المقالة

العصفور والشبّاك

من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني
من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني

 
كنت جالساً في إحدى غرف المنزل، والتي شباكها يطل على الفضاء الخارجي، سمعت زقزقة عصفور، التفت فوجدته يتنطط على القضبان الحديدية المكونة لإطار حماية الشباك.
كان العصفور يتنطط ويقفز من قضيب إلى قضيب، شد انتباهي إليه بحركاته الكثيرة، أحسست وكأنه يقول: حتى أنتم يا بني البشر مسجونون داخل أقفاص حديدية …حتى أنتم مثلنا.
ثم أخذ يقفز ويتنطط ويغرد أكثر وأكثر، وكأنه يغيظني ويقول لي أنا حر وأنت أسير.
 
لا يدري هذا المسكين أننا نحن وغصباً عنه وضعناه داخل القفص، ربما لأننا نحب أن نسمع صوته وهو يغرد، ربما لأننا نحب شكله، وربما ليس هذا أو ذاك، فقط لأننا نحب أن نتسلط على من هو أضعف منا… أن نتجبر على كل ما هو ضعيف، أن نمارس سطوتنا وقوتنا على كل من لا حول ولا قوة له، ونتلذذ بذلك.
ثم ما يدرينا أن هذا الذي نعتقد أنه تغريد وأنه صوت جميل يُمتعنا ويُطربنا، من يدري أنه ليس صراخ ونواح وعويل لهذا المسكين من قهره ومن هذا الظلم الذي مُورس عليه.
من يدري أن كل هذا الذي نعتقد أنه غناء وصوت جميل، من يدري أنه ليس بكاء من شدة الألم، أنه أنين لأنه لم يقدر أن يخلص نفسه من هذا السجن.
 
وبعد هذا كله حتى وإن سكت واستسلم لواقعه وتوقف عن الصراخ، وتوقف عن البكاء، وتوقف عن العويل، ألا يضعون له الفلفل، ليزداد فوق الظلم ألماً…ليزداد فوق القهر عذاباً…
اطمئن أيها العصفور الضعيف نحن مثلك، ولكن سجننا أوسع، نحن مثلك ولكن سجانونا من بني جلدتنا…مثلنا بشر.
 
ما الفرق بين سجنك الصغير وسجننا الكبير…ما الفرق بين سجانك وسجاننا.
كلاهما يمارس سطوته وقوته على الضعفاء…كلاهما يتمتع بعذابنا… كلاهما يستمتع بصراخنا وبكاؤنا وعويلنا.
وحتى إن استسلمنا وتوقفنا عن البكاء والصراخ والعويل…كلاهما يضع لنا الفلفل.

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (9)

المشرف العام

هذا الذي صنعته أيدينا من الآخر؟

حسين بن مادي

سُؤالُ السلامِ النسوي

فاطمة غندور

اترك تعليق