قصة

الــــوأد!

(.. لم تنم. الليل يتوغل فيك. الحلم المخيف يطاردك. كابوس يثقل صدرك. يكتم أنفاسك. يعاودك للمرة العاشرة ربما أكثر. كلما سحبك النوم داهمك الحلم المعاد. هذه ليست الليلة الأولى التي يغزوك خلالها الكابوس المرعب!!

ليال لا تعد ولا تحصى. الحلم نفسه. الكابوس ذاته.

أنفاسك تختنق. جسدك يرتعش. عروقك تنفر.

قلبك يخفق خوفاً. عرقك يسيل..

ياله من حلم مزعج!!

لقد أصبح يلاحقك حتى في اليقظة..

مسكوناً بتفاصيله أمسيت..

تغرقك دواماته..

تلملم بقاياه. تتذكر خيوطه. تجمعها. تفلت منك.

تفتش عنه في زوايا الذاكرة. تعثر على بقايا صور متناثرة، مشوشة، صور يغلفها الضباب!!)

* * *

(.. صحراء واسعة. مساحات من الرمال. كثبان تنهض متفرقة على الإمتدادات البعيدة. تحترق بأشعة شمس لافحة. شبح يركض. رجل ذو لحية كثة!

يركض بقدمين حافيتين تذروان الرمال..

مسرعاً كان.. يلتفت إلى الخلف.

يطارده وهم ما..

عينان براقتان مطليتان باصفرار الصحراء..

الذعر شبح يختفي عبر التلال الرملية..

ذراعان قويان تحتضنان طفلةً التصقت منكمشة على صدره..

الطفلة تنتفض مع نبضات القلب..

تهتز مع خطواته المتعثرة.

للطفلة وجه غض مزين بعينين واسعتين صافيتين، رقدت فيهما زرقة السماء، وعين شمس متقدة، ووجه محفور بتضاريس السنوات، وشحوب العمر!!

أصابع يديها تلامس بين الحين والآخر شعر لحيته الخشنة..

توقف الرجل عند إحدى التلال الرملية..

أنزل الطفلة بقرب انكسار الظل!!

ركضت الطفلة قليلاً، ثم عادت تحتمي به من اتساع الصحراء..

التصقت به أكثر!!

انحنى على الأرض..

يداه معولان شرعا يحفران بكن الرمال بنهم..

العينان الصغيرتان اللامعتان ترقبان ما يفعله..

الرأس يرتفع وينخفض متابعاً انحناءات وارتفاعات الظهر..

سمعت أنفاسه تعلو!!

حبات عرق تسقط على الأرض العطشى..

تفحصته ببلاهة..

تناثرت الرمال. علقت بوجهه. رفعت يدها. مسحت حبات الرمال العالقة بشعر اللحية. نفضت الغبار. استطال ظل الرجل على الأرض. بدا لها أطول من ظل التلة.

قفزت نحوه!!

توقف الرجل عن الحفر. نظر إليها صامتاً. عاد يواصل عمله.. سألته وهي تساعده في غرف الرمال:-

– (.. ماذا تفعل يا أبي؟!)

لم يجب!!

واصلت تقول:-

– (.. أتحب اللعب بالرمال أنت أيضاً يا أبي؟)

تابعت:-

– (فلتصنع لي بيتاً!)

ظل صامتاً..

دمعتان انحدرتا من عينه، سقطا وسط الحفرة..

ارتشفتها المسامات الملتهبة..

الشمس ازدادت اتقاداً.. اختفت الحفرة!

الصحراء مساحات لا حدود لها..

الكثبان أشباح يزرعها سراب الخوف..

الرجل ذو اللحية الكثة يعود وحيداً من حيث جاء!!

يدان فارغتان!!

عينان تحدقان عبر الفضاءات البعيدة..

يخطو بتثاقل!

تلتهمه الصحراء في جوفها..)

* * *

(.. الحلم يتعقبك. يذرع ليلتك. يزرعك بالخوف. والصحراء محفورة بفم واسع. قدماك على وشك السقوط. الرمال تتحرك تحتك تكاد تجذبك إلى أسفا! أي كابوس هذا الذي لم يتركك؟ أسكنك بالتوجس من كل الأشياء. لم تستطع أن توقظ زوجتك النائمة إلى جوارك لتفضي إليها بتفاصيل الحلم.)

* * *

.. سيارات فارهة تمرق!!

أمواج من البشر..

شوارع فسيحة متداخلة. عمارات شاهقة. محلات ذات واجهات زجاجية براقة. لافتات مضيئة. معروضات مختلفة. ملابس رجال. ملابس نساء. ألوان جذابة. ملصقات دعائية. عطور مرصوفة على الأرفف. شباك صيد. معلبات. صداع. دوار. أبواق السيارات. رجال. نساء. ضحكات تعلو. قهقهات تعبر الشوارع. كلمات هامسة. نظرات نهمة. عيون تغازل عيوناً. نظرات تطارد أجساداً. الأمكنة مزدحمة. الأصوات تتداخل.

– (.. انتبه يا هذا!!)

– (.. لا تقف وسط الطريق!)

– (افتح عينيك يا..)

تتلاشى الأصوات.. فتاة تخرج من أحد المحلات..

قهقهت بصوت عال! اقترب منها شاب.. همس لها.

اصطحبها إلى داخل المحل. سيارة توقفت فجأة!

صفير الفرامل لفت انتباه العابرين!

رجل بدين أخرج رأسه من نافذة سيارته.

شتم سائق السيارة التي اعترضت طريقه..

– (.. ماذا ستفعل؟!)

– (لقد قررت، ليس من خيار!)

– (أنه فعل شائن!)

– (الحلم يطاردني!)

– (إنه مجرد حلم..)

– (ليس حلماً، إنه كابوس، اليقظة صارت صحراء الحلم..)

– (لا تقدم على ذلك!)

– (.. الصحراء، الحفرة، الرجل، الطفلة، الرمال، المدينة، السيارات، المحلات، العيون، الأجساد، النساء، الرجال، كل الأشياء تستفزني! نفسي أيضاً تستفزني!)

* * *

..هنا لن يراني أحد!!

بندقية الصيد هذه ستضع حداً لكل شيء!

سأصطادهن الواحدة تلو الأخرى!!

ثلاث رصاصات ليس أكثر!

كل رصاصة في قلب..

الشمس لافحة..

الأصابع ترتعش على الزناد في ترقب!!

كثبان رملية..

صحراء تتسع..

حبات عرق سقطت على البندقية..

سرعان ما جفت..

يدان تحفران الرمال..

ضغط الإصبع..

دوت الطلقة الأولى..

انبثقت صرخة. صمتت كل الأشياء..

الصحراء تزداد اتساعاً.. انفجرت الطلقة الثانية..

انطلقت خلفها صرخة وجع. تأوهات خافتة. الصمت! أكداس من الرمال..

صفرت الطلقة الثالثة,,

لم تنبعث أية صرخة..

عينان صافيتان ضبطتا وجهه المختفي خلف الشجرة..

الدماء انسكبت على أطراف الشعر الأسود المتطاير..

تسربت إلى الكتب المدرسية المتناثرة على الأرض..

شفتان تتمتمان تمتمات واهية:-

– (.. أبي! ماذا….؟)

اختفت الشجرة، والسور، والبيت، والمدينة!!

الصحراء أحاطت به من كل الجهات..

الحلم شرع يكبر من حوله..

الصحراء حفرة عميقة..

الرمال تحت قدميه! تتشقق! قدماه تغوصان!

جسده يغوص، يختفي وسط الرمال رويداً رويداً!!

مقالات ذات علاقة

هـمٌّ يـوميُّ

أحمد نصر

نسرفه..!!

ناجي الحربي

على حافة الوادي

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق