النقد

الطاحونة لسالم الهنداوي

سمفونية العطش إلى الحياة الحرة الكريمة

 

هشام بن الشاوي-المغرب

يبدو سالم الهنداوي في كتاباته، كمن يكتب بأصابع تقبض على الجمر، مسكونا بوجع كائناته الهشة، منتصرا لأحلامها البسيطة، ناظما قصيد اغترابها في الأوطان والمنافي، كما تشي بذلك أضمومته القصصية “أصابع في النار”، عبر استعارات سردية وجمالية شفيفة آسرة، تقيه من الوقوع في فخ الاستجداء العاطفي أو الهتاف الشعاراتي. وتعد روايته “الطاحونة” من الأعمال اللافتة في المشهد الروائي الليبي. صدرت طبعتها الأولى عام 1985م، والثانية في 2008م عن مكتبة مدبولي القاهرية.

جاء في مقال لسالم الهنداوي يرثي فيه الحاج مدبولي: “منذ تعرَّفتُ إليه أول مرة في نهاية الثمانينيات، سألني عن روايتي “الطاحونة” التي كان قرأ عنها في مجلة “روز اليوسف” في حينها، وهو الاهتمام الذي حرص عليه منذ ذلك الزمن. فكان يسألني عنها مراراً دون بقية أعمالي اللاحقة التي كانت تصدر تباعاً في ليبيا وقبرص ولبنان، وهو الاهتمام اللافت الذي جعله بعد مرور كل تلك السنوات يفوز بتقديره الخاص لـ “الطاحونة” ويعيد نشرها بعد ربع قرن من طبعتها الأولى، فكانت العمل الأول الذي يصدر لي في القاهرة، وعن مكتبة مدبولي بالذات”.

ترنيمة الحياة :

يستهل سالم الهنداوي روايته “الطاحونة” بـ “نداء الظمأ”، منطلقا من مشهد بانورامي يرسم صورة لقرية ليبية، في نهار صيفي قائظ. تبدأ الرواية من لحظة الذروة وهي تعطل الطاحونة الهوائية وسقوطها، ثم تحطمها عند فوهة البئر، وتلفت انتباهنا رمزية ذلك السقوط، بعد أن كانت شامخة، حيث كانت تتجاوز في علوها مئذنة المسجد القديم؛ هذا المسجد الذي سيبدو – لاحقا- شبه مهجور. “تبدو شامخة كقرص مقدس” (ص8)، وبسقوطها تنطفئ البهجة، بعد أن كانت ملتقى فتية وفتيات القرية، اللواتي يؤججن نار الصبابة في قلوب الشباب وهن يلعبن في الماء.

في المشهد الثاني يعرفنا سالم الهنداوي على صاحب العربة، الورّاد العجوز الذي يجلب الماء عبر رحلة شاقة. لكن وبسبب قوة الريح الخريفية، يختفي العجوز وينقطع ليومين عن جلب الماء، ويبدأ الأهالي بالتوافد على الساحة القديمة للقرية، يجتمعون عند المقهى، طالبين مشورة مختار القرية، فيدعوهم لاقتحام بيت العجوز، على رغم عدم وجود العربة أمام بيته ويدّعي المختار أن العجوز يريد قتلهم بالعطش، وإراحة البغل وجعل أحد ثيرانه -ثيران المختار- يجر العربة، ويسخر المختار من الشيخ العربي، الذي يراه أحمق يريد جلب السحب بصلاة الاستسقاء.

يقرع الموكب باب بيت العجوز، ولا أحد يرد سوى نباح الكلب وخربشات مخالبه من خلف الباب، ثم يظهر خليل الملاح، الشاب العربيد الأعرج، الذين يجهلون نوع صلته بالورّاد، ويحتقرونه لسوء خلقه. يهين الملاح المختار وتابعه اليهودي محفوظ الشوباش، ويغلق الباب في وجه المختار، بعد منعهما من اقتحام البيت، ويواصلون الطرق ثم يظهر العجوز، وهو يسقي بغله المستلقي على جنبه هامدا.

وعبر حوارهما، يتعجب العجوز أن ترتبط حياة الأهالي بعجوز من العامة بلا حول ولا قوة فاضحا سكونية الأهالي، سلبيتهم وانهزاميتهم، (حتى الشيخ العربي لا دور له تقريبا.. سوى أن يصلي وحده في الجامع)، بينما المختار بكلمة منه قد يفعل أشياء كثيرة، ويستنكر العجوز – أخيرا- تحريض المختار الأهالي على قتله، ويتضح أن سبب غيابه مرض البغل. ويضطر المختار أن يوافق على أن يختار العجوز أي ثور لجر عربته، وبلهجة زهو وانتصار يعلن الورّاد لرفيقه الملاح أن العربة سيجرها كل يوم ثور حتى يتعافى البغل.

زنا الثيران :

في الفصل الثاني “نداء الموت” يسبر الكاتب أغوار العجوز، الذي يكره الثيران كما يكره الخنازير، فهي بالنسبة له حيوانات “تنعم بالركض فوق الحشائش الناعمة الطرية، وكل ذلك مقابل الزنا، مقابل أن تزني لتلد لهم العجول يبيعونها في أسواق المدينة.. أنا لست أدري من أين جاءت هذه التجارة اللعينة التي حرمتهم الحياة حتى صاروا خدما للثيران في حظيرة الحاكم.. صاروا مجرد بهائم…؟! ” (ص 40).

هل العجوز متعاطف مع بغله الهرم ( هذا الكائن المحكوم عليه بالإخصاء) من خلال هذا الموقف الطهراني؟ ربما ! لكن المقارنة الصعبة والأقسى أن العجوز صار بلا نسل… كالبغل تماما!! .

سنكتشف أن لا أثر للمرأة في حياته، وقد نندهش أكثر حين نصطدم بتعمد سالم الهنداوي الحديث عن ابن العجوز دون زوجته، بل إن المرأة الوحيدة الحاضرة في المتن الحكائي هي زوجة المختار الجديدة… وهذا التأنيث السردي لم يفرضه سوى السياق الدرامي؛ في إشارة إلى نهم المختار الشبقي. ولن نجانب الصواب إن افترضنا أن الثور رمز للطبقة الحاكمة التي ترفل في النعيم الفاحش، بينما يرمز البغل للشعب المقهور، للأغلبية الساحقة، التي تبذل الصعاب من أجل رفاهية الآخرين مضحين حتى بسعادتهم.

ومن خلال الحوار بين الملاح والعجوز الوراد يتضح لنا أن العجوز تعمّد إذلال الأهالي حين اختار ثيران المختار، وأن ثمة رغبة مشتركة بين الرجلين للانتقام، ويقرر العجوز أن يصطحب معه الملاح الى حظيرة المختار. وعبر الفلاش- باك يستحضر العجوز موت صغيره قبل عشرين عاما، حين هاجمته الذئاب وهو ينتظر عودة أبيه، فواساه الشيخ العربي، ودفنه الأب ابنه وحيدا في قبر غريب، ويسترجع السارد تنقيب المستعمرين عن البترول موهمين الأهالي بالبحث عن الماء، ومغادرتهم القرية بعد فشل مسعاهم، ثم نتعرف على محفوظ الشوباش، اليهودي المحتقر من الجميع، والحالم بشراء القرية بكل ما فيها حتى النساء، اللواتي صرن يمقتنه بعد أن افتضاح أمره، وعرفوا أنه مجرد قواد لأعيان المدينة، ونراه يتسلل الى حظيرة المختار.. ليسرق العجل الذي توفيت أمه وهي تلده، ويلقمه ثدي بقرته الحاضنة.

في الصباح سيكتشف الملاح أن العجوز يصارع الثيران منذ صياح الديكة التي تحاصره وتهاجمه، والمختار تعمد الموافقة، لأنه كان يعرف أنها ستقتله، وكان يريد أن يشهد مصرعه لكنه بقي نائما، بينما الشوباش لم يغادر بيته طيلة النهار، حتى لا تنكشف سرقته… أما العجوز فيتمنى وهو يقاتل الثيران من أجل القرية وفي لحظاته تلك، لو أنه قاتل الذئاب. بينما أهالي القرية يترقبون على قلق ظهور عربته واضعين أوانيهم وجرادلهم أمام بيوتهم.

ولمعرفة سرّ سرقة العجل، يربط الكاتب بين ترسيخ الاعتقاد بقدسية تربية الثيران من طرف السلطة لضمان جهل المجتمع وبالتالي ضمان استمراها، وخوفها من انتشار الوعي السياسي وخشية اندلاع ثورات شعبية، ويسخر السارد من المراسيم السلطانية التي حددت حتى أيام التزاوج، وتعتبر العجل الذي توفيت والدته وهي تضعه عجلا مباركا.. كما جاء في “فرمان” الوالي الجديد.

في ما بعد نكتشف وبمزيد من الغموض حقيقة الملاح، الذي كان يدعي الإعاقة والتخفي خلف مظهر الشاب العربيد، حيث يظهر رجل غريب ملثم بناقتين يطارده يريد قتله، فيهرب في الصحراء، أما العجوز فيضمد الشيخ العربي والأهالي جراجه في بيته. هكذا ستعم القرية الفوضى، ويطارد الشوباش كابوس مقتله على يد المختار بعد توهم انكشاف أمره.

ما يشبه النهاية السعيدة :

في الفصل الثالث والأخير “نداء المطر”، يظهر الشيخ العربي في الساحة، ويفسد على المختار فرحه بالانتصار على أعدائه، وقد حقق مزيدا من الاكتساح السياسي، وهو الطامح إلى منصب الوالي. يفضحه الشيخ بعد أن توهم أنه تخلص من الملاح والوراد… نبتتي الوعي الشيطانيتين في القرية الغارقة في سكونيتها. ويجنح سالم الهنداوي إلى الرمزية، فنرى الريح المزمجرة تأخذ معها عصا المختار الذهبية وعمامته دلالة على فقدانه هيبته، وينهمر المطر ( المعادل الجمالي للنقاء والتطهر من الآثام والأدران)، الذي سينهي رحلة العطش والعذاب، ونرى الأهالي يزورون الوراد، بينما الشوباش يختبئ تحت سريره، بعد أن سيطر عليه رعب الكابوس الذي يطارده.. في حين يبقى الملاح الطريد، النازف في العراء، يصبو إلى معانقة مكان يلتمع في الأفق، مشتعلا تحت المطر.. يحاول الركض في اتجاهه.

“الطاحونة” رواية البحث الإنساني المحموم عن أفق رحب يتسع لأحلام البسطاء وحقهم في حياة حرة كريمة.. رواية تنتصر للبسطاء والمهمشين.. لذا ليس غريبا أن تحظى “الطاحونة” – منذ صدورها- بكل هذا الاحتفاء النقدي.

مقالات ذات علاقة

روزويل

أحمد الفيتوري

حرب الغزالة.. استكشاف جديد لتاريخ الصحراء الليبية

رأفت بالخير

تأملات في الأدب الليبي المعاصر وگلمات بضفائر الشمس

المشرف العام

اترك تعليق