قصة

الـعَـرُوْس

الإشارة حمراء..

رجل المرور يقف على جزيرة الدوران الصغيرة عند ملتقى الشوارع الأربعة.. يُحملق في كل اتجاه.. يبتسم في وجوه أصحاب السيارات الفارهة.. ويُكشر في وجوه الآخرين.. لكنه رجل طيب لا يضبط أية مخالفة.

الجزيرة التي يقف عليها تبدو كبحيرة صغيرة تجتمع عندها أربعة أنهار تسيل بكل أنواع السيارات..

السيارة الواقفة أمامي من نوع (داتسون 140) .. صُنعت قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

من خلال الدخان الكثيف الذي تنفثه استطعت أن أرى يد السائق وهو يضع مرفقه على النافذة.. ويطقطق بأصابعه على حافة السقف في حركة تُوحي بالملل الذي يعيشه جراء انتظاره لمدة دقيقة.

الإشارة خضراء..

السيارات تثب مسرعة وكأنها تنطلق من خط البداية في سباق.

حركة السيارة الداتسون التي أمامي كانت ركيكة إلى حدٍ كبير.. وما إن تحركت حتى بدت وكأنها تحمل فرقة موسيقية لإحدى الطرق الصوفية.

بدأ الرفرف الأمامي يُصفِّق وهي تمر من أمام رجل المرور وتنفث عليه شيئاً من البخور الذي تطلقه.

العجلات ترقص وتتمايل دون أن تُسقط أحمالها.. ثمة سائل يتقاطر من الخلف.. لا أدري ما هو.

العادم المثقوب يُصدر صوتاً وكأنه يُنذر بحرب.

هذا غير الزجاج الذي تشعبت فيه الشقوق لترسم خارطة لبلد يعيش خارج الزمن.. آثار الكدمات والضربات التي تلقتها السيارة خلال عمرها الطويل يبدو أنها أُصْلحت على عجل.

لم يبخل السائق على سيارته بالزينة والملصقات.. شيء أحمر .. وشيء أصفر .. وثمة شيء آخر باهت يبدو أنه علم لبلد ما.

صورة (تشي جيفارا) تقابلها صورة (عمر المختار).

ثمة شق في الهيكل حيث تلتصق صورة عمر المختار.. يقسم الصورة نصفين عند مستوى العنق.

لم أستطع البقاء خلف هذه السيارة.. فقد بدأت أسعل من كثرة دخانها الذي استنشقته.. اجتزتها بتمهل مستعملاً المنبه لأنها لم تكن تحمل أية مرآة.. وماذا تفعل العجوز الشمطاء بالمرآة.. أو ربما عادة أهل البلد أنهم لا يلتفتون وراءهم..!!

التفت إليَّ سائقها الغليظ.. وكأنه يَمُنُّ عليَّ بأن أعطاني الطريق.

لفت انتباهي ملصقان على باب السائق.. يحملان عبارتين:

الأولى: (ما شاء الله)..

والثانية: (صلِّ على النبي).!!

سبها 05/01/2010

مقالات ذات علاقة

المحجوب

عزة المقهور

جـثـتــي

بلقاسم السحاتي

عرشُ أم نعش

حسن أبوقباعة

اترك تعليق