قصة

الـعـجـوزان!

– ((… من؟!)) –

– ((.. أنتَ!)) –

– ((.. أنتِ!)) –

– ((.. يا لها من مصادفة!)) –

– ((.. مـصـادفة؟ إنها أكثر من ذلك. لا. لا أصدق  عينيّ، أيمـكن أن يحدث هذا يا إلهي؟)) ـ

ـ ((.. هكذا، فـجـأة نلتقي بعد خمسين عاماً، أهي الدنيا صغيرة إلى هذا الحد. أم أن الأمور تعيد نفسها…؟)) ـ

ـ ((وأتعرف إليكِ دون مشقة..)) ـ

ـ ((وأنتَ ألم تشدني ملامحك وسط عشرات العابرين!)) ـ

ـ ((.. أين، أين اختفيتِ كل هذه المدة الطويلة؟!)) ـ

ـ ((أنا لم أغادر هذه المـدينـة، أنتَ الذي تواريت بعد أن حدث ما حدث!)) ـ

ـ ((صحـيح، الذاكرة بدأت تـشيخ أيضاً، أحياناً نخلط  بين الأمور،أنت مكثتِ هنـا، أنـا من رحل، أجل بـعد خمـس سنوات مـن افـتراقنا تـحـت تلك الظروف القاسية التي مرت بنا، حاولنا كثيراً.. لكننا لم نصمد في وجهها هاجرت إلى قرية نائية، حاولت أن أتغلب على آلامي، وبعد عامين تزوجت لأقهر وحدتي، وشعوري بالغربة…)) ـ

قاطعته بانفعال:

ـ ((تزوجت إذن، لم تحـفـظ الـعـهد، كـنـت أعتقد أنّك لن ترتبط بامرأة بعدي، ألم تقل لي ذلك، وأحببتها كما أحببتني في يوم ما، شـغـفـت بـهـا، لاشـك أنـهـا كـانـت جميلة، أليس كـذلك، أكانت تشبـهني؟!)) ـ

ـ ((مـهلاً لا تتركي الهواجس تعصف بكِ بعيداً ، كلماتك تندفع إلى قلبي مثل الرصاص، لماذا تلومينني، وأنتِ ألـم تتزوجي؟)) ـ

ـ ((كنت مضطرة..)) ـ

ـ ((بكل بساطة تجدين لنفسك العذر، أما أنا لا عذر لي عندك!))-

ـ ((ما هو عذرك؟!)) ـ

ـ ((أنـا شعرت أنني في حاجة إلى رفـيقة، إلى امرأة تـبدد وحشة غربتي في تلك القرية التي لا أعرف فيها أحداً.)) ـ

ـ ((لكنك أحببتها لا تنكر ذلك.)) ـ

ـ ((تغارين! لم يتبدل فيك شئ، أنتِ كما أنتِ..)) ـ

ـ ((لا تغير الموضوع! أحببتها مثلي أم أكثر مني؟!)) ـ

ـ ((في الحقيقة لم أحب امرأة بعدك!)) ـ

ـ ((لكنها امرأة!)) ـ

ـ ((لا يمكنني أن أقول أنني أحببتها، لكنني احترمتها، حملت لها في قلبي ودّ الـمعاشرة، كانت طيبة، لم نختلف، نشأت بيننا ألفة. اعتيادية الحيـاة قربت بيننا، روابط مشتركة ربطتنا  لكنك كنتِ تـعيـشين في الذاكرة، تستلقين وسط دماء القلب، لم أنـس ملامحكِ، تـفاصيل وجهكِ ، كنتِ الحب  وكانت الألفـة، وهنـاك  فـرق بيـنـهما، كنتِ  الذكرى والحبيبة، وكانت الحاضر والزوجة، لم أكرهها، ولم أحبها مثلما أحببتك.))-

ـ ((لكنها شغلت حيزّاً من تفكيرك!)) ـ

ـ ((الغيرة تتحول عندكِ إلى أنانية..)) ـ

ـ ((لأنني أحـُبك بصدق. لم تسقط من ذاكرتي لحظة واحدة. حتى مع زوجي كنت أراك أنت، أسمع صوتك، أشعر بـيـديك، كنت الحاضر الغائب..)) ـ

