تراث

«الطوير الأخضر».. «سندريلا» التراث الليبي

توجد «خرافة» قد تكون معروفة لدى كثير من الشعوب وتتفق معها في المضمون، ومنها ما عُرفت باسم «سندريلا» في الأدب الحديث، وقبل هذا بقرون عُرفت باسم «روهدويس»، عند المؤرخ الإغريقي سترابون، وفي ليبيا اشتهرت بـ«الطوير الأخضر»، و«الطوير» هو تصغير لمفردة «طائر» بالعامية، والخلاصة التي قد يكون شبه متفق عليها في كل هذه الحكايات أو الخرافات هي عنصرا الظلم والإجحاف، وبالمقابل تظهر مكافأة المظلوم المنتصر، وأنَّ الظلم مهما قويت شوكته حتمًا سينهار، وإنْ اختلفت التفاصيل.

رحيل الأم وقدوم زوجة الأب
يُحكى أنَّ تاجرًا غنيًّا كان يحب أسرته الصغيرة المكوَّنة من زوجته وابنته التي كانت تستعد للاحتفال بعامها الـ16 وابنه الذي لم يكمل عامه التاسع بعد، كان يدللهم ويحرص على أنْ يوفِّر لهم كل سبل العيش الرغد، فكانت كل طلباتهم أوامر وَجَبَ تنفيذها على وجه السرعة، كانت الأسرة تعيش في محبة وسلام ووئام، فجأة أصاب الوالدة مرضٌ خطيرٌ فلم يمهلها طويلاً فماتت.

حزن الجميع على فراقها، ولكن الأب فطن إلى أنَّ لديه تجارة لابد الاهتمام بها، لكنه حار مع مَن يترك ولديه، فنصحه أحد أصحابه بالزواج، واقترح عليه أرملة من القرية المجاورة، يتناقل الناس القصص عن جمالها الأسطوري، وكون لديها ابنتان في عمر ابنته، فبالتأكيد ستُعامل ولديْه بكل حبٍّ ولينٍ، راقت الفكرة للوالد، وفعلاً ذهب لرؤية العروس المقترحة.

وتم الاتفاق والزواج بسرعة كبيرة، رجع بها الأب لبيته مع بنتيها، استقبلت ولديْه بكل حبٍّ وحنانٍ ووعدتهما بأنْ تكون لهما الأم الحنون بدل أمهما المتوفاة، وأنْ تكون بناتها أخوات لهما، لا تفرق بين معاملتهم أبدًا.
سعد وَلداه بهذا الكلام، وكانت الأم الجديدة طوال شهر كامل تلبي رغبات الجميع، تعد الطعام وتغسل الملابس وتنظف البيت وتروي حكايات قبل النوم للجميع.

إلى أنْ جاء موعد سفر الوالد لتجارته، فطلب من عروسه الاهتمام بالأولاد والتجهيز لعيد ميلاد ابنته الذي لم يكن يفصلهم عنه إلا ثلاثة أشهر، فطلبت منه أنْ يترك هذا الموضوع لها وألا يقلق وعند رجوعه سيجد كل الأمور منظَّمة ومرتَّبة كما يتمنى وأكثر.

في اليوم التالي، غادر الوالد بعد أنْ ودَّع عائلته، بعد أيام قليلة وصلهم خبر غرق سفينة الوالد وموته في البحر، فورًا تغيَّرت معاملة زوجة الأب وطلبت من ابنة زوجها أنْ تخلع ملابسها الثمينة وترتدي ملابس الخدم وتقوم بأمور المنزل وتلبية رغباتها هي وبناتها، وطلبت من الابن أنْ يرتدي ملابس البستاني ويذهب للاهتمام بالحديقة، فلم يجد الولدان أمامهما إلا أنْ يطيعا أوامر زوجة أبيهما، وكانت كل يوم تتعمد أنْ تهين الفتاة وتحقِّرها لأنَّها أجمل من بناتها، مما أثار سخط أخيها، فكان يدافع عن أخته رغم صغر سنه، الأمر الذي استفز زوجة الأب، فقرَّرت التخلص منه.

وفكرَّت بفكرة شريرة جدًّا، وجلبت كمية من «إبر» الخياطة الصغيرة وأعدت كعك ووضعتها الإبر داخلها ثم طهتها، ونادت على الولد وأوهمته بأنَّها نادمة على تصرفاتها في حقه وأخته وطلبت منه التهام الكعكة في قضمة واحدة ليبيِّن لها أنَّه سامحها على تصرفاتها، وأول ما التهم الكعكة دخلت الإبر حلقة وسدته فمات، لم تكتف زوجة الأب الشريرة بهذا القدر، فأخذت جثة الفتى ورمتها في الموقد حتى تداري على جريمتها.

في هذه الأثناء كانت الأخت تراقب من خلف الباب ما حدث لكنها لم تستطع الصراخ أو مساعدة أخيها لأنَّها قد جاءت متأخرة وقد مات فعلاً، بعد خروج زوجة الأب من الغرفة سارعت الأخت إلى لملمة ما تبقَّى من عظام أخيها داخل الموقد، وقامت بدفنها تحت شجرة توت كبيرة في الحديقة.

كشف السر وظهور الحقيقة
اعتادت الفتاة أن تسقي شجرة التوت كل يوم بالماء، واستمرت معاملة زوجة الأب السيئة لها، في أحد الأيام حين اشتد الظلم الواقع عليها لم تجد مَن تشتكي له همَّها وحزنها فرمت بنفسها قرب قبر أخيها تحت شجرة التوت وصارت تناجيه وتخبره ما الذي وقع عليها من ظلم بعد رحيله، خصوصًا أنَّ زوجة الأب تمنعها عن الحديث مع أي أحد وتمنعها من مقابلة الناس.

ومن حيث لا تدري خرج طائر أخضر صغير وبدأ يرفرف بجناحيه وهو يغني «أنا الطوير الأخضر، ومرت بوي قتلتني، وأختي العزيزة عليها خدت عظامي ودفنتهم تحت الشجرة المروية»، وأخذ الطائر في الطيران وترديد هذه الجملة في كل القرى المجاورة، حتى وصلت حكاية الطائر للقاضي وطلب أنْ يسأل أي شخص يشاهد الطائر عن قصته.

وصل الحديث للطائر الذي وقف عند شباك القاضي وهو يردِّد نفس الجملة، وكان يرفرف بجناحيه مبتعدًا مرة عن شباك القاضي ومقتربًا مرة أخرى، ففهم القاضي أنَّ الطائر يريد أنْ يتبعه لمكان ما، فسار خلف الطائر وكلما مرَّ ببيت انضم أهله للقاضي في طريقه، حتى وصل العصفور أمام البيت، فطلب القاضي من زوجة الأب توضيح هذا الكلام فأنكرت أنْ يكون لديها أو إحدى بناتها خبرٌ عن الموضوع.

وحين سألها هل يعيش أحدٌ آخر في المنزل غيرهن أنكرت، فما كان من الطائر إلا الوقوف في باب غرفة أخته أعلى السلم وبدأ يرمي كل ما يوجد أمامه من أغراض فأستغرب الجميع وتتبعوا الصوت حتى وصلوا للغرفة أخته التي كانت زوجة الأب تغلقها عليها من الخارج بالمفتاح وقاموا بتحريرها.

واستمر الطائر في الطيران وترديد «أنا الطوير الأخضر ومرت بوي قتلتني، وأختي العزيزة عليها خدت عظامي ودفنتهم تحت الشجرة المروية»، حتى وصل تحت جذع شجرة التوت ويتبعه الجميع، فأمرهم القاضي بالحفر فوجدوا عظام الابن، فحكم القاضي على زوجة الأب وبناتها بالسجن المؤبد، في ذات الوقت عاد الأب وحكى لهم عن صيادين أنقدوه من الموت بعد غرق سفينته، وأخبره الجميع بما حدث مع ولديه فحزن كثيرًا على فراق ابنه وتأسف لابنته ووعدها بألا يتركها بعد هذا اليوم.

أما الطائر الأخضر مَن يحمل روح الأخ فكان يزور أهله كل ليلة ويرفرف بجناحيه عند شباك غرفة أخته ليزرع في قلبها الطمأنينة والسلام ويحميها من أي مكروه يمكن أنْ يطالها.

______________

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

شيءٌ من بلاغةِ لقطعِ

جمعة الفاخري

صرنا اعزاز على الحكم يا كورونا!

ميلاد عمر المزوغي

وين الغالي يا دار..!!

ناجي الحربي

اترك تعليق