من أعمال التشكيلية فتحية الجروشي
قصة

الطريق

خيرية فتحي عبد الجليل

Fathia_Jeroshi (5)

أجلس في المقعد الخلفي ، المناظر الجانبية للطريق الطويل الممتد أمامي تنتزع مني اعترافا بالراحة والطمأنينة والسعادة ، وجه السماء مشرق وكذلك السائق الذي يجلس خلف مقود السيارة مدندناً ، لأول مرة أشعر بالألفة والانسجام والاطمئنان فوضع يديه على المقود يشي بالدقة و المهارة ، كانت ألفة صارخة مع الزمان والمكان ، ساعتي تشير إلى البدايات ، الثواني والدقائق تسير ببطء شديد ووجه السائق مبتسم ، مشرق وجميل ، تشي ملامحه الطفولية البسيطة بالكثير الكثير من الحب ، تأملت كل زوايا الطريق ومنحنياته ابتسمت بعمق وكأن الحب والسعادة والجمال إشارات مرور تلمع على طول الطريق الممتد أمامنا مباشرة ، تومض ، وتتوهج في الأفق ، بدأنا نجتاز مدينة ما ، اخترقنا الشوارع والأزقة ، الفنادق والحانات ، المطاعم والسيارات ، أخذ السائق يضغط على مكبس الوقود بقوة ، بينما عيناي تمسح شوارع المدينة بهدوء شديد وأمل في أن يخفف السائق سرعته قليلاً .. لماذا ضاعف من سرعته ونحن في بداية الرحلة الطويلة .. ؟ لماذا لا نتوقف قليلاً في هذا المكان ؟ لكن السائق لم يمنحني أي إجابة ممكنة أو مقنعة لكل أسئلتي البسيطة الساذجة ، لماذا تعكر مزاج السائق فجأة في هذه المحطة الرائعة من الرحلة ؟

رفعتُ صوت تفكيري قليلاً ليبدو هامساً وقلت للسائق

لماذا لا نتوقف قليلاً في هذه المدينة .. ؟

أومأ السائق برأسه ولمحتُ ابتسامته الباهتة الساخرة من خلال المرآة الأمامية للسيارة ، لكنه لم ينبس ببنت شفة ، وأستمر في ضغطه لمكبس الوقود ليضاعف سرعة سيارته الفارهة ، كم تمنيت لو استمتعنا بوقت طويل في هذه المدينة قبل أن يدركنا الوقت ، هذه المدينة الفتية التي … وتعلقت عينايّ بالمناظر الجميلة عبر النافذة

بدأ السائق يتحكم في المسارات والمسافات والمنافذ والمسالك ، والسيارة تتأرجح بين الانحدار الشديد وبين الصعود المرهق المعاكس للطريق

بدأ القلق يساورني ، يخفق قلبي بشدة ، نظراتي تائهة ، وبصري ينتقل بين الطريق والسائق الذي أجتاز المدينة وسلك طريقاً جبلياً ملتوياً شائكاً ومتعرج ، كثير الحفر والشقوق والانحدارات ، وإشارات التوقف وعلامات المرور التحذيرية ونقاط التفتيش الكثيرة ، ولوهلة أحسستُ أن كل شيء تقدم في العمر ، الرحلة والسائق والسيارة وحتى الزمن ، ساعتي الجلدية بدأت تتثاءب وتعلن انتصاف الوقت المقرر للرحلة الطويلة ، بدأت أفكر في التغيرات التي طرأت بسرعة على المشهد وأنا أقبع في المقعد الخلفي أراقب الطريق وأفكر في افتعال جدلً صاخب مع هذا السائق الخبيث الذي بدأت أشعر بصمته المتعمد وتركيزه المتضاعف على الطريق كلما طالتْ الرحلة التي أصبحتْ محدودة الخيارات ، بدأت في مراقبة ملامح السائق وانفعالاته ومشهد الطريق من خلال المرآة الأمامية ، أحاول قراءتهما معاً ملامح الطريق وانفعالات السائق ، توتره الذي يأتيني في صورة ابتسامات صفراء باهتة ، تشنج يديه وضغطه الذي يزداد قوة كلما توغلنا في المسافة إلى الأمام ، أخيراً بدأنا نسلك طريقاً صحراوياً مليئاً بالحفر المختبئة بعناية فائقة تحت الظلام الذي هبط بشدة .

جف حلقي ، رفعت درجة صوتي قليلاً ، قلت

– ماذا لو خففت السرعة قليلاً ؟؟!!

، أوقف السائق سيارته فجأة في المنتصف ، عند نقطة تقاطع ثلاث طرق ، رفع يديه عن مقود السيارة ، مط شفتيه ، ولأول مرة ألتفتت إلى وقال بتهكم

لقد نفد الوقود .

مقالات ذات علاقة

فاشل بامتياز

الصديق بودوارة

البنى التحتية

محمد المسلاتي

فوبيا النباح

عوض الشاعري

اترك تعليق