ـ ((لكنه هو ولست أنا!)) ـ

ـ ((أنتَ أيضاً لم تـتغـير مازلت كما أنت، طريقتك في التخلص من أي موقف صعب نفسها، مراوغتك في الحديث  السنوات لم تؤثر فيك، خمسون عاماً مرّت دون أن تسلخ منك أي شئ..)) ـ

ـ ((وأنتِ أنتِ، صوتكِ ، النـبرات التي سمـعتـها أول مرة عيـناك تـأتلـقان بـالجرأة والصفاء، تبدوان واضحتين عميقتين كما عرفتـهما عنـد أول لقاء بيننا هـل تـبقـى الأُشياء كما هي بالرغم من مرور الزمن؟)) ـ

ـ ((أنـت تـبـالغ، أنـا تـغـيرت كثيراً  كل الذين يعرفونني لاحظوا زحف الشيخوخة علىّ ، العينان انطفأتا منذ  زمن..)) ـ

ـ ((أنا لا أبـالـغ صدقيني، أراكِ الآن كما عـرفـتـكِ منذ خـمسين عاماً..)) ـ

ـ ((أنـتَ الذي لم يـتـغـيـر، أراك كما أنتَ  الـرجـل الذي التقيته مـنـذ تــلـك الـسـنـوات  أي قــدرة جـعـلـتـك تـحـتـفـظ بنفسك دون تبديــل؟!)) ـ

ـ ((حدّثيني، حدّثيني عن كل شئ ، أريد أن أختصر الزمن كله في لحظة، أنجبت أولاداً، أليس كذلك؟.)) ـ

ـ ((ثلاث بـنـات وولـديـن. فـقـدت بـنـتـاً في عـامها العاشر. كـبر الباقـون، تزوجوا كلهم، أنجبوا  تصور أنني صرّت جدّة لعشرة أحـفـاد ، يا للأيام مـرت بسرعة بالرغم من قساوتها. وأنتَ ألم تنجب منها؟!)) ـ

ـ ((.. ثلاثـة أولاد، تـزوجوا أيـضاً، أنا جدّ مثلكِ  ولكن لأربعة أحفاد.)) ـ

ـ ((أين تعيش الآن؟)) ـ

ـ ((هنا في هذه المدينة.)) ـ

ـ ((هنا! منذ متى؟!)) ـ

ـ ((منذ شهرين تقريباً…)) ـ

ـ ((لماذا لم تبق حيث الأولاد؟)) ـ

ـ ((دوري انـتـهـى بـالنـسـبة إليـهم! ليسوا في حاجة إلىّ الآن ، وهناك حنين دفين إلى هذه المدينـة…)) ـ

ـ ((.. تعود إلى المدينة لنلتقي مـن جديد ، من يتوقع  هــذا؟)) –

ـ ((كل شئ محتمل في هذه الحياة…)) ـ

ـ ((كل شيء يعود لنقطة البدء! أتذكر منذ خـمـسين عاماً التقينا، وها نحن نلتقي، هه نسيت أن أسألك أين زوجتك؟ هـل جاءت معك أم أنّها فضـلت البقاء هنـاك؟))

ـ ((لم يعد بوسعها أن تختار، لقد رحلت عـن هـذه الدنيا منذ سنتين..)) ـ

ـ ((يا إلهي، أنت وحيد مثلي، تـوفـي زوجي أيــضـاً منذ سنة، ألم أقل لك أن كل

الأشياء تعود إلى نقطة البدء)) ـ

ـ ((لقاؤنا الآن يعيدني إلى أول لقاء بيننا.)) ـ

ـ ((أتفق معك، كأن الزمن توقف عند تلك الـلـحـظـة أنـظر، ألا تبـدو الشمس كما  بدت يوم التـقـيـنا منـذ خـمـسين عاماً، السطوع نفسه.))-

ـ ((السماء لها الزرقة نفسها،أشـياء كثيرة لم تتبدل ،المدينة وحدها اتسعت، كبرت بميادينها، وشوارعها، البيوت تزاحمت  لكن اللحظة لم تتغير ـ أليس كذلك؟)) ـ

ـ ((بلى! بلى!)) ـ

ـ ((هل تصدقين أنني أرتجف الآن كما ارتجفت عند أول لقاء بيننا)) ـ

– ((…عاودني الارتـباك، الخجل، الحيرة، كـنـت وقتذاك أبدو مثل طفلة لا تجيد الـتـصـرف حـتـى أنني لـم أقـو عـلـى الـنظر في عينيك..)) ـ

ـ ((..النظرة الـشغوفة ذاتها، الباحثة وراء خجلها عن عـشـرات الإجابات لأسئلة حائرة))ـ

ـ ((قلبي ينبض متسارعاً..)) ـ

ـ ((يلاحق نبض قلبي..)) ـ

ـ ((آه لو لم يحدث ما حدث لكنا معاً..)) ـ

ـ ((.. هنا نحن معاً الآن!)) ـ

ـ ((صـحـيح أننا معاً لكن بعد خمسين عاماً. ضاعت أحلى سنوات العمر، لم يتبقّ إلاّ القليل..)) ـ

ـ ((خمسون سنة مرت مثل لمح البصر!)) ـ

ـ ((مـن يصدق أن نلتقي دون ترتيـب أو مواعيد، أتذكر عندما كنت أختلـق الأعـذار لأمي لكي تسمح لي بالخروج لكي أراك!)) ـ

ـ ((وكنت أكذب على الأصدقاء،أتهرب منهم لأقابلك.)) ـ

ـ ((أعين الناس طاردتنا كثيراً)) ـ

ـ ((وفضولهم كان يبحث عنا دائماً)) ـ

ـ ((دعنا من الماضي!)) ـ

ـ ((لا نستطيع أن نتخلص منـه هو الذي دفعنـا إلى الحــاضر…)) ـ

ـ ((آه منك، ألا تترك عادتك لتعليل كل الأمور؟)) ـ

هـبّت بينهما رياح باردة، لاحظ أنها ارتعدت، خلع سترته الباهتة، قـرّبـهـا مـن كتفيها، يداه ترتعشان، انتبهت لارتباكه، طفح فؤادها بحنان بالغ، كل ما فيها يذوب لتصرفه المباغت، انتابها شـعـور طفلة، منذ سنوات لم يحضرها هذا الشعور، دنا منها، استقرت السترة على كتفيها، سرى في جسدها النحيل دفء خفي، تسرب إلى القلب، تمنت لو أن يديه استقرتا على كتفيها للأبد، داهمها خجل غريب، شعرت كما لو أن العيون ترمقهما بفضول. لاشك أنهم رأوا ما فعله معها، المارة كثيرون. خطت للخلف تاركة مسافة بينهما  سارقت النظر نحو العابرين، لا أحد ينظر إليهما، لا أحد، لم يلتفتوا إليهما قط، كانوا يمضون من قربهما غير منتبهين لوجودهما، انتقل إليه خوفها ، وخجلها، ركض في أعماقه طفل مذنب، تراجع إلى الخلف متوارياً عن الأعين، صوّب نظراته حيث نظرت، أدرك ما تعنيه، أمعن النظر في المارة، خيّل إليه لأول وهلة أنهم يرمقونهما بفضول، سرعان ما تلاشت ظنونه  صحيح، لهم أعين تحملق في كلّ الأشياء إلا هما. فلم ينتبه إليهما أحد.. فهما بالنسبة للآخرين مجرد عجوزين مهملين ليس إلاّ!!

رجّع بصره، سحبت نظراتها. التقت أعينهما بمساحات السنوات العابرة، انعكست سحابات متلألئة تحت الرموش انطلقت ضحكتان في آن واحد!

امتزجتا في قهقه متداخلة…

مدّت يداً معروقة خشنة مرتعشة، تلقفتها يده بشراهة السنوات الغائبة، اليدان عصفورتان مهاجرتان التقيتا، نامت يدها بين أصابعه، وثبت في أعماقها صبيّة غضّه تركض بحبور طاغ، قفز في أعماقه صبى مشاكس، انطلق صوب الصبية يمازحها.

مقالات ذات علاقة

سقيم الهواء

صفاء يونس

السلك

سعد الأريل

قصة قرصة

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق