن أنه لن يتزوج مرة ً أخرى، و أصبحت كلمة كتيبة تتغلغل في أعماقي فرجعت إلى عزائي القديم بأنه مكتوب لي كتيبة.

صديقتي فتاة ٌ لطيفة  حالمة و بسيطة جدا ً، ظلت تحاورني ببراءة طفل يخاف البقاء في الظلمة يُخال له بأن عفريتا ً سينقض عليه و كنت ألمـح  في عينيها تلك الفتـــاة ترقــص بفستانهــا الأبيض، عبرت أنا و هي إلى زمـن ٍ  آخر، زمن يجمع بين الخوف و الحلم، كانت دردشاتنــــا ملئ  بأمل ٍ مسن ٍ يخطـــو نحو الأربعين من عمره  لنصطـدم بكلمة عانس  فتخرق صميمنـــا و لا نجــد في نهايــة المطـاف إلا  البحث عمن يفك لنـا هذا السحـــر و بدأنا نتذكر أسمـاء الشيــوخ و الـرجال الصالحيـن الذيـن لســت أدري إن كانـــوا صـالـحيـــن و كلماتهــم تصــل إلى أبــواب السمــــاء أ و تصــل إلــى  أذان الجــن، و في لحظــةٍ شعرنا بأن السحــرة و الجـن قد أدركوا بأننا عرفناهم و اكتشفنا  خططهــم، خفت وخافت صديقتي و لم يكن لنا إلا أ ن   رددنـــا  ” أعوذ بالله من الشيطان الرجيم………. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم “.

كان طيف الفتـــــاة الذي رأيته في عيني صديقتي يتراقــــص في عينيّ فأطبقت على روحي كي لا يرى أحــــدا ً صورتها  في أعمــــاقي  و كتمت أنفاسي كي لا يسمع أحدا ً أغنيتها الحزينة إلا أن أمي كانت تراها و تسمعها جيدا ً و كان هذا الأمل البائس مغروسا ً في نبضها.

ذات يوم حدثتني أمي بإحـــــراج مفرط و بحنان يعتصره الألم و قالت لي بأن هناك  امرأة تفك السحر علينا الذهاب إليها، قلت لها و أنا في حالة توتر و في حالة تردد بين الاقتناع و عدمه:

–         أنا  مش  مجنونة.

–         من قالك مجنونة ؟ هذى عين جايتك… هذى عين جايتك.

ذهبت مع  أمي   إلى هذه المرأة العجوز و هي تقودني كما تقود حملا ً ثقيلا ً  شق عليها حمله كما لم يشق عليهــا طــــوال سنين حياتها،  خطوت معها و أنا  أشعـــر بأني مكبلــة ً بالسحـــر و الكتيبــــة و العيـن  و أن الجن قد ترصدني.

–         نعم أنا أيضا ً  مرصودة.

كنت متأكدة ً جدا ً من وجود الجن و السحر فجـــارة صديقتي كان قد سكنها الجن، ظل يتحدث بدلا ً عنها  و أصبحت في حالة ٍ يرثى لها، رأتها صديقتي، نعم رأتها و إن لم ترها فالجن قد ذكر في القرآن،  و شعرت بأن الجن كان يلتف حولي.

عبرت أنا وأمي شوارع  كثيرة ثم دخلنـــا إلى الأزقة، إلى أن وصلنا إلى زقاق ضيق فــدب الرعب في أوصـــالي، لمـــحتُ الفتـــــاة وهي نائمة في فستانها الأبيض  و ظللت أردد:

     – كانت مرصودة……. كانت مرصودة.

قالت لأمها حين أموت دعي زوجة عمي تغسلني، طلبت أن تغسلها زوجة عمـهـــا، غسلتها زوجة عمهـــا، قيل أن يديهـــا اُحتجــــزتا في فــم الفتاة، أسنان الفتاة أطبقت على يديها، قـــالوا زوجة عمها غسلتها، زوجة عمها سحرتها.

كان الباب فاتحا ً ذراعيــــه لكن هناك قماشـــا ً مسدولا ً على معبر الباب تتلاعب به الريـاح، المكان ملئ بالأبخرة، كثير من البشر مرتصون في غرفة ٍ ضيقةٍ، نظرت إلى تلك المرأة الصالحة، الوشــــــم يملأ وجهها أسنانها ذهبية اللون الإ  أنها فقدت بعضا ً من أسنان أخر، حدقت ثانية فيمن

حولي، طوائف كثيرة من البشر لاجئة ً إلى هذه المرأة، هاربة ً مـــن رصـد ٍ خفي.

كانت المرأة تثرثر بطلاســـم لم أدرك معنــــاها، الأبخرة تتصــــاعد وتتصاعد و مــــازلت في حالة تردد بين الاقتناع و عدمـــه، تحدثت المرأة عن بيضة الخميس  وعن ملابس متسخة يتغلغل العرق فيها، و ظلت تثرثر بطلاسمها و لم أشعر بأنها امرأة صالحة أبدا ً.

حدثتني صديقتي عــن جارتها التي سكنهــا الجن، قالت بأن الشيـخ أخبرهم و كان شيخـا ً صالحـا ً، يصلي و يحفظ القــرآن، بأنها لم تكـن من المصلين و لم تكن من المتطهرين.

مازالت الفتــاة ترقـص في داخـلي  و تردد أغانيهـا  حتى شعرت بأني أرقص معها لأتخطى عالم السحر والشعوذة.

عانـــقتُ الفتـــاة فوشوشـــت في   أذنــي بأنه  القــــدر، واندمجتُ معها، و ظـــــــلت ترقـص في أعماقي و صــرت أرقـص و أرقـص و أنا أكتســي بــذلك الفستــان الأبيض، شعــرت بــأن  الملائكــة  كــانت تلتــف حولي، خطوت بعيداً عن هذا الزقاق الضيق، عن هذه الأزقة  و أنا أردد:

    –  لا حول ولا قوة الإ بالله العلي العظيم

        لا ملجأ و لا منجي منك إلا إليك..

        لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك..

مقالات ذات علاقة

متلازمة السعادة

صفاء يونس

لا خيار

غالية الذرعاني

أجـداب !!

الصديق بودوارة

اترك تعليق