المقالة

الـمـواطـنة

 

السؤال عن المواطنة قديم كل يوم يتجدد ولابد أن تعريفات عدة قد أبانت عنها أظهرت إيجابات كثيرة كلها تستند على المرجعية المعرفية المرتبطة بالهوية تاريخاً وثقافةً وأرضاً وعرقاً وعقيدةً، والتاريخ يسرد لنا بطولات من أجل هذه المواطنة ويروي لنا قصصاً عن خيانتها حتى أن المتيلوجيا قدمت لنا ملاحم وطنية كشفت عن الوطن في قلب المواطن وأبرزت الخونة الذين خانوا الوطن وهم من قبل في منتهى الوطنية . المواطنة التي تؤكدها شهادة الجنسية وبطاقة الهوية وجواز السفر حيث يتم الاعتراف بأن هذا مواطن له الحقوق كاملة وعليه الواجبات كافة يتمتع بالمواطنة ويعيش بها .

تقريباً على هذا النحو تكون المواطنة وفق ما تعارفنا عليه وأقرته الدساتير والقوانين فيما بعدها، ومن يخرج عنها يعد مارقاً أولاً وخائناً أخيراً يستحق الموت على رؤوس الأشهاد بعد محكمة عادلة هي وحدها من تفرض بنود القانون وشريعة الدين . وفق هذا تكون المواطنة وحين تكونها يصير لك الحق في العيش والعمل والتنقل والتعبير عن رأيك حتى إلى درجة أنك ترفض أن يكون هذا عليك حاكماً، وتقصي الآخر عن الحكم وتطالب بحقوقك كاملة إذا ما لحق بها نقص عبر كل الوسائل المشروعة إلى أن تتحقق لك .

أحسب أن المواطنة على النحو الذي تعارفنا عليه لا يمكن أن تقرها ورقة، ولا ولادتك على أرض البلاد ولا جواز السفر والبيت الذي تمتلكه يمكن بها أن تكون مواطناً حقيقياً لأن جماعة من ملايين البشر يقطنون بلاداً بقانون وراية ونشيد وطني وينخرطون في الجيش لا يشعرون بأنهم مواطنون، وأكثر كلمة يقولها لينتسب إلى البلد الذي يعيش فيه ويحمل بطاقة هويته هي _ أنا من البلد الفلاني _ في حين أن شعباً آخر يشعر بالمواطنة ولا يحمل بطاقة الهوية .

أحسب أن المواطن هو الذي يمارس فعل المواطنة لا بالدفاع عن الوطن عند حدوده بل في داخله حيث لا يسمح بأي ريح يمكن أن تمزق شراع سفينته السابحة في فلك الله تعالى، ويميز بين الخصوم وبين الأعداء ولا يتفنن في تخطيط الفتن والوقوف على تنفيذها، المواطنة لا تكون بشهادة الميلاد ولا بالبطاقة الشخصية والرقم الوطني بل هي الانتماء الحقيقي للوطن، وثقافة سلوك يجسدها الفعل الوطني الذي يكمن في أن تكون للوطن لا تبخل في دفع الضريبة المستحقة للمواطنة، وهي منهاج عمل لا يأمرك أي أحد بولوجه واتباع قواعده، حتى أنه يصل إلى درجة العقيدة التي لها شرائع وأخلاق ومبادئ في مجملها تشكل منظومة عيش وطني وهي من يقرر الممنوع والمباح والمكروه والمستحب بإيمان عميق لا تزحزحه الخسائر ولا تزيده المكاسب لأنه في حالته التجارية هذه يصير الوطن عبارة عن عملية سوقية تحتمل الانتعاش كما تحتمل الكساد .

كثيرون خانوا الوطن لأنهم ليسوا وطنيين، ولم يكونوا ملتصقين به إلا بغراء فقط وحينما فقد صلاحيته وجدناهم قد انسلخوا عنه، وباعوه في سوق النخاسة بدراهم معدودة، والأكثر منهم نجدهم في كل بلاد رب العالمين يحيكون للبلاد كفنها، ولذلك غبرتّ أمم مع رياح التاريخ، وتشردتً شعوب وصارت أخرى في بلاد الآخرين لاجئة تستدر العطف وتسأل كسرة خبز، مرة نابحة لقوافل غيرها وأخرى تذرف دموعها على ما اقترفت في حق وطنها .

أكبر مصائب الشعوب في أوطانها أنها تساوي بين الوطن والبطن حتى قيل وطني بطني، ومن تاهت به خطواته في بلاد الآخرين فقد قدره وسُحقت كرامته ولم يعد إلا كالأنعام وأظل سبيلاً وما هو إلا العقاب الأدنى لاقترافه ذنب تركه لوطنه وعدم إخلاصه لمواطنته التي عمادها الانتماء .

ما أكثر الذين يحملون جنسية الوطن بشهادة الميلاد، فيما يندر وجود الوطنيين فيه .

الذي لا يشعر بأنه للوطن ليس مواطناً، والذي لا يتجسد الوطن فيه ليس مواطناً، والذي يعتبر الوطن كالبقرة الحلوب له ليس مواطناً.

السماسرة، المتاجرون، القوادة، المتعالون، الفاسدون، المرتشون، المختلسون، الأنانيون، المتسلطون، الأفاقون، المتسلقون، المداهنون البائعون الريح لمراكب الآخرين والنافخون في نيران الفتن، الجالبون لظلمة الليل في الطرقات، المتربصون للفوضى اللاعبون بها، المختفون تحت عباءات النساك، المضاربون بأسهم البلاد في سوق المصالح الشخصية.كلهم بأجمعهم وأسرهم وقضهم وقضيضهم، وعن بكرة أبيهم، ليسو من الوطنية في شيء، ولا يمكن أن يكونوا مواطنين مهما حملوا من شهائد ميلاد وبطاقات هوية وجوازات سفر وحجج عقارات ولهجة محلية يرطنون بها. المواطنة تعني الإخلاص للوطن، والتفاني في خدمته والتباري على حبه والدفاع عن مصالحه باستقرار أمنه وزيادة موارده والمحافظة على ما فيه وإن كان فقيراً، والعيش له، ومداراة شمعته كي لا تنطفئ.

المواطنة إذاً هي أن يكون الوطن في قلبك لا أن تكون أنت في قلبه.

26.06.2009

مقالات ذات علاقة

لا لطرابلس العاصمة.. نعم لطرابلس المدينة

المشرف العام

أرأيتَ سوسة؟!

سالم الكبتي

أيديولوجيا القبيلة: من التصعيد إلى الانتخاب

عبدالحفيظ العابد

اترك تعليق