من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
قصة

الـنُّـوبة

أحمد فكرون

1-  الجلسة
على أحد شواطئ البحر البعيدة عن تخوم المدينة، وقف أمام الغرفة المطلة على الشاطئ وهدير الموج المتعالي مع أجواء الشتاء القارسة، تدثر بردائه الصوفي واستنشق من هواء البحر الرطب، فإذا به عليلا ينعش الروح قبل البدن، دخل الغرفة سلم على من فيها، وتخير مكانا في إحدى زواياها، ثم أخرج من جيبه علبة السجائر وسحب أحد قاطنيها؛ ليشعل في رأسه النار مع أولى زفرات دخانه تذكر كلام الطبيب ونصائحه، أردف تلك الأفكار بابتسامة خفيفة وهو يتذكر كلام الكهل الحكيم عن معادلة التدخين (هو يأخذ قليلا من صحتك ليسكن كثيرا من آلامك).
خارج الغرفة حيث كانت النار مشتعلة تحمى عليها جنبات الدفوف والدبادح، تتوالى ضربات العازفين عليها؛ ليعرفوا هل يكفي اكتواءها؛ ليصبح أنينها كاف ويطرب مسامع الحاضرين، دخل جميع العازفين الغرفة وتحلقوا في جلسة؛ لتبدأ معها النّوبة.
 
2- الموال
بعد تنهيدات عبرت عن عمق الوجع الذي يحمله المغني، بدأ بغناء الموال بصوته الرخم وهو يغطي وجهه بنقاب ردائه الصوفي ذو اللون الأحمر القاتم.
(وإن عاد صاحبك لا تعاديه
راهو مولى العيب نادم
يجف القلم في يد قرايه
يا بال خاطرك يا بن آدم)
أتبعت آلة المطريشي الموال بعدة لحون شجية صاحبتها تصفيقات الحاضرين وصراخهم، ويكأن الموال والألحان قد لمست جزءا من أوجاعهم، ثم أردف المغني موالا آخر:
(واللي بيطلب يطلب الله
ويقول يا كريم المعاطي
إلا العبد خليك منه
لا يشبعك ولا يواطي)
تعالت صيحات الحاضرين وزاد هيامهم بالكلمات والألحان، والعازف ينفخ في آلته طربا، ويداعب قصباتها بأطراف أنامله، وجمع الحاضرين تهتز أفئدتهم وتتمايل رؤوسهم. وختم المواويل بموال أخير أزهق معه دمعات من عيونه وتنهيدات خرجت من شغاف القلب:
(ولي قلب يا ناس من يقضه
ويلقاه كامي بغيضه
طريلي كي الطفل المقمط
عطشان وأمه مريضه)
شعر بأن الموال الأخير يلامس وجدانه، وهو ينظر إلى المغني ويكفكف دمعاته ويستعد للغناء من جديد.
 
3- الغناء
(أنا داي لصاب الشجر
يا ويلة يقطع غصانه
من عروقه يشيله)
ردد الحاضرون هذه الكلمات مع المغني فبعضهم هائم طربا والبعض هام شوقا ووجعا.
(أنا داي لو صاب الحماده الطرشة
الفلاح منها ما يحصل قرشه
حتى النحل فيها يتهدم عرشه
والفحام منها ما شوال يشيله)
تعالت صيحاته بعد هذه الكلمات فيما عمقت أوجاعه اللحون الشجية التي يصدرها العازف من آلته وهو ينظر إلى شدقيه ينتفخان متحملا آلام انتفاخهما؛ ليطرب مسامعهم والدبادح و الدفوف تساند الآلة وتنسج معها خليطا رائعا من الألحان، شعر لبرهة أن البحر قد هدأ وأن أمواجه قد سكنت؛ ربما لتستمع بهذه اللحون والشجون.
تابع المغني غناءه قائلا:
(قليبي ذاب وهذا اللي جرا لي
من طول الليالي نومي نوم جالي
قعدت وحيد بقيت وحيد
ما معاياش والي)
لم يستطع حبس دمع عينيه فأرخى لهما العنان؛ لتخرج مصاحبة بصرخات عميقة والكفوف يضرب بعضها بعضا؛ لتتم نسق اللحن وتخرج كل الطاقات التي كانت حبيسة الفؤاد.

4 – الطياري
تقول أسطورة الفن عند أهل المدينة أن آلة المطريشي في تسابق مستمر بينها وبين الدبادح والدفوف، وكذلك الكفوف يتجدد التسابق كل نوبة فن جديدة ويستمر التحدي إلى الأبد، بدأ السباق القديم الجديد بدأ العازف ينفخ شدقيه من جديد، ويتمايل من حين لآخر وجعا بينما تتسارع أيدي عازفي الدبادح والدفوف لتضربها بسرعة حتى تسير في نسق السباق كأنهم فرسان تنزل سياطهم على مؤخرات خيولهم تحفيزا لها على السرعة وتضرب كفوف الحاضرين بعضها بعضا؛ ليكتمل اللحن ويدخل بعض المتوجعين من نار الهوى وظلم الأيام إلى وسط الحلقة؛ ليهزوا أبدانهم رقصا علهم ينفضون بعض آثار الوجع.
اكتمل السباق وانفض الحاضرون وكشف المغني عن نقابه؛ ليظهر من خلفه الكهل الحكيم أخرج سيجارته واشعل فيها النار؛ ليسكن الوجع الذي لا يمكن زواله.
______________________
مصراته 7/10/2019

مقالات ذات علاقة

ملهاة الرعيان

عوض الشاعري

الأبكم…

أحمد يوسف عقيلة

العـــقاب

إبراهيم الصادق شيتة

اترك تعليق