سرد

الطائر اللقلاق، في وصف شعب ليبيا من الأعماق

في البدء، وبعد أن حطت بنا الطائرة، وأبداننا تكاد من السفر أن تكون خائرة، وضعنا أقدامنا تاركة، السلم إلى أرض مطار طرابلس الدولي المباركة، وكان لنا أن نشاهد طرابلس الغرب، بنظرة فاحصة عن قرب، وأن نلحظ طباع أهلها من النفحات الأولى لنسيمها جاعلاً من قلوبنا في طرب، وقد لاحظنا وهذا من ما لاشك فيه، أن إجراءات الدخول، قد تطول، وهو ما أرجع سببه، إلى حرصهم على أن يأخذ الزور راحة وأن يستقروا أيّما استقرار، قبل أن يغادروا أرض المطار، استلقيتُ والصحاب وبعضا من الركاب وافترشنا المقاعد حتى نستريح قليلاً قبل بدء الرحلة.

ومما لاحظته بعد ركوبنا السيارة وخروجنا للطريق العام، أن الناس ترمي القمامات من نوافذ سياراتها على الدوام، حرصاً منهم كما قال لنا بوعجيلة وهو سواق تاكسي من انجيلة، على أن يتقن عمال النظافة عملهم، وأن يخضعوا بذلك بجدهم كسلهم، وهذا ما رأيته تفكيراً سليماً، إذ أنه من الأفضل أن تدور العجلة وأن لا يتوقف الناس عن العمل، كما أني لاحظتُ أنه من النادر أن ترى سيارة، تقف عند الإشارة، هذا حرصاً منهم على عدم إضاعة ثوانيهم، لتفانيهم، بأن يصلوا أبكر من غيرهم حيث الوظيفة، كما أنهم يزدحمون عند محطات الوقود، تشجيعاً منهم للصناعة الوطنية ودعماً لاقتصاد بلادهم، فأين ترى مثل هذه المبادرات، كما يذكر بوعجيلة سواق التاكسي من انجيلة أن الفائض من البنزين يرسلونه كمساعدات لدول أوروبا الفقيرة، مضيفاً لعنة إلههم على الأخيرة، وهذا ما يعتبره واجباً وفرضاً دينياً، وأقل ما يفعل في سبيل تقدم أوروبا تقنياً، حيث أن دعواتهم معكوسة، ولا إجابات ولا كسكوسة، ومن عادات الليبيين المحمودة، أن طريقاً اسمها السريع عندهم تعج بالازدحام، ربما سببه سيارة مثقوبة الدواليب صاحبها لا يلام، تراهم واقفون، لتغيير دواليبه مشجعون وبالتوفيق له داعون.

في ليبيا للعلم مكانة، إذ ترى طلاب المدارس بعد الاستراحة، يعودون – في بعضهم- لمنازلهم فيما يسمونه الهروب، وهو أمر مرغوب، حيث أنهم لا يكتفون من التعليم الحكومي، فيبذلون جهدا مضاعاً بالدراسة على الفيسبوك وجبنة الفرومي، أما الآخرون الذين لا للحوش لا يروحون، فإنهم للطرقات مقتعدون، حتى يأمنوا لأخواتهم البنات، وصولاً مأموناً ومرواحاً مقبولاً، وتزداد إعجاباً بهذا الشعب، عندما تعلم أنهم يحمون ويأمنون بلادهم، وحدهم، وقد شكلوا لهذا الغرض كتائب وتشكيلات، من ثوار ولجان وفئة أخرى من أفضلهم سموها ” مليشيات”، لحفظ الأمن والأمان، وفي مناطق منها على سبيل المثال لا الحصر ورشفانة، يعملون على توقيفك والإطمئنان عن حالك، وفي بعض الأحايين يأخذون منك مالك، وهاتفك وسيارتك، وأحياناً حياتك، حرصاً وخوفاً على مماتك، وخوفاً كذلك من اللصوص، وقطاع الطرق الذين يتواجدون في المناطق الداخلية البعيدة عن العاصمة، مع تواجد بعضهم في الاخيرة، ويقول بوعجيلة وهو سواق تاكسي من انجيلة، أن هؤلاء اللصوص ليسو ليبيين، فإما أن يكونوا مصريين أو غيرهم من الجنسيات والتي كما أخبرني يطلق عليها اسم ” عبيدات”، التي تحتضنهم هكذا بلدات، وجنسية أخرى أخطر يقال لها أزلام، يضيف محدقاً في سحناتنا باهتمام.

وهو شعب مثقف، يفهم في السياسة، وفنون الحديث والكياسة، بل إن طفلهم من النابغين من الساسة، والديمقراطية عندهم مشهودة، والكاذب من ليس له شهوده، كما يقول بوعجيلة سواق التاكسي من انجيلة، فالساسة عندهم يبدون كأنهم على السلطة يتصارعون، لكنهم بالحماسة متصفون، لديهم الإخوان وحشا لله – كما يخبر بوعجيلة- أشباه العلمان، وأيضاً حزب الزنتان، وأحزاب قوية كمصراتة والفيدرال، وحزب غير معروف كثيرا اسمه فزان، ومؤتمرهم يواظب على جلساته بانتظام، والاعضاء الذين لا يحضرون الجلسة، يعملون لأجل البلاد والعباد بالخلسة، إذ لا تهمهم الشهرة، ولا أن تعرفهم المجرة، رئيسهم بوسهمين، لديه قصة طريفة مع سيكرتيرته حنين، إذ أنها كانت تعد له الشاي، عندما انسكب السائل على سرواله، فأرادت للسروال التنظيف، فطبست حتى موضع العانة، عندما دخل ثائر يقال له هيثم التاجوري ووجد حنين في تلك المكانة، والقصة شهيرة، وهي من الطرائف الكثيرة.

ولهم طبيب، يحضهم على امتصاص وابتلاع وأكل الزبيب، يدعى المفتي، يخبرهم متى عليهم التصييف ومتى على الشعب أن يشتي، وهو عالم كبير، لديه من العلم الغزير، به من الوقار، بحيث لا يأبه للأمور الصغار، ومن صغار أمورهم، أنّ الحالة متناكة، كما يقول بوعجيلة عن حكومة التناكة، وعندما سألته عن معنى الكلمتين قال إنهما من ما يمدح به الليبيون الأشياء، وأخبرنا أن طبقة من عظام القوم يقال لهم ولاد القحبة، يجدون السلطة طبيعة رحبة، لمساعدة إخوانهم المواطنين، المحتاجين والغير محتاجين، وعن أنصار الشريعة، قال أنهم زريعة، وما فهمته من ما قال أنهم عبارة عن نبات يقتات على تمارته الناس، خصوصاً الجنرالات عندهم وضباط الشرطة ومن رافقهم من حراس، وقد صرح بوعجيلة أن التستور، وهو شيء يشابه عندنا الدستور، إلا أنّه أكثر أهمية، يشبه الإميّة، لا طعم له أو لون، ورجاله ستون، مخادعون أو مخدعون، كما أخبر وذكر.

وإني لأرغب في الإطالة، على قصر باع المقالة، وعلى رغبتي في المزيد، قال بوعجيلة ” وكأنّك يا بوزيد…”، ناصحاً إياي التقليل، وأن أذكر المصدر بالشكل التالي ” حدثنا بوعجيلة، سواق التاكسي من انجيلة!”.

________________________

الحوار المتمدن-العدد: 4424 – 2014 / 4 / 14 – 18:28

الحوار المتمدن-العدد: 4424 – 2014 / 4 / 14 – 18:28

مقالات ذات علاقة

يوميات زمن الحشر

صالح السنوسي

فصلان من رواية ” حروب ماريش وثوراتها الثلاث ”

عمر الكدي

رفيعة – من رواية: دكاكين سعيد

حسن أبوقباعة

اترك تعليق