كتاب يقف وحيداً كشجرتين.
طيوب عربية

العزلة اللذيذة لدى عامر الطيب

هدى الغول

الشاعر العراقي عامر الطيب.
الشاعر العراقي عامر الطيب.

 

يسعى الشعراء الحداثيون لاستكشاف الأعمال الداخلية للفرد كإنسان، وإعطاء لغة ملموسة للعاطفة ، إذ يوظفون اللغة كوسيلة للوصول إلى الذات الداخلية والعاطفة التي يصعب إعطاءها صوت،و قد اتخذ هؤلاء المحدثون  من حرية الشكل ساحة رحبة للإبداع..

من خصائص الشعر الحداثي كما ذكرها (دي هاملتون)  _مزج الصورة بالسرد، ومزج الصورة بالاستطراد، والرصد الدقيق، والانعكاس الفلسفي، والتجاور المفتوح، والقصص المتعددة، وتغير وجهة النظر، والإستطرادات، وانعدام التماسك أو الانحلال، والقفزات غير المتوقعة والتفكير المنقطع”. وهناك أيضا “التوجس من العالم الخفي، والتشظي”، والأسلوب الذي يبدو “كيوميات شعرية أو مذكرات”.

وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكننا أن نلمس هذا في شعرية عامر الطيب المتجلية بانفرادية شاعرية خلقت من الدهشة المتجسدة في عزلة متواترة بين الشعر والعالم الآخر. في مجموعته الشعرية (يقف وحيداً كشجرتين) إذ يستحلب من أفكاره لغة زئبقية لصور شعرية مستفزة لذهنية المتلقي ومربكة لقدراته الاستعابية،ولا شك ان جمالية تلك اللغة تكمن في  قربها من الواقع  والتقاطه بفلسفة فنية تعرجت بين السريالية والميتافيزقيا والتجريد نحو ميثولوجيا شعرية تتجلى فيها العزلة بشكلانياتها المتعددة  والتي كان للشعر فيها دور المحورية استهلالاً بالإهداء (إلى كل الشعراء الذين ماتوا ولم يعرفهم أحد)..عزلة قاتلة ومفجعة فيها إيحاءات وزحزحة دلالية ترشدنا لمعاناة الشاعر مع ما يحدث في العالم ككل وفي الوسط الثقافي من تهميش آني للشعر الحداثي ..

في مستهل نصوصه يقدم عامر الطيب تلك العزلة في حزن نشط طيلة أيام الشهر كناية عن ذاك التعب المتواتر الذي يحصل مع الذات ا الشعرية او مع الإنسان المثقف بصفة كاملة..

أفرغ وأعود هشاً

بينما تغرق  نساء كلود مونيه في بحذرٍ لامتناهٍ

أحسب ان لدي وهمي الذي أحافظ عليه ناسياً

أنها مأساة شائعة

إحساس مبكر بالعزلة كمأساة عامة لكل عمل فني مبتكر وانطباعي ينأ بذاته متمرداً ثائراً عن كل ما هو مقنن ويسجن الجمال في قوالب تجعله يفقد رونقه ويخضع لسلطة النمطية والموروثية في تلميحات نورانية عن عزلة محزنة و خانقة للأنا الشعرية..

أحرق أصابعي حيث لم ينم أحد بفراشي

وحيث لم اعد سوى ذلك الحزين النشط

أقصد الذي يحزن طول أيام الشهر دون ان يتقاضى راتباً

….

والعزلة عن الأمس وامتغاض  من العودة للخلف..

النص القديم قبلة ممتغضة برقبتك

وحصان يركض إلى الخلف

النص القديم موجود هنا في زاوية من زواية غرفتك

او في كتاب على رف

او في مكان بعيد جدا

ولا يوجد مكان في العالم أبعد من طرف لسانك

والعزلة في محيط الانا الشعرية بلقطات نراها صارخة اكثر مما هي ساخرة

في الصفحات 11,10,9,8

والعزلة التي ترافق الكاتب حتى يولد النص

في حضرة الكتابة

أكتب الآن..وعندما اسافر إلى جزر بعيدة

إذ يجبرني أي شيء على الكتابة

شيء قديم ونابت مثل صراخ امرأة حبلى !

 

وبانسياق لغوي مهذب يلج بنا الشاعر إلى عالم الكتابة إذ يكتب لأن كل ما يحيط به يجبره على ذلك وفي إيحائية منمقة توحي بأن لا كتابة بدون شعر ورؤية فكرية؛ إذ  تبلورت أفكار الشاعر في تلميحاته حول خلود بعض الكتب لكونها لا تتكرر..

الكتب لاتشبه الكتب

وذلك سر ديمومتها

وما يكرر نفسه يموت..

وتلك انفرادية من زاوية أخرى، تتجلى  بالصفحات (12,13,14,15,16,17.18.19.20)

وفي الصفحات(65,66,67 ) يستخدم الشاعر دور المتلقي باستخدامه اللغزية بالتواريخ والأرقام التي تحث المتلقي على تقفي المعرفة بطريقة مستفزة توغله في مشهدية مفارقة وتوقظ فيه الدهشة..ولعل أرقامه الدلالية توحي بشكلانيات الشعر وقفزاتها من شعر القافية إلى ما بعد الحداثة التي جعلت من الشاعر _يقف وحيداً كشجرتين _(شعر التفعيلة والشعر الحديث)إذ أن المشهد الشعري هو نفسه سجل تاريخي…..

كتاب يقف وحيداً كشجرتين.
كتاب يقف وحيداً كشجرتين.

ومن أبرز الأبعاد الدلالية والفنية التي يتسم بها مفهوم العزلة تمثلت في الوطن  (العراق وكل بلد عربي عانى تقلبات سياسية) إذ يبدي ما هو حميمي وما هو جماعي وسياسي في شاعرية مرهفة وحصافة قوية توكأت على مخزون الشاعر الفلسفي والفكري وقدراته التخيلية واستخدام كل تلك الأدوات في لغة تخاطب المتلقي بشكل اناركي بديهي وهزلي..

العراق الجديد

حملته وهما على وهم

سألته ماذا تريد

أن تصبح إذا كبرت؟

العراق الجديد

نكتة باهتة

لكننا شعب بائس

مثل كيلو طماطم في الثلاجة

نريدْ

أن نسمعها

كلَّ يوم

لنضحك!

….

دخل الوطن كله إلى  الحمام

مصراً على ألا يسمع

الأخبارَ

ولا يشاهدَ هروب

البط إلى البحيرة

ولا يحتفلُ

مع الأوطان

وقد تحولتْ من عصر الحجر

إلى عصر الرصاص..

دخل الوطن كله

إلى الحمام

وصارَما صار

دون ان ندرك نحن

أنَّ واحداً من أسباب الموت المبكِّر

أن يتأخر المرء

في الحمام!

………………

لماذا أحبكِ أنتِ؟

ولماذا أحبُ العراقَ

أيضاً؟

أقول هذا

وأقشر البرتقالة

لماذا أحبكِ أنتِ

ولماذا احب العراقَ

أيضاّ؟

أقول هذا

وأنا أجمعُ القشورَ

وأفركُ بهما يديَّ

لماذا أسأل

لماذا آكل نصف البرتقالة

فقط؟

إن العمل الإبداعي الفني الخلاق هو الذي يُسفر عن الرؤى المتعددة، ومن هذا المنطلق فإننا نقرأ العزلة أو الوحدة في (يقف وحيداً كشجرتين) وكأن الشاعر يقول لنا أن شجرتيه هما المرأة والعراق، إذ أن الأشجار طالما تجذرت وتشبثت في الأرض وتشعبت أغصانها ستقف صامدة في وجه الرياح وكذلك حال العراق والمرأة عند الحديث عن قضاياهما كل على حدة..وسنقرأ المرأة في شعرية عامر الطيب بشكل مختلف يرسمها بصورة فاحصة وناقدة تشعل فيها الرغبة في تغيير مصيرها وتعديل شكلها وذاتها إذ أنها معزولة قي أغلب صورها عن التطورات الفكرية التي يشهدها العالم..

إننا نمشي

معاً

أنا والمرأة

وسيخبرنا الله

إذا وصلنا للنهاية!

………………..

المرأة الجزء المنسي

في الكتب

والثورات

وتوزيع الحصص

وقصص الأبطال

أعترف أننا كرجال

قلنا ما قلنا

وقلنا قال الله

………..

ما قيمة المرأة

مقارنةً بصورتها

في الاستوديو؟

ما قيمة العالم

مقارنة بدخل المواطن؟

ما قيمة الجسر الهش

مقارنةً

بالجسر القوي

الذي ينكسر بالعابرين؟

………

أنتِ لست معروفةً

كامرأة

لأن صديقاتكِ يعتبرن فتنتكِ

شأناً إلهياً

عيناك مشتعلتان

ووجهك مدّور

مثل دوَّامة

أمَّا حزنك فهو مثير

مثل غلاف كتاب

وكشاعرٍ

أودُّ أن أتأكّد

من وزنكِ كامرأةٍ تغرقُ بالتَّفكير!

…….

المرأة .. المرأة …المرأة

لقد رأت كلَّ ما فعلناه بالكرة الأرضية

ومازلت مصرةً

أن تقابلنا!

………

كل امرأة شهية

تبدو هادئة مثل هيكل عظمي

وغامضة مثل قول شائع!

…………

ضع الحديدة على النار

تعرف الرجل

ضع يدك على الحديدة

تعرف المراة!

وفي تساؤلاته الفلسفية عن الحال نقرأ عزلة سلسلة إنسيابية وصادمة..

كيف حال العراق؟

_سماء قريبة

ورقبة مكسورة

كيف حال البلاد؟

_من كل بلاد

جزء يوشك ان يكون الجزء الثاني

من العراق!

كيف حال النساء؟

_ضحايا  الصراع

الطبقي،

عاملات في النوم

وأجسادهن مشكلة..

كيف حال الوقت؟

_ليس سوى أربع وعشرون ساعة

عاطلة في جيبي

كيف حال الشاعر؟

_ذهب للأبد

وضيع الآن

إلى نهاية الصفحة 47

ثم تأسرنا التعريفات الفلسفية لشتى الأمور الحياتية التي قد تواجه أحاسيس شاعر مرهف كعامر الطيب  نقرأها في رؤيته لفيروز كآلهة للغناء إذ يناديها بأكثر من مرة..

فيروز يا أمي

(في حضرة فيروز.. الصفحات98-89)

ونتحرر معه من قيود العزلة في تعريفات منفردة للفن وأهله بشكل نقدي لاذع الطعم كالدواء ولكن مفعوله قوي في علاج الداء..

…………….

أخيراً

يقول الدكتور:أنور الموسوي

(الأصالة الفنية  تتجسد  في  العمق الفني أي المقدرة و الإتقان و تحقيق درجات عالية في الفنية ، أما المعاصرة فتتمثل بالابتكار و المواكبة  و التفرد و الإقناع بالانسيابية و السلاسة و التشويق )

وبينهما قدم لنا عامر الطيب تشكيلية شعرية انفرادية في مزيج من  الإبهار والتشويق والابتكار والدهشة التي ظلت حاضرة في جميع مشهدياته الشعرية المذهلة والغنية فكرياً، والمكتنزة لغوياً بالمجاز المتوهج والبلاغات الجمالية الوامضة والمسترسلة بعفوية مطردة وبعزلة لذيذة وماتعة..

إن ما قدمه عامر الطيب يعتبر بمثابة تحقة فنية محكمة الإتقان، وعالية الجودة في مستويات القصيدة النثرية المعاصرة، لكونه تفرد بشاعرية ثائرة متمردة عميقة ومتجددة، جعلته (يقف وحــيــداً كشجرتين)

 

 

مقالات ذات علاقة

حين يحنُّ الليلُ يجنُّ الحنين!

المشرف العام

غزو الشمس – خيال علمى

المشرف العام

صفاقس التونسية تتسلم مشعل “عاصمة الثقافة العربية”

المشرف العام

اترك تعليق