الذكرى الأولى لثورة 17 فبراير - ميدان الشهداء
المقالة

الطريق إلى الديمقراطية في ليبيا مازال طويلا وشائكا

الذكرى الأولى لثورة 17 فبراير - ميدان الشهداء

في الـ24 من ديسمبر (كانون الأول) عام 1951، خرجت دولة جديدة للوجود، بعد أن شهدت أراضيها أهوال حرب عالمية مدمرة، وامتص دمها استعمار استيطاني وحشي دام أكثر من ثلاثين عاما، ثم في ليلة وضحاها تحصلت على الاستقلال عبر عمليات دبلوماسية وسياسية دولية ماراثونية معقدة، وصارت تدعى “المملكة الليبية المتحدة”، لها دستور وعلى رأسها ملك بصولجان، ولديها علم ثلاثي الألوان، ونشيد وطني كتب كلماته شاعر تونسي، ووضع ألحانه موسيقي مصري، ويعيش فيها قرابة المليون نسمة، واسعة ومترامية الأطراف، تبلغ مساحتها أكثر من 1.700.000 كيلومتر مربع، أكثر من 95 في المائة منها صحراء قاحلة، وتمتلك ساحلا على البحر المتوسط بطول 1900 كيلومتر، وصارت عضوا في الأمم المتحدة وبجامعة الدول العربية.

لكنها في الـ25 ديسمبر عام 1952، اليوم التالي مباشرة لإعلان الاستقلال، كان على أول حكومة ليبية برئاسة محمود المنتصر، رحمه الله، تسيير دواليب الدولة الجديدة في بلد منهك وبائس وفقير، أطلق عليه في الماضي من شدة فقره وصف “صندوق الرمال”، وليس به كوادر متعلمة، وليس في خزائنه ما يكفي حتى لدفع رواتب موظفي الحكومة، ويستأسد فيه الجهل والمرض والدمار، وليس له من الموارد إلا تصدير مخلفات الخردة من الحرب العالمية الثانية، وما يجمعه الفقراء من نبات “الحلفاء”، المستخدم في تصنيع الورق الجيد المخصص لورق “البنكنوت”، ولكي تدفع الحكومة رواتب موظفيها والعاملين بها، وتسيّر أمورها البسيطة، كان لزاما عليها التوقيع مع الحليفين البريطاني والأميركي على عقود بتأجير قاعدتي العدم في طبرق وهويلس في ضواحي طرابلس الجويتين، مقابل 3 ملايين جنيه إسترليني سنويا، وأن تعتمد على ما يصلها من مساعدات إغاثية من المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة.

الاستقلال الأول، كان أقرب ما يكون إلى الصدمة، وأشبه ما يكون بهدية سامة تقدم إلى طفل حديث الولادة، على أمل أن يلهو بها قليلا قبل أن تقضي عليه. الغريب أن الطفل بلع الطعم لسذاجته، لكن لطف الله حماه من الموت مسموما، فعاش عليلا نحيلا إلى أن منّ الله عليه بالشفاء بعد سنوات استمرت حتى عام 1960، وهو تقريبا تاريخ تصدير أول شحنة نفط من ليبيا إلى العالم الخارجي.

صدمة الاستقلال الثانية

هناك سؤال يفرض حضوره يتعلق بالتسمية “الاستقلال الثاني” لليبيا، إذ ليس من المتعارف عليه أن يستقل بلد مرتين، ولتفسير ذلك أقول إنني شخصيا من ضمن فئة من الكتّاب والمثقفين والسياسيين الليبيين، الذين يفضلون أن يطلقوا على ما بعد الـ17 من فبراير (شباط) عام 2011 اسم أو وصف “الاستقلال الثاني”، والسبب في ذلك يعود إلى أنني أعتبر مرحلة حكم القذافي، بمثابة حكم استعماري لا يختلف كثيرا عن سابقه الاستعمار الإيطالي، إن لم يكن أسوأ، حيث حوّل الغالبية العظمى من الليبيين إلى لاجئين في وطنهم بدون حقوق، وتحولت بلدان العالم إلى مناف يعيش فيها الليبيون الفارون من الاستبداد، كما كان يحدث أيام الاحتلال الإيطالي.

في عام 1979 كتب القاص عبد السلام شهاب، وكان موقوفا على ذمة قضية سياسية مع 14 كاتبا وصحافيا شابا في سجن الجديّدة بطرابلس، وكنت من ضمنهم، قصة قصيرة نسيت عنوانها، لكن الحدث الأساسي فيها يدور حول عمليات الشنق العلني، التي نفذها نظام القذافي ضد المناضلين عمر دبوب ومحمد بن سعود في مدينة بنغازي المجاهدة عام 1977، حيث يصور الكاتب رجلا عجوزاً وقف مفجوعا أمام الجثتين المعلقتين، وتساءل عن السبب وراء شنقهما، فقيل له إنهما أدينا بتهمة الخيانة، فرد بشكل عفوي “هذا ما كان يقوله الإيطاليون!”. ذلك أن الإيطاليين كانوا يعلقون المجاهدين الليبيين في الساحات العامة في المشانق بتهمة الخيانة!

حقبة مظلمة

في الـ17 من فبراير 2011 اشتعل فتيل الثورة الليبية الشعبية ضد نظام القذافي، ودخلت البلاد في دوامة حرب مهلكة عرفت باسم “حرب التحرير”، وانتهت بمقتل العقيد القذافي في 20 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، ونهاية حقبة مظلمة ودامية، استمرت اثنين وأربعين عاما.

وفي الـ23 من أكتوبر 2011 وقف المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي سابقا، على منصة في ميدان التحرير بمدينة بنغازي، محاطا بحشود تقدر بالآلاف جاؤوا من كل أنحاء ليبيا، وأعلن بيان التحرير، وبذلك ظهرت ليبيا للمرة الثانية على المسرح الدولي بتضاريس سياسية جديدة، وكان على الحكومة الثانية التي ترأسها الدكتور عبد الرحيم الكيب تسيير دواليب الدولة الجديدة، في بلد أنهكته حرب ضارية، استمرت ثمانية أشهر، مات فيها أكثر من ثلاثين آلف مواطن، وجرح فيها ضعف ذلك العدد، وتعرضت فيها مدنا كاملة للدمار أضحت مليئة بالمشردين والأرامل والأيتام، والأسوأ من ذلك، أنها صارت مرتعا خصبا للميليشيات المسلحة وللمتطرفين الإسلاميين، وبحدود مشرعة الأبواب أمام مهربي المخدرات والبشر والسلاح.

حكومة أكاديمية

وعلى عكس حكومة المرحوم محمود المنتصر عام 1951، بدأت حكومة الدكتور الكيب عهدها بوضع أول ميزانية لليبيا الجديدة، بلغت 68 مليار دينار ليبي، ووجدت الحكومة نفسها في مأزق أقرب ما يكون للصدمة، ذلك أن رئيس الوزراء وأعضاء حكومته افتقدوا للخبرة السياسية، لأن معظمهم كانوا من القطاع الأكاديمي، ونظرا لأن معظمهم عاشوا في المهاجر سنوات طويلة، فإنهم افتقدوا الخبرات الضرورية للتواصل مع إشكاليات المجتمع الليبي، عقب أربعين عاما من الاستبداد سادت فيها عوامل سلبية عديدة، أجدرها بالذكر انتشار ثقافة نهب المال العام والفساد المالي والإداري، وتفكك أواصر اللحمة الوطنية، وبروز القبلية والولاء للنظام السياسي بدل الوطن، وكان على حكومة الكيب تسيير دواليب حكومة بلا دولة ولا دستور ولا برلمان ولا شرطة ولا جيش، وإدارة مصابة بالشلل الكامل والفساد ولا تتسم ولو بشيء من كفاءة، ومحاصرة بميليشيات مسلحة ذات نزوع ديني متطرف، مدعومة في كثير من أطرافها من الخارج بالمال والسلاح، وذات أجندة سياسية معادية أيديولوجيا للديمقراطية.

انعدام الخبرات السياسية والإدارية لرئيس وأعضاء الحكومة، كان واضحا منذ الأيام الأولى لأفراد الشعب، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام لصوص المال العام وما أكثرهم، الذين قاموا باستخدام مهاراتهم في القضاء على مئات الملايين من الدنانير من أموال الشعب، ثم سرعان ما بدأت رائحة الفضائح المالية تنتشر، وبدأ الليبيون يتناقلون الأخبار شرقا وغربا وشمالا وجنوبا عما يدور، ويحدث من فضائح، وبدأت فئة جديدة تطفو كالدمل على جلد المجتمع الليبي، ممثلة فيما صار يعرف بـ”أغنياء الحرب”، وتوقع الليبيون أن تبدأ الحكومة في برنامج وطني لإعادة الأعمار، وخاصة في المدن المنكوبة، وبرامج تدريب وتعليم للشباب، وبرامج صحية لتأهيل المعاقين من جراء الحرب، إلا أن ذلك ظل مجرد توقع، لأن الحكومة كانت في حقيقة الأمر غير قادرة على التحرك في أي أتجاه من شدة الخوف، لأنها كانت كمن دخل سهواً حقل الغام من دون علم، ولما أكتشف ذلك فيما بعد أصيب بصدمة، مدركا عدم قدرته على السير في أي اتجاه.

صدمة الاستقلال الثانية كانت أقوى وأشد من صدمة الاستقلال الأولى، وخاصة على أفراد الشعب، الذين كانوا يعتقدون أن مجرد إزاحة القذافي كفيل بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل سبتمبر (أيلول) 1969، ونسوا أن القذافي لم يكن حاكما مستبدا فقط، بل كان نظاما سياسيا استمر لأكثر من أربعين عاما، وأن عليهم التعامل بصبر لاجتثاث ما زرعه من ثقافة وقيم، لإحلالها بثقافة وطنية بديلة، وبقيم تنتمي للوطن، وتعترف لأفراده بحقوق وواجبات المواطنة، وتنتصر للديمقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان.

انتخابات يوليو 2012

تعتبر الانتخابات التي جرت في الـ7 من يوليو (تموز) عام 2012 لانتخاب مائتي عضو يكونون أعضاء المؤتمر الوطني العام، محطة إيجابية مهمة وتاريخية في تاريخ ليبيا السياسي المعاصر للأسباب التالية:

• إنها أول انتخابات برلمانية تجرى في ليبيا منذ عام 1965.

• تمت بإشراف دولي، واتسمت بالنزاهة، وشهدت إقبالا شعبيا هائلا.

• شهدت مشاركة إيجابية من المرأة الليبية.

• على عكس التجربة الانتخابية في دولتي “الربيع العربي” الأخريين تونس ومصر، فشلت الأحزاب الإسلامية في الحصول على ثقة الناخب الليبي، وحظي تحالف القوى الوطنية بأعلى نسبة من الأصوات وصلت نسبتها حوالي 40 في المائة.

فرحة الليبيين خاصة والعالم بشكل عام، بفشل الإسلاميين في الانتخابات لم تطل طويلا، لأن تكوين المؤتمر الوطني العام، كان قائما على أن يكون أعضاؤه من المنتخبين وفق القوائم الحزبية، لا يتجاوز 80 عضوا والبقية 120 عضوا من المستقلين، ونظرا لأن ما صاروا يعرفون بالمستقلين، لم يكونوا حقيقة مستقلين، فقد تغير تكوين المجلس لدى انعقاده لأول مرة، وتحالف الإسلاميون مع حزب جبهة الإنقاذ الوطني وحزب تحالف الوطن، مع حلفائهم واتباعهم من المستقلين على الفوز برئاسة المؤتمر والتحكم في أجندته، وترشيح رئيس وزراء جديد هو الدكتور مصطفى أبو شاقور على حساب مرشح تحالف القوى الوطنية الدكتور محمود جبريل، حيث فاز مرشح اليمين بفارق صوتين، وحين تقدم للمؤتمر بتشكيلة حكومته الجديدة لنيل ثقة المؤتمر، فشل في ذلك، وكان لزاما على أعضاء المؤتمر الدخول في جولة جديدة لاختيار مرشح لرئاسة الحكومة، وفي هذه المرة تمكن التحالف الوطني من عقد تحالف مع حزب الحرية والعدالة (الإخوان المسلمون) وبذلك وصل علي زيدان لرئاسة الحكومة، وتمكن من تشكيل حكومته، والحصول على ثقة أعضاء المؤتمر الوطني العام.

الغريب أن الحكومة الحالية لم تتمكن حتى وقتنا هذا من وضع الحصان أمام العربة، والتحرك بالبلاد إلى الأمام، ذلك راجع لعدم رغبة بعض الميليشيات الإسلامية المسلحة في تسليم سلاحها، ولرفضها المتواصل والعنيد لرغبة الحكومة الساعية إلى تأسيس جيش وطني وجهاز أمني وطني، إضافة إلى ذلك فقدان التعاون والتنسيق بين الجهاز التشريعي ممثلا في المؤتمر الوطني العام ورئيسه الدكتور محمد يوسف المقريف، والجهاز التنفيذي ممثلا في الحكومة ورئيسها علي زيدان، مما أربك الحكومة الجديدة وأعاقها عن التحرك وتنفيذ برنامجها الوطني، الذي أعلنت عنه ووافق عليه المؤتمر الوطني العام، وبالتأكيد فإن الإرباك ناجم عن عدم وجود خط فاصل للصلاحيات المخولة لكل جهاز، لذلك تداخلت الصلاحيات، وصار المواطنون الليبيون يسمعون بقرارات صادرة عن المؤتمر في مناطق تعد من اختصاص الجهة التنفيذية وهي الحكومة، وعلى سبيل المثال، قام رئيس الحكومة زيدان في المدة القريبة الماضية بزيارة لدول الجوار مع ليبيا، بشأن تنسيق التعاون الأمني، ولدى رجوعه إلى ليبيا فؤجئ بمصادقة أعضاء المؤتمر الوطني العام على قرار بغلق الحدود الجنوبية لليبيا، واعتبار المنطقة الجنوبية منطقة عسكرية من دون أي تنسيق أو تشاور مسبق معه، أو مع أي عضو من أعضاء حكومته، حتى من باب المجاملة والعلم بالشيء!

آمال مؤجلة

الطريق إلى الديمقراطية في ليبيا مازال طويلا وشائكا، واعتقد أن التحرك في الاتجاه الصحيح نحوه لا يتم إلا بعد أن تنجلي أثار صدمة التخلص من القذافي ونظامه البغيض، تلك الصدمة التي أذهلت ليبيا، وجعلت الليبيين يدورون في مكان واحد، من دون أن يتمكنوا من التوقف ولو قليلا عن ركضهم اللاهث في المكان نفسه، والتفكير معا في طريقة تتيح لهم تحديد خط سير واضح نحو الديمقراطية، إذا كانوا حقا لا يريدون العودة للوراء، والدخول في حمّى الإرهاب الاستبدادي، الذي مارسه نظام القذافي ضدهم طيلة العقود الأربعة الماضية.

___________

* نشرت بمجلة (المجلة) عدد 1580 فبراير 2013 واعيد نشرها بموافقة من الكاتب.

مقالات ذات علاقة

هابيتوس العودة الفلسطيني

نورالدين خليفة النمر

الثقافة الليبية: عام الحزن

محمد الأصفر

بعد القراءة مباشرة

المشرف العام

اترك تعليق