قصة

العالم ينتهي في طرابلس

من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد
من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد

في أواخر السبعينيات كنت طفلة ضئيلة الحجم خفيفة الحركة متيقظة الحواس، تسيطر عليّ فكرة اكتشاف ما حولي، ويطاردني سؤال: أين ينتهي العالم؟ قالت طفلة الجيران الأكبر مني سناً: “العالم ينتهي في طرابلس”، وحينما اصطحبني والدي ذات مرة إلى طرابلس شاهدت البحر أول مرة فسلمتُ بأن هذا الحوض الكبير من الماء هو نهاية العالم من هذا الاتجاه، ولكن أين ينتهي الاتجاه الآخر، ذاك الذي يصل إلى قريتي ويمتليء بالطرقات والبيوت والأشجار!؟

ذات قيلولة صيفية، وفي غفلة من والديّ، راودتني فكرة الفرار من البيت واكتشاف العالم. سلكت الطريق المؤدي إلى مدرسة الحي. تجنّبتُ بابها الأمامي، الذي كان مفتوحا على مصراعيه ويعج بعمال الصيانة يدفعون أمامهم عربات الطوب والاسمنت، واقتربت من بابها الخلفي المضلع بقضبان حديدية تتلوي حولها سلسلة عملاقة مختومة بقفل كبير، اقتربت بحذر من الباب ودفعت جسدي الصغير عبر القضبان المتوازية، وجدت نفسي داخل فناء المدرسة، مشيت بضع خطوات نحو المبني، اقتربت من نافذة مشرعة لأحد الفصول الدراسية، تسلقتها بخفة، وقفزت داخل الفصل.

الفصل فسيحٌ وتكتظ جدرانه بالصور الجميلة، بابه كان موارباً فلم أكلف نفسي عناء التفكير بما ورائه. السبورة السوداء تنتصب في الواجهة ملساء خفيضة ودانية، وتغمز لي بجوارها أصابع الطباشير الملون، قبضت عليها بأصابعي الصغيرة مثل كنز ثمين، ورحت أرسم على لوح السبورة لوحاتي بانبهار: فتيات جميلات لديهن فساتين ملونة ذات كشكشات كبيرة، ومزهرية على شكل مثلث رأسه إلى أسفل، ورسمت عصافير كثيرة تقف فوق الأزهار!

اغتبطت كثيرا، وقلت في نفسي سآتي كل يوم إلى هنا، ستكون هذه مملكتي وسأقفز فوق المقاعد واتزحلق على ألواحها، وسأرسم حوض ماء كبير يبدأ من زاوية السبورة، وسينتهي العالم من الجهة الأخرى. اتسعت أحلامي أكثر فقررت أن أجمع قطع الطباشير في علبة صغيرة لآخذها معي إلى البيت، وأرسم بها على باب مربوعة جدّي، وفيما أنا أجمع القطع فإذا بباب الفصل ينفتح فجأة وتصطدم عيناي بعدد من الرجال شداد غلاظ، حينما تفاجأوا بوجودي تسمروا بنظرة ذهول عند العتبة.

قبل أن يرتد إليهم طرفهم قفزت بخفة فوق المقعد المجاور للنافذة، ومنها إلى الفناء، ركضت بضع خطوات ثم انزلقت بسهولة عبر قضبان الباب الحديدي الكبير لأجد نفسي في الشارع.

التفت إلى الخلف فوجدت الرجال الكثيرين مازالوا عالقين خلف الباب الحديدي المقفل ولا تستطيع أجسادهم الكبيرة الانزلاق من بين القضبان، فاطمأن قلبي. اكتشفت أنني أحمل معي علبة الطباشير الملون دون أن أدري.

مقالات ذات علاقة

لا يمكن تعويضهما

خيرية فتحي عبدالجليل

أخلاق الغابة

عزة المقهور

الزِّنْزَانة

محمد المسلاتي

اترك تعليق