المقالة

العلامات الدالة

لكل عنوان علامة دالة.. لكل بيت علامات قريبة.

يقول الشخص للشخص مثلاً: بيتي قرب جامع الصفاء

ويقول آخر: منزلي قريب جداً من عيادة الأسنان الفلانية.

أو: أقيم بالضبط بمحاذاة مخبز النعمة.

أو: الشارع الثاني من جهة اليمين بعد خطوتين فقط من سوق دبي.

وربما: أسكن تحديداً عند تقاطع عمارات طريق المطار وأبو سليم.

وذات مرة سألتُ أحد الأصدقاء: أين يقع منزلك.

فأجابني: الأمر بسيط جداً مدخل الزاوية ثم تأخذ الطريق الأيمن وتعد 300 خطوة وتسأل سيقولون لك أنك تقف أمام منزلي مباشرة.

ومن طرائف العلامات الدالة على البيوت ما حدث معنا عندما كنا نقطن شقة بالحي الإسلامي، ذات يوم حار جداً فوجئنا بعجوز نعرفها تقف أمام الشقة، رأيناها من وراء الشرفة تستند إلى عمود الكهرباء المجاور لعمود آخر، قالت والدتي: أليست تلك العجوز فلانة؟. وعندما خرجنا وجدناها فعلاً فلانة، أدخلتها أمي وسقتها ثم سألتها: ماذا تفعلين هنا ( كان بيتها يبتعد عدة كيلو مترات )؟

فأجابت ببساطة: أبحث عن عائلة فلان.

وعندما سألناها أين يقطن فلان قالت: قال لي أن منزله أمامه عمودان من أعمدة الكهرباء. وعرفنا أنها صادقة وساذجة واستغربنا الحادثة، وكانت النتيجة أنها عرفت منزلنا بالصدفة وتبخّرت علاقتها بفلان لأن طرابلس مليئة بأعمدة الكهرباء الكثيرة الانقطاعات.

ربما أصبتكم بصداع، ولكن الحكاية صادقة لدرجة مذهلة، ولأن فكرة العلامات الدالة لها دور في بنيتنا النفسية ولها تأثيراتها شئنا أم أبينا.

لندخل الموضوع من زاوية أخرى:

البيوت بعلاماتها أيضاً، فالعلامة لها تأثيرات مباشرة سواء من حيث مقدرتها على صناعة بلاغة معيشية أو حتى صناعة قلق أبدي.

فمن علامته الدالة مسجد لابد وأن يشعر بالفخر والأمان والوداعة والتسامح لأن المشاهد المتكررة أمامه هي مشاهد طاهرة وإيمانية.

ومن علامته الدالة ( سوبر ماركت ) فحظوظه جميلة لأن مرتبه ضعيف وسيأتي يوم ويقوم السوبر ماركت بإنقاذه من ورطة ضيوف الفجأة.

ومن علامته الدالة سبيل مياه عذبة وصحية ففي أقل تقدير سيُعفى من مسألة الركض خلف المياه البعيدة والقليلة الصالحة للشرب.

وهكذا دواليك.. لكل علامة تأثيرها.

ولكنني محروم من العلامات الجميلة وأخجل أحياناً من ذكر العلامات الدالة على منزلي المتواضع:

وعلامات منزلي ( رابش ) سيارات قديم وأحد السجون ومحلات صهر اللدائن والنحاس وغيرهما مما يتسبب بالضرر لكل واحد علامة منزله نفس علامة منزلي.

علامات كان الأجدر أن نبحث لها عن مكان بعيد عن التجمعات السكانية حفاظاً على المواطنين وحفاظاً على المنظر العام.

ورغم هذه العلامات التي لا أرفض وجودها في أمكنتها اللائقة إلا أنني مقتنع بأن من يهمهم الأمر سيستمعون إلى هذه الكلمات وربما سأصبح قادراً أن أصف منزلي بأنه قرب حديقة كذا أو جامعة كذا، بدل ما يحبطني.

وطرابلس الآن تدخل مشروع التطور وسيكون لمثل هذه الملاحظات وجودها في ضمير التطور بإذن الله وبإذن التطور نفسه.

كل علامة وأنتم بخير.

__________________

عن موقع جيل ليبيا

07.08.2009

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (7)

المشرف العام

مُـحَـاكَـمَـةُ الـمُـثَـقّـف

المشرف العام

الانتقام من الوطن

المشرف العام

اترك تعليق