النقد

العــدّاءة

قراءة في نص (عَدْو) للشاعرة حنان محفوظ

الشاعرة حنان محفوظ


عنوان النص (عَدْو) فتحة على العين وسكون على الدال، وهو مصدر للفعل (عدى). إذا المسافة شاسعة تحيل إلى أزمنة، وتبدأ الشاعرة “حنان محفوظ“، قصيدتها بشبه جملة (للزمن) جار ومجرور لتفتح الشارحة درب تأويل بسيط لا يحتاج إلا لتلك اللمسة من الفهم
للزمن:
مخالبٌ تستطيل…

يمكنني أن أدعّي تأويلا ولكن الصورة تباغتني (زمن – مخالب- تستطيل) وللمخيلة ان تشطح كما تريد في هكذا فضاء… (مخالب تستطيل)، والاستطالة غير الامتداد، (استطال × امتدّ) هو ينمو لأن المخالب مازالت تمعن في (الانغراز)، وسأنتبه كقارئة للفعل المضارع الذي يهيمن على أغلب فقرات القصيدة. إذا هي مخالب، ( تستطيل) ولهذا ستكون المواجهة بقوة:
كلّما هشّمت ذاكرته ..
تنقض على سنينه..
تعتصرني بعنف ..

إذا نحن بإزاء معركة (حامية الوطيس).. (هشّمت) وما في هذا الفعل من القوة والانفلات حتى آخر العنف في المواجهة، وهي (مواجهة) تستمر (كلما) ولكن (الزمن) له (مخالب تستطيل) فلن يهادن (تنقض – تعتصرني بعنف). هذه الأفعال المضارعة تستخدمها الشاعرة بإتقان ترسم بها المشهد (العنيف).. مثل لوحة تشكيلية تباغتنا بالأحمر الدموي. وكأنها تهيئنا لما هو آت وتدخلنا مضمار سباق لانعرف نهاية دروبه، وحينذاك ثم تبدأ الحكاية:
أعدو نحو ظلّي ..
دون حذر يدفعني الظل …
ستلعب الشاعرة بالفعل ( اعدو)

في أربعة مقاطع ستبدأ المشهد بهذا الفعل راسمة تفاصيل الحكاية…

أعدو نحو ظلّي …
دون حذر يدفعني الظل …

في هذه الصورة ثمة مفارقة… الظل في مرآة يتراءى لها مثل حائط متين سيحميها من (انقضاض السنين)، فأي رعبّ سيباغتها (دون حذر يدفعني الظل)… فإلى اين ستواصل الركض (العدو):
اعدو ..
نحو الكيلومتر الخمسين
أجرّ خلفي
قصائد مزهرة …

الشاعرة حنان محفوظ لا تحب الاختباء تمنحنا صورة سهلة التفسير هكذا يبدو لي في الوهلة الاولى، ولكن (نحو الكيلو متر الخمسين) (اجرّ خلفي قصائد مزهرة)… وهل أجمل من هذا الانتصار (الانتقام) من (الظل الخائن) هذا الذي بلا حذر (يدفعني) ها هي تمتلئ بزهو الشاعرة تتكئ ظلا.. بل هي (أجر خلفي). وقد يحيلنا الفعل (أجُرّ) إلى دلالة الاستعباد والقهر، ولكن الشاعرة هنا تجعل للفعل دلالة (الزهو والانتصار):
أجر خلفي…
قصائد مزهرة.

أجرّ خلفي.. إذا ثمة كثرة وفيرة تمشي خلف الشاعرة، وهل أجمل من (قصائد مزهرة) يمكن تخيله (جيشا جرارا) يدّل على الشاعرة والقصائد / مزهرة .. وما فية الإزهار من معاني تُحيل إلى البهجة والخصب وانتظار هطول الحب.
وفي غمرة الزهو تأخذنا القصيدة إلى لبنة أخرى تبدأ أيضا بالفعل (أعدو)، وهذا التكرار للفعل يمنحه قوة ويجعله مهيمنا على مفاصل القصيدة، وكأن التكرار يخبرنا عن حالة (هذه الأنثى/ الشاعرة) وهي (تعدو) تلضم الافعال والصفات وتنشئ معمار القصيدة لبنة إثر لبنة، وتضج صورها التي أجادت في سكبها في ثنايا القول بهذه الروح المفعمة بالتحدي، لكنّه تحدٍ بالجمال والفن .
أعدو
دون أن يحبسني الزمن
في عدادات شروقه

هذه الصورة هي قصيدة، يمكنني اقتطاعها من المتن والتعامل معها كقصيدة تتوافر على كل الشروط؛
أعدو ..
والعَدو حالة ركض محموم ومتتابع يحاول دون تراخٍ، لأن الصراع مازال محتدما بين هذه (العداءة) وبين (الزمن). (في عدادات شروقه) في هذه الصورة يبدو الزمن مجرد (جابي – محصل) يحصي عدد الساعات المستهلكة ويكتبها في دفاتره العتيقة، لكن الشاعرة التي رسمت المشهد مثل طفلة عابثة، تختبئ في ثنايا (الوقت) غير عابئة بهذا (الجابي) الذي يملأ جيوبه بساعات آهاتنا ودموعنا وغير عابئ بأوقات بهجتنا ورنين ضحكاتنا، وتراقبه هي (العداءة) ضاحكة ومن غفلته لأنه مجرد لمحة عابرة في عمر الروح العبقة باشتهاءات الحياة. وكأن الشاعرة أشفقت على هذي الراكضة في براري الوجع، فمنحتها فضاءا للبوح، أن تكفّ عن الصراح وتحكي بعضا من القصة، ولكن آهٍ منها (العداءة)، ها هي تواصل صراعها مع (الزمن):
لم التفت يوما .
للنهار الغادر خلفي ..

كقارئة تحاول استكناه خبايا النص، ستحيلني الصورة (لم التفت يوما…) إلى ما خزنته الذاكرة، دلالة هذا الفعل المضارع المجزوم (لم التفت).. ستحيلني الصورة إلى العاشق الذي أعاد حبيبته من عالم الأموات، وطُلب منه ألاّ يلتفت كي لا يفقدها، ولكن هل يطيق صبرا عاشق ظلّ سنوات يبكي حبيبة مفقودة ومحتجزة في عالم سفلي، فقط يراها لا أكثر يتأكد أنها هي، لكن الشاعرة “حنان محفوظ” اقتنصت روح الأسطورة وجعلت (العداءة) لا تلتفت… لان الالتفات سيأخذ منها زمنا هو لها كي (تهدم) و(تبني) وهي لن تهدره لن تلتفت كي لا يغدو صراعها هباء يختفي، وسألاحظ هذه المقابلة بين (يوما / نهارا):
لم التفت يوما
للنهار الغادر خلفي

هذا النفي الذي يؤكد المضمر من نتيجة (المعركة / الصراع) والذي تؤكده: (يوما).. للنهار الغادر خلفي.
إذا نحن أمام صراع حقيقي (للنهار ….) والشاعرة هنا تختار الفاظ الصورة بدقة ملفتة (للنهار الغادر خلفي)، وتجعلني في دهشة التلقي أتساءل؛ أليس النهار ضوءا وعيشا ولقاء بصديقات وأهل ووو أليس النهار مكان الألفة والامان؟
إذا كيف صار نقيضا دالاً على الخوف والوحشة (للنهار الغادر …) بل صار (غادر) والشاعرة لعبت بهذه الكلمة (غادر) والتي أضاف لها التعريف بأل قوة ودلالة القرب الموجع، (الغادر) الذي مضى دون أن تفهم (العداءة الراكضة بلا توقف) لماذا؟ وهكذا لن تكون مجرد مغادرة بل (غدرا) للنهار الغادر، لو استعملت الشاعرة المصدر(مغادرة) لصارت الصورة تقليدية، لكن المصدر ( غَادِر) منح الصورة فضاء من دلالات؛ إذا:
للنهار الغادر خلفي ..

هي لن تفعل مثل ذاك العاشق، لأنها تواصل (عَدوَها) صراعها مع الزمن، لقد تركت (خلفها) هذا النهار الغادر، وايضا لتبوح بشجاعة:
كل حزن انتهى .. !؟

إذا ها هي تعلن (كلّ حزنٍ) لا تخجل من الاعتراف أن ثمة حزن غرز مخالبه في قلبها، لكنها التفتت ومضت باتجاه الآتي، ببساطة لأن كل حزن (انتهى):
وأنا
أسبح في دمعي
حوريةً
زمني الخريف …

وكعادة استعجالي سأقول: صورة واضحة أيتها الشاعرة ولكن؛ كالعادة أيضا ستضحك القصيدة مني وتواجهني: (هاتِ ما عندك)… آه بسيطة ..الصورة دلالتها لا تحتاج إلا لوضع..
تفضلي ( وضع ماذا ) …
انتظري …

وأنا… أسبح في دمعي، كم هو عميق هذا الحزن وكم هذا الوجع قاسٍ، حتى أن الراكضة التي لم تلتفت، هطل دمعها فصار بحرا وها هي تسبح، نعم (ها هي الأفعال المضارعة) تستحوذ على المشهد (أسبحُ) إذا هي مازالت في حالة (الصراع) تواصل المقاومة و(الركض).. ولكن مهلا:
حوريةً
زمني الخريف ..

حورية .. وما لهذي الكلمة من جمال ورقة و رهافة، التي تواصل السباحة في بحر الدموع (حورية)، زمني الخريف، وكما في اختيار النهار ليكون دليلا على الخوف والوحشة، تأتي الشاعرة بالخريف، لم تختر (الربيع) ليكون صورة البهجة والزهو، لكن الخريف هنا يفيض باتجاه دلالة أعمق، الخريف نهاية الصخب وعنف الطبيعة التي يهجم بها الصيف، هنا الخريف نضج التجربة وقطف ثمارها والتهيؤ لدفقات المطر القادم حتما.
أعدو
وأنجرف دون شعور
بعد قليل
سيعلن التاريخ عن بدايته

إذا ستكتمل الدائرة وتجيء الشاعرة بالصورة التالية والتي بدأت بهذا الفعل (أعدو)؛ لتؤكد هذي (العداءة التي تواصل ركضها) أنها لن تكفّ حتى تصل:
وأنجرف … دون شعور

ها هو فعل مضارع جديد يعلن عن حالة أخرى من حالات (الراكضة باستماتة)، (أنجرف) وما في دلالة تشي بالرعب (أنجرف).. مما (تنجرف)، وإلى أين؟
ودون شعور، سيحيلنا هذا الفعل إلى أول الصور في القصيدة حيث (للزمن مخالب تستطيل) وهي في تتابع المعركة وشراستها ستصل حتما إلى هذي الحالة، (أنجرف دون شعور) هل ستخسر المعركة أتساءل كقارئة؟! لأن فعل الانجراف بقسوته يوحي بهذا العياء الذي تغلغل في روحها فتركت نفسها لهذا (الانجراف).
أنجرف دون شعور، وها هي الشاعرة تباغتني بالصورة التالية: بعد قليل، وهذه الشبه جملة ستحيلني إلى ذاك الإعلان الشهير الذي يقطع إرسال برنامج او فيلم أو أغنية ليهيئنا إلى ان ثمة حدث كبير سيعلن (بعد قليل) والشاعرة هنا كأنها رأفت بحالتي كقارئة كن أفعال (أنجرف) القاسية الدلالة إلى ارتقاب الآتي (بعد قليل)
بعد قليلٍ
سيعلن التاريخ
عن بدايته .
إذا هي لعبة ذكية وتلاعب مشاغب:
بعد قليل …

ماذا سيحدث والراكضة الاي تواجه (مخالب تستطيل) وهذه المخالب هي (للزمن).. ثم هي تنجرف دون شعور …
سيعلن التاريخ عن بدايته.
أيها الزمن اللعبة لم تنتهِ بعد، والمواجهة مستمرة، من أنت أيها الزمن؟ نعم (أنجرف دون شعور) ولكنها رغم عنفها (هدأة) لالتقاط الأنفاس، وبعد قليل و(قليل) نكرة أي قد تضمر (الكثرة) فالعداءة مازالت (تسبح) و(لم تلتفت،) و(تهشم) و(تجرّ) وهي كلها تدل على الاستمرار والصدام الذي يتخذ عناوين مختلفة، وإذا ….
سيعلن التاريخ عن بدايته؟ وحين تباغتني صورة من أربع كلمات هكذا واضحة، سيعلن ( يا فعلها المضارع) ومؤكد بالسبن وما في (حسيسها ) من رعب، التاريخ… ؟؟؟ هذا التعريف يجعل هذا التاريخ خاصا بها تشير به إلى كل ما يدل عليها، هي الراكضة في حالة (مغالبة) (للزمن).
عن بدايته …

إذا هي تكتب تاريخا خاصا بها؛ تنشئ عالمها وهذه اللحظة التي أخافتني (أنجرف دون شعور)، تضمر التفوق والمشاكسة حيث تاريخ سيبدأ تعلن عنه متحدية الزمن؛ هل ثمة معركة (وجودية) أشتم رائحتها؛ ربما، تاريخ / زمن وبين التاريخ والزمن هذا التضاد والتزاحم والتشابك، هل التاريخ لحظة من الزمن، أأم أن الزمن ما هو إلا لحظات توثق حدثا في التاريخ… إذا دعوني أتنفس.. ولتنشب هذي المعركة..

لتقول أن قصيدة بعنوان (عدو) ع بفتحة والواو بالسكون والمد يقول أنها مصدر للفعل (عدى) – يعدو – عدوا) للشاعرة “حنان محفوظ” في ديوانها الموسوم (قصيدة ليست لي)، هذي القصيدة فتحت مسارب تأويل حتى أوصلتني لحكاية (الفلسفة / والمعركة الوجودية)؛ بين / الزمن / التاريخ / .. وسأكتفي …


النص: عدو

حنان محفوظ

للزمن:
مخالب تستطيل …
كلّما هشّمت ذاكرته
تنقض عليّ سنينه
تعتصرني بعنف
أعدو نحو ظلي
دون حذر يدفعني الظل ..
أعدو …
نحو الكيلو متر الخمسين
أجرّ خلفي …
قصائد مزهرة
أعدو …
دون أن يحبسني الزمن …
في عدادات شروقه..
لم ألتفت يوما للنهار الغادر خلفي
كل حزن انتهى
وأنا ….
أسبح في دمعي … حورية
زمني الخريف
اعدو ….
وانجرف دون شعور
بعد قليل …
سيعلن التاريخ عن بدايته

7-11-2015

مقالات ذات علاقة

لماذا تبهرنا كتابات الكوني؟

رامز النويصري

قراءة لنص: مجرد ثرثرة

المشرف العام

قراءة سيميائية في لوحة الفنان عدنان معيتيق

أمينة هدريز

اترك تعليق