ترجمات

الـدرس رقــم 2

تأليف: جوان كوميتو


“أنتِ لي” ،قالَها الولدُ، وهو يُقرّبُ شفاهه المطّاطية من الزجاجِ.

تَنهّدتُ. لا.. لَيسَ مرة أخرى.

هَبطتُ أسفل قاع البرطمان وانتظرت.

اشتهر الصبيان بغبائهم وقلة صبرهم ، صفتان مَنعتَا دون شك الجنّيات من الانقراض. سأفلت هذه المرة أيضا.

– هيه ؟ هذا النياندرتالي*  يَضْربُ على الزجاجِ بإصبعِه الكبيرِ. ويصرخ

– هيه أنت يا يراعه..! ؟

احتجت كل قوتي لضبطِ نفسي ولكي لا أصحح خطأه. أعلم أن البشر لا يميزون جنيّة مِنْ قطّة. لكن يراعه..!!!  نحن مخلوقاتَ مختلفةَ جداً.

لكم نصحتنا أمي “تجنبوا مناطقِ مدن البشر يا أعزّاء. فالغالبية هناك هم من الأغبياء الذين يتلبس عليهم الأمر. فيخلطون بين أضوائكم وبين بقية الحشرات. يرونكم كحشرات في مرحلة طقوس التزاوج.”

عيناه تُحدّقُان. استعملت كُل تركيزي لتَعْتيم ضوئي. َرُبَّمَا سيعتقد أنّني أحتضر ويَفْتحُ الغطاءَ.

-كيتلين …

صرخ قائلا. اصطدم جسمي بالزجاجِ حين نَهضَ الولد وبَدأَ بالرَكْض.

– لقد أمَسكتُ واحدة..! أنظري.

أوه. بدأ صوت كيتلين نسائيا. تعلمنا أن الفتيات أشطر نوعا ما من الصبيان. جاهدت لأخفي تألقِ ألوانِي.

– دعني أرى.. قالت.

سُلّمَ قفصي بإهمال. الاهتزاز يشْعرُني بالرغبة في التقيؤ. عيون زرقاء تتأملني، ازداد اقترابها،  شعرت بوخز القلقِ.

– هذه ليست حشرة يا جيب.  قالت الفتاة.

– بل هي حشرة. أصر هو.

حاولَ الإمساك بي. حَبستُ أنفاسي وأنا أتكوم في قاع البرطمان.

– إنها ليست حشرة أنظر!

فتحت الفتاة الغطاء، لكن قبل أن أستطيع الهْربَ، قلبت البرطمان فوقعتُ بشكل سمج في يد متعرّقة دافئة.

أربعة عيون تتطلع باهتمام شديد.

– أنظرْ.. قالَت كيتلين بصوت جازم.

– هذه جنيّة. لقد أمَسكت بجنيّة يا جيب.

تَوسّعتْ عيناه وهو يسَحبَني من يَدِّها، احتجزني في الهواءِ بطريقة مُزعجةِ. يا إلهي. قال وهو يتَنفّسَ بصوت عال.

– هَلْ أنت جنيّة..؟

لم أتكلّمُ. تذكرت القاعدة الأولى للدفاعِ الجنّيِ.” لا تُخاطبْ آسريكَ.”

– أنظر إلى أجنحتِها، يا جيب. إنها من كُلّ لون. أنظر… لديها شَعر…!!

أغلقتُ عيناي بإحكام.

– يا، جنيّة. قال المنحوس وهو يَهْزُّني. ؟

حققي لي أمنية. حققي لي أمنية يا جنيّة!

آه . . يبدو ثمة طريق للخلاص، تَذكّرتُ تعليمات ” مبادئ الدفاع عن الجنيات”.

– أمنية واحدة فقط ؟ قُلتُ، في نغمة موسيقية بذلت جهدا كبيرا في تكوينها.

– لكن الرغباتَ الجنّيةَ لا تَتحققُ إلا إذا كانت الجنّياتِ على بعد ثلاثة أقدامِ على الأقل من كُلّ اتصال بشري.

أحسست بكيتلين تنتصب جواري، لكن جيب المتلهّف لتحقيق أمانيه، أومأُ برأسهَ.

– موافق، موافق. ثلاثة أقدامِ. ؟

– لا، يا جيب أنها تخدعنا. لا تَتركَها تَذْهبُ. قالت كيتلين.

– أنت غيورة كالعادة.  رَدَّ عليها.

 أرسلتُ إليه بعض الطاقةً لتَقْوِية عزيمتِه.  همست في أعماقه. أنت على حق. لا تستمعُ إليها،يا جيب. أنا جنيّتكَ.

– أنها تحاول الإفلات،  قالَت كيتلين. لا تكُنُ أحمق، يا جيب. ؟

– أنا أحمق..!! أخرسي. صاح الأحمق، وهو يضعَني بشكل أخرق على العشبِ ويتَراجع بضعة أقدام.

– حسناً، يا جنيّة. قال.

دَفعتُ نفسي، حركت أجنحتي، التي كانت قد تجعدت بشكل مؤقت، و ارتفعت ببطء مِنْ على سطح الأرضِ.

– هيه؟ صرخ جيب محتجا.

– ارجع للوراء. قُلتُ بصوت آمر.  لابد للجنّيات من أَنْ تَرتفع إلى أعلى  كي تَمْنحَ الرغباتَ.

– ماذا؟ … أعلىً؟ ؟

– في الهواءِ، يا غبي. آلا تفهم….؟ ؟

اقتربت كيتلين بشكل سريع، امتدت يَدّها وهي تقول

– إنها تحاول الإفْلات. إنها لن تحقق لك أمنية.

تَعافت أجنحتي فانطلقت بعيدا عن يديها الممتدة نحوي.

– هيه! ؟ صرختُ بانتصار، وأنا أحَوْم فوق رؤوسِهم.

– أنا حرة. اسمع يا هذا وأخبرْ كُلّ أصدقائكَ الصِغار. على عكس ما ترويه لكم قصص الأطفال، نحن الجنّيات لم نُخلق لتحقيق أمنياتكم المُشَوَّشةِ والأنانيةِ.

كان جيب يتطلع إلى أعلى محدّقا بعينين داكنتين. وفم فاغر محتج.

– هذا ليس عدلا ؟ صاح وهو يقفز محاولا الوصُول لي.

– الحياة ليست عادلة يا جيب، قلت ، هذا هو درس الحياة الأول.

– ما هو الدرس الثاني؟ سَألَ بلهفة، متخليا عن محاولاتَه الغير مثمرةَ لأسرِي ومندسا على الأرض بجوار كيتلين.

ضَحِكتُ وأنا أنطلق إلى أعلى.

– الدرس الثاني يا أحمق هو……..  أن لا تأمن الجنيات.

__________________________________

* منسوب الى وادي النياندرتال قرب دوسيلدورف.

مقالات ذات علاقة

شذرات من قصائد قديمة

زكري العزابي

قصائد قديمة..

زكري العزابي

بعد الثورة

مأمون الزائدي

اترك تعليق