قصة

العجوزان

من أعمال التشكيلي رجاء بن ناجي
من أعمال التشكيلي رجاء بن ناجي


–  من؟

–  أنتَ

–  أنتِ

–  يا لها من مصادفة !

–  مصادفة؟ إنها أكثر من ذلك. لا. لا أصدق عينيّ، أيمكن أن يحدث هذا يا إلهي؟

هكذا، فجأةً نلتقي بعد خمسين عاماً، أهي الدنيا صغيرة إلى هذا الحد. أم أن الأمور تعيد نفسها ؟

–  وأتعرف إليكِ من دون مشقة.

–  وأنتَ ألم تشدّني ملامحك وسط عشرات العابرين .

ـ أين . . أين اختفيتِ كل هذه المدة الطويلة؟

ـ أنا لم أغادر هذه المدينة، أنتَ الذي تواريت بعد أن حدث ما حدث .

ـ صحيح، الذاكرة بدأت تشيخ أيضاً، أحياناً نخلط بين الأمور، أنتِ مكثتِ هنا، أنا من رحل، أجل بعد خمس سنوات من افتراقنا تحت تلك الظروف القاسية التي مرّت بنا، حاولنا كثيرًا .. لكننا لم نصمد في وجهها . . هاجرتُ إلى قرية نائية . . حاولت أن أتغلب على آلامي، وبعد عامين تزوجت لأقهر وحدتي، وشعوري بالغربة .

قاطعته بانفعال:

ـ تزوجت إذن، لم تحفظ العهد، كنت أعتقد أنّك لن ترتبط بامرأة بعدي، ألم تقل لي ذلك . . وأحببتها كما أحببتني في يوم ما، شغفت بها، لاشك أنها كانت جميلة، أليس كذلك، أكانت تشبهني؟

ـ مهلاً لا تتركي الهواجس تعصف بكِ بعيدًا ، كلماتك تندفع إلى قلبي مثل الرصاص، لماذا تلومينني . . وأنتِ ألم تتزوجي؟

ـ كنت مضطرة..

ـ بكل بساطة تجدين لنفسك العذر، أما أنا لا عذر لي عندك .

ـ ما هو عذرك؟

ـ أنا شعرت أنني في حاجة إلى رفيقة، إلى امرأة تبدد وحشة غربتي في تلك القرية التي لا أعرف فيها أحدًا .

ـ لكنك أحببتها لا تنكر ذلك.

ـ تغارين! لم يتبدل فيك شئ، أنتِ كما أنتِ .

ـ لا تغير الموضوع . . أحببتها مثلي أم أكثر مني .

ـ في الحقيقة لم أحبّ امرأة بعدك .

ـ لكنها امرأة .

ـ لا يمكنني أن أقول أنني أحببتها، لكنني احترمتها، حملت لها في قلبي ودّ المعاشرة، كانت طيبة، لم نختلف، نشأت بيننا ألفة. اعتيادية الحياة قرّبت بيننا، روابط مشتركة ربطتنا لكنك كنتِ تعيشين في الذاكرة، تستلقين وسط دماء القلب، لم أنس ملامحكِ، تفاصيل وجهكِ ، كنتِ الحبّ، وكانت الألفة، وهناك فرق بينهما، كنتِ الذكرى والحبيبة، وكانت الحاضر والزوجة، لم أكرهها، ولم أحبّها مثلما أحببتك.

ـ لكنها شغلت حيّزًا من تفكيرك .

ـ الغيرة تتحول عندكِ إلى أنانية.

– لأنني أحبُك بصدق. لم تسقط من ذاكرتي لحظة واحدة. حتى مع زوجي كنت أراك أنت، أسمع صوتك، أشعر بيديك، كنت الحاضر الغائب..

ـ لكنه هو ولست أنا .

أنتَ أيضاً لم تتغير مازلت كما أنت، طريقتك في التخلص من أيّ موقف صعب نفسها، مراوغتك في الحديث السنوات لم تؤثر فيك، خمسون عاماً مرّت دون أن تسلخ منك أيّ شئ..

ـ وأنتِ أنتِ، صوتكِ ، النبرات التي سمعتها أول مرة . . عيناك تأتلقان بالجرأة والصفاء، تبدوان واضحتين عميقتين كما عرفتهما عند أول لقاء بيننا هل تبقى الأُشياء كما هي بالرغم من مرور الزمن؟

ـ أنت تبالغ، أنا تغيرت كثيرًا كل الذين يعرفونني لاحظوا زحف الشيخوخة علىّ . . العينان انطفأتا منذ زمن

ـ أنا لا أبالغ صدقيني، أراكِ الآن كما عرفتكِ منذ خمسين عاماً .

ـ أنتَ الذي لم يتغير، أراك كما أنتَ الرجل الذي التقيته منذ تلك السنوات. . أي قدرة جعلتك تحتفظ بنفسك دون تبدل؟

ـ حدّثيني، حدّثيني عن كل شيء ، أريد أن أختصر الزمن كله في لحظة، أنجبت أولادًا، أليس كذلك؟

ـ ثلاث بنات وولدين. فقدت بنتًا في عامها العاشر. كبر الباقون . .تزوجوا كلهم . . أنجبوا . . تصور أنني صرّت جدّة لعشرة أحفاد ، يا للأيام مرت بسرعة بالرغم من قساوتها. وأنتَ ألم تنجب منها؟

ـ ثلاثة أولاد، تزوجوا أيضًا . . أنا جدّ مثلكِ ولكن لأربعة أحفاد.

ـ أين تعيش الآن؟

– هنا في هذه المدينة.

ـ هنا! منذ متى؟

ـ منذ شهرين تقريباً

ـ لماذا لم تبق حيث الأولاد؟

– دوري انتهى بالنسبة إليهم . . ليسوا في حاجة إلىّ الآن ، وهناك حنين دفين إلى هذه المدينة

ـ تعود إلى المدينة لالتقي بك من جديد ، من يتوقع هذا ؟

ـ كل شيء محتمل في هذه الحياة.

ـ كل شيء يعود لنقطة البدء . . أتذكر منذ خمسين عامًا التقينا، وها نحن نلتقي . . هه نسيت أن أسألك أين زوجتك؟ هل جاءت معك أم أنّها فضلت البقاء هناك؟

ـ لم يعد بوسعها أن تختار، رحلت عن هذه الدنيا منذ سنتين..

ـ يا إلهي، أنت وحيد مثلي، توفِّي زوجي أيضًا منذ سنة، ألم أقل لك أن كل الأشياء تعود إلى نقطة البدء .

ـ لقاؤنا الآن يعيدني إلى أول لقاء بيننا.

ـ أتفق معك، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة انظر، ألا تبدو الشمس كما بدت يوم التقينا منذ خمسين عاماً، السطوع نفسه.

ـ السماء لها الزرقة نفسها،أشياء كثيرة لم تتبدل ،المدينة وحدها اتسعت، كبرت بميادينها، وشوارعها، البيوت تزاحمت لكن اللحظة لم تتغير . . أليس كذلك؟

ـ بلى! بلى! .

– هل تصدقين أنني أرتجف الآن كما ارتجفت عند أول لقاء بيننا .

– عاودني الارتباك، الخجل، الحيرة، كنت وقتذاك أبدو مثل طفلة لا تجيد التصرف حتى أنني لم أقو على النظر في عينيك

ـ النظرة الشغوفة ذاتها، الباحثة وراء خجلها عن عشرات الإجابات لأسئلة حائرة.

ـ قلبي ينبض متسارعًا.

ـ يلاحق نبض قلبي..

ـ آه لو لم يحدث ما حدث لكنّا معًا .

ـ هنا نحن معاً الآن .

ـ صحيح أننا معًا . . لكن بعد خمسين عاماً. ضاعت أحلى سنوات العمر، لم يتبقّ إلاّ القليل..

ـ خمسون سنة مرت مثل لمح البصر .

ـ من يصدق أن نلتقي دون ترتيب أو مواعيد، أتذكر عندما كنت أختلق الأعذار لأميِّ لكي تسمح لي بالخروج لكي أراك .

– وكنت أكذب على الأصدقاء، أتهرب منهم لأقابلك.

ـ أعين الناس طاردتنا كثيرًا .

ـ وفضولهم كان يبحث عنا دائمًا .

ـ دعنا من الماضي .

ـ لا نستطيع أن نتخلص منه هو الذي دفعنا إلى الحاضر .

ـ آه منك، ألا تترك عادتك لتعليل كل الأمور؟

هبّت بينهما رياح باردة . . لاحظ أنها ارتعدت . . خلع سترته الباهتة . . قرّبها من كتفيها . . يداه ترتعشان . . انتبهت لارتباكه . . طفح فؤادها بحنان بالغ .. كل ما فيها يذوب لتصرفه المباغت . . انتابها شعور طفلة. . منذ سنوات لم يحضرها هذا الشعور . . دنا منها . . استقرت السترة على كتفيها . . سرى في جسدها النحيل دفء خفي . . تسرب إلى القلب . .

تمنت لو أن يديه استقرتا على كتفيها للأبد . . داهمها خجل غريب . . شعرت كما لو أن العيون ترمقهما بفضول . . لاشكّ أنهم رأوا ما فعله معها . . المارة كثيرون . . خطت للخلف تاركة مسافة بينهما سارقت النظر نحو العابرين . . لا أحد ينظر إليهما . . لا أحد . . لم يلتفتوا إليهما قط. . كانوا يمضون من قربهما غير منتبهين لوجودهما. . انتقل إليه خوفها . . وخجلها . . ركض في أعماقه طفل مذنب. . تراجع إلى الخلف متواريًا عن الأعين . . صوّب نظراته حيث نظرت . . أدرك ما تعنيه . . أمعن النظر في المارة . . خيّل إليه لأول وهلة أنهم يرمقونهما بفضول . . سرعان ما تلاشت ظنونه صحيح، لهم أعين تحملق في كلّ الأشياء إلا هما. فلم ينتبه إليهما أحد.. فهما بالنسبة إلى الآخرين مجرد عجوزين مهملين ليس إلاّ.

رجّع بصره، سحبت نظراتها. التقت أعينهما بمساحات السنوات العابرة، انعكست سحابات متلألئة تحت الرموش انطلقت ضحكتان في آن واحد . . امتزجتا في قهقه متداخلة…

مدّت يداً معروقة خشنة مرتعشة، تلقفتها يده بشراهة السنوات الغائبة . . اليدان عصفورتان مهاجرتان التقيتا، نامت يدها بين أصابعه، وثبت في أعماقها صبيّة غضّه تركض بحبور طاغ، قفز في أعماقه صبيّ مشاكس، انطلق صوب الصبيّة يمازحها.

مقالات ذات علاقة

الكرسي

حسين نصيب المالكي

هموم

المشرف العام

صدمة

محمد المسلاتي

اترك تعليق