قصة

الــفـخ


 

سأنصب لأطفال البلدة فخاً حين يعودون من المدرسة، هنا قرب الحفرة. فبالأمس باتت ملائمة أكثر بعد أن امتلأت بالماء، فطوال أعوام وهي جافة، تجردها البلدة حتى من اسمها كأنما لتشمت بها، أو لتلعن سنوات الجدب الطوال. وما أن يطل المطر حتى تستعيد اسمها من جديد (غدير البنات).

يقال إن ماءه يحرر اللسان، فأكسب العشاق جرأة للبوح بالهوى، وألهم الشعراء قصائد للتغني بالحسان، بل إن شاعراً هو من منحه الاسم، لأنه كما قال شعراً: المكان الوحيد الذي تلتقي فيه أنفس الأشياء وأروعها الماء والنساء!. أما العقلاء فيبدلون الاسم بدهاء، كأنما يصلحون خطأ، أو ينكرون خطيئة!، يبدّلون الحروف فيصبح (غدير النبات).

بالأمس قبل أن يزحف نحوه الطريق الموصل لأطراف البلدة، كان الغدير إذا امتلاء بالماء يصمد حتى أواخر الصيف، فيصير ملاذنا حين كنا أطفالاً من سياط الصهد القاسية. كنا نقصده للسباحة، نقذف ثيابنا على الضفاف ونتناوب في القفز كالضفادع حتى المساء. أما الكبار فيقصدونه لجلب الماء، تنهق الحمير من بعيد كأنما تتواطأ معنا لتجنبنا لعنات الكبار وشتائمهم، فنخلي الغدير ونختبئ حتى يغادرون. يحدث أيضاً أن تغدر بنا فيداهمنا أحدهم فجأة فيقذفنا بالطين ويزمجر:

– ياولاد الكلب أفسدتم الماء.

ننسل ضاحكين كالسحالي ونتوقف بعيداً ونستعيد الحدث:

– كاد أن يمسك بنا نقول ونضحك.

فيتوعدنا من بعيد، ويملأ من الركن القصي، ويمضي، فلا أحد يعاف غدير البنات!. صحيح أن الطريق قد أفسد ملامحه، لكن الغدير مازال قادراً على الإغواء، رغم خط الزفت هذا الذي شوه طرفه البحري.

– لن يقاوم الأطفال حين يمرون.

قلت في نفسي، وأعدت تفقد أدوات فخي، وصففتها بعناية على الضفة قبالة الطريق واختبأت.

خيوطاً ودلاء، أوراقا ليصنعوا سفنا وقوارب تدفعها الريح، وترقص على مويجات الغدير، عيداناً ليحفروا آباراً، أو يصنعوا جياداً وعرائس كونا من طين.

اقترب الصياح، وبلغ موكب الأطفال الغدير، توقفوا يحسمون جدالاً، تخلف عن الموكب طفل، استدار ناحية الغدير وبال!، فيما انهمك رفاقه في جدالهم، قال أحدهم:

– والله أمريكا أقوى.

قاطعه آخر :

– لا روسيا أقوى، روسيا تغلب.

قطع الطفل المتخلف بوله وصرخ:

– من الذي عنده طائرات شبح، أمريكا، أمريكا.!

غرق موكب الأطفال في الجدال وسار بعيداً، لم يبالوا بالغدير، ولا بكومة القذارة التي أسميتها فخاً. ابتلعهم خط الزفت الطويل نحو بيوت البلدة المتجهمة!.

قذفت المجهول لأطفئ هزيمتي، فانتعش الغدير المغرق في السكون من حجارتي، وشرع لسان الموج يداعب الضفاف. أغوتني صفحة الرمل، فرسمت بعودٍ صغيرٍ خطى لطائر، ثلاث خطوط تلتقي في نقطة، وطبعت بقبضتي على الرمل، لامست طرفها بأصابعي فصارت قدماً لطفل يلهو.

تسابق العود والقبضة في نقش الطين، تداخلت الخطى، طارد بعضها بعضاً، فيما أطل من صفحة الماء وجه طفل منهمك في اقتفاء الأثر

مقالات ذات علاقة

كم ديكا في الحظيرة

سعيد العريبي

خيوس..

زكري العزابي

الدالـيا.. قصة معاناة ليبية – ح 2

حسين التربي

اترك تعليق