قصة

العـودة المـحـــزنة

 

لا أدري بالضبط كم مضى على تلك الحادثة، أذكر أنني دخلتُ المدينة ليلاً، وفي قلبي حنين مبهم لا أدري لمن.

كان الطقس بارداً، والمطر يتساقط خفيفاً حزيناً على المدينة التي هربت من الليل وركنت للذكريات.

كانت بعض المصابيح المضاءة في أعمدة الكهرباء الخشبية تهتزُ في صرير حاد، كأنها ستسقط حالاً وسيارة (لاندروفر) وحيدة، تراني من بعيد في الظلام، أجوب الشارع الطويل في خطى واهنة، تارة على الرصيف، وتارة على الإسفلت القديم.

لم تكن الساعة متأخرة عندما دخلتُ المدينة. لكن كان الطقس لا يوحي بأن أحداً كان قد خرج من بيته في ذلك المساء. حتى فضلات دكاكين اللحم تفرُّ منها الكلاب والقطط في سخط!

كل المدينة أغلقت أبوابها بإحكام، وبعض لافتات النيون المجنونة تغازل بعضها من بعيد كأنها أضيئت خصيصاً للأشباح في ليلة كان ينتظرها الجميع!

*          *          *

وددتُّ فعلاً لو أن أحداً يدعوني إلى الطعام. ماذا يحصل لو أن أحد أبناء المدينة أطلّ برأسه وقدّم كوباً من الشاي الدافئ، ودثّرني بمعطف قديد. سأشكره, كنتُ سأشكره وأتذكّره يوماً ما عندما تكون لديّ نقود. من يدري، قد يمرّ من أمام بيتي ذات ليلة شاتئة كهذه الليلة، وأدعوه إلى الطعام، أو إلى كوب شاي دافئ. ولكن هل سيحدث وتكون لديّ نقود تكفي حاجتي للعيش مثل بقية الناس.. وفي مدينة قدّمتني ذات مرّة في الحلم على أنني ابنها.. ثم علّمتني الخوف بسبب أناس لا أعرفهم ادعوا معرفتي في أول الطريق. قرأنا معاً القصص والروايات والأشعار، ثم تخلوا عني ودخلوا الجامعة، وبقيت وحدي أكتب عن الخوف والجوع، وهاهم مرة أخرى يتخلون عني، يقفلون الأبواب في وجهي، ينامون على أرصدتهم من النساء والنقود وتذاكر السفر!

*          *          *

كان إحساسي في البداية يقول، أن أول قصة قصيرة أكتبها، ستغير وجه العالم، لكن لم يتغير شيء. حتى شكل الصحيفة التي كنت أكتب فيها لم يتغير، ولا حتى شكل المدينة التي كنت أقطن فيها وكانت مصدر أوهامي.

أحببت فعلاً أن أكون كاتباً، ولكني لم أحب مطلقاً أن أكون فقيراً!

عندما عملت مساعد بلاّط في شركة للمقاولات، وتركت الدراسة في المرحلة الابتدائية، كنت أعتقد أنني سأتحصل على ثمن الكتاب والرغيف والقهوة. وعندما عملت سفرجياً في مقهى شعبياً، غامرني إحساس بأنني سأكون بين الناس، أعيش همومهم وأكتب عنها، لكني لم أكتب شيئاً. صرت خادمهم، وكانوا يلعبون الورق ويضحكون!

أحسست بضعفي من اقترابي من الناس، فهجرتهم إلى الجوعين.. أهانوني كثيراً، وتعمدوا تجويعي. كرهتهم. وعندما حاولت العودة إلى المدرسة لألتحق بالأصدقاء الذين سبقوني وانتقلوا إلى المدارس الكبيرة، طردوني، وشطبوا على ملفي وكتبوا عليه (مرفود). وجدت نفسي أمسح الأحذية في محطات المدينة ومقاهيها.. وعندما كنت أتمشى ذات مرة على الكورنيش، احتقرت الأحذية، واحتقرت اليد التي تمسحها في النهار، وفي الليل تكتب عن المدافئ والحب، وتكتب عن الحدائق والأطفال والأحلام الشديدة، وتكتب عن حلمي الصغير ببيت وزوجة طيبة تطهو لي الطعام وتدثّرني بحنانها.

أصبحت على الرصيف بلا شيء، إلاّ من الجوع والخوف!

*          *          *

هل أجد عندكم سريراً لأحلامي؟!. هل أجد عندكم ماءً للشرب، أو للغسيل؟!. هل أجد عندكم ثياباً قديمة كانت لابنكم الكبير الذي له في بيتكم غرفة، وفي أحلامكم دار، وفي قلبكم حديقة أمنيات؟!. هل أجد عندكم بنتاً تقبلني زوجاً بلا نقود؟!. تقبلني هكذا بأحلام مؤجلة، تختارني أنا وترفض أصدقائي.. أصدقائي الذين سيختارون بنقودهم وشهاداتهم العالية من بنات الأعيان.. يقيمون لهن الأعراس في القصور العائمة، وأنا خلف سياج حدائقها أتفرج على العز!

*          *          *

ما بالكم تنظرون إليّ هكذا؟!

هل قلت كلاماً غريباً معاذ الله؟! قلت أريد أن أنام. لا يهمني السندويتش الآن، ولا كوب الشاي، ولا قرص الأسبرين. أريد أن أنام فقط. ذاكرتي تتعبني، ومعدتي أكثر، وهذا الليل الذي أدكن المدينة بالفراغ، يدكن وحدتي، وسيارة (اللاندروفر) الوحيدة، تتعقب أثري من شارع إلى شارع. لم أكن أحسب أنني مشيت كثيراً. السيارة أحياناً تتزود بالوقود. وأنا أتزود بالوجع في كل خطوة أخطوها.

علت الريح. تعرضت لها بقلب حزين. كانت باردة، غسلتني. زفرت فيها كل أنفاسي، وبكيت!

كل الأبواب مقفلة. لا أحد يسكن المدينة. كل الشوارع مقفرة إلا أنا منني، ومن بعض الكلاب الفارة.. واللاندروفر!

تذكرت في لحظة وأنا أتوسط الطريق والبرد، أنني ذات مرة أحببت. كانت فتاة جميلة وتزوجت. وتذكرت أنني قد كتبت قصة لم أفهمها. وتذكرت أنني رأيت هذا المشهد من قبل.. لست أدري إن كان في الحلم أم في (الحلم). الريح تعصف بي وبمصباح عمود الكهرباء، وبأسمال الرجل البشع الذي وقف خلفي ينهرني ويدفعني بقوة للصعود إلى.. اللاندروفر!!

*          *          *

هناك.. نمت.. وحلمت كثيراً بهم. حلمت بهم يمنحونني بيتاً وزوجة. ويطبعون لي كل كتبي. أحبوني، وأخذوني معهم إلى الاحتفال. في الاحتفال رأيت البنت التي أحببتها زمان. كانت جميلة ويافعة.

ورأيت الأصدقاء الذين تركوني ودخلوا الجامعة. ورأيت صاحب الشركة الذي دفع لي نصف أجرتي وطردني. ورأيت مدير المدرسة، الذي مزق ملفي ورماه في وجهي. ورأيت وجهي يعجز عن الكلام، ويد تلطمني: تكلم؟!

*          *          *

كنت هناك.. ذات مرة.. في المدينة… وحدي.

وأنا هنا.. هذه المرة.. في المدينة… وحدي..!!

بنغازي- شتاء 1991

مقالات ذات علاقة

المطر في المقبرة

أحمد يوسف عقيلة

إنصـاف !

غالية الذرعاني

أول

المشرف العام

اترك تعليق