طيوب البراح

الـغــريب

الخزامى

يجر خلفه حقيبة ربما أثنتين وثالثة يحملها علي ظهره المتعب.

الإرهاق والتعب باديان علي تقاسيم وجهه التي حفر الزمان فيها أثاره فذهبت بنضارته. يصارع الزحام ليفوز بمقعد في إحدى العربات التي سيستقلها في رحلة أخرى من رحلاته التي لا تنتهي. يدخلها فينتبه الجميع اليه، يرمقونه بنظرة أولى متفحصة وكافية لكشفه، لتعرية حقيقته ولاستباحة حرمة عزلته. يشيحون عنه العيون حتى لا تلتقي نظراتهم فالكل يتجنب عيونه القاسية ونظراته الوقحة. يغتنم هو تلك الفرصة ليتفرس وجوههم بنهم.

يقلب نظره ويجول بعينيه من وجه لأخر. يصبح الجميع في شغل عنه فهناك عاشقان يتبادلان كلمات لا ينطقانها ولا تكاد تسمع. وهنا شاب يعلج هاتفه، أخر يستغل فوزه بمقعد ليسرق لحظات نوم يستغرب صاحبنا كيف أمكنه أن يفعل وسط ذلك الضجيج وذلك الزحام.

امرأة  تراقب طفلها تشير إلى بعض معالم المدينة علها تلهيه عن مشاكسة الركاب، أخرى تقلب صفحات كتاب يجزم صديقنا أنها لا تعلم حتى ما كتب علي صفحاته.

صراخ رضيع يشق عنان الصمت يلفت انتباه صاحبنا إليه، ويشيح عنه بعد أن يرمق أمه بنظرة ملؤها اللوم علها تسكته لتعيد المركبة الي سطوة الصمت الذي كان يحكمها والتي صار صاحبنا يملكها بسلطان نظراته الحادة.

 في آخر العربة رجل يحملق في البعيد من خلال نافذة العربة يدفع الفضول صاحبنا ليتسأل عما يفكر به هذا السارح فيحاول أن يقلده عندها تدخل العربة نفقا مظلما فتنعكس صورته علي زجاج النافذة لتغرق  نفسه في بحر من غم وهم هرب منه للحظات وهو يتفرس تلك الوجوه. همّ صار يلازمه ويعتصر نفسه كلما رأى سحنته. يلعن الزمن فقد صار يكره تلك الصورة وما عاد يستغرب بل صار يعذر نظرات الناس اليه.

يصل محطته أخيرا. وليبدأ رحلة عذاب أخرى مع تلك الحقائب التي صارت تلعنه كما يلعنها لما لاقت منه وهي تتبعه في ترحاله. يراها ثقيلة كأنها جبال الهم الذي تحمله نفسه ولكن لا يمكنه أن تركها مع أنه يريد ذاك ويرغبه بشدة. ينجح أخر الأمر في الوصول الي وسيلته الجديدة  في سفر جديد ورحلة عيون أخرى تجمعه برفاق سفر أخر. لن يكون الأخير.

مقالات ذات علاقة

تـتــرات..!!!

المشرف العام

براح النطف المنهكة

المشرف العام

مــسـاقـط

المشرف العام

اترك تعليق