دراسات

الصيغة السردية بين تنظير السرديات وتطبيق الناقد

Heap of Faces 2020 Adnan Meatek Ink On paper 32 x 42 cm ركام من ملامح سابقة 2020 عدنان بشير معيتيق


هذه دراسة حول جماليات توظيف الصيغ السردية المختلفة في رواية حرب الغزالة للأستاذة عائشة إبراهيم، أحاول إبراز فكرتي في كون تنزيل التنظير (الذي وضعه أحد علماء السرديات (وهو هنا سعيد يقطين) في النصوص النقدية له علاقة بالنص نفسه وإمكانياته وكذلك قدرة الناقد على تصور النظرية وتصور النص وحاجاته.

تصور الصيغة السردية بهذا الشكل (ثلاث صيغ رئيسية وسبع صيغ فرعية) هو منجز الدكتور سعيد يقطين الذي نظم موضوع الصيغة السردية في كتابه تحليل الخطاب بشكل مميز، بل أعتقد أن المنجز الرئيسي ليقطين في هذا الكتاب هو موضوع الصيغة السردية. التمعن في الصيغ السردية المختلفة وكيفية توظيفها من رواية إلى اخرى يبرز ما يمكن أن أسميه خصوصيات كل روائي في كتابته.

رواية حرب الغزالة
رواية حرب الغزالة

مدخل

تم في رواية حرب الغزالة توظيف ثلاث صيغ سردية بشكل متواتر من أصل سبع صيغ افترضتها بعض تنظيرات السرديات،[1] وهي كما يلي:

1. صيغة الخطاب المسرود، وهي الصيغة التي يتكفل فيها الراوي بالسرد، ويستخدم ضمير الغائب في إنجاز الخطاب الروائي.

2. صيغة الخطاب المنقول المباشر، وهي الصيغة التي يقوم فيها الراوي ينقل حوارات الغير كما هي دون تدخل منه.

3. صيغة الخطاب المعروض غير المباشر، وهي تعني أننا أمام حوار ينظمه الراوي عكس صيغة المعروض المباشر التي تعني أننا أمام حوار دون تدخل الراوي.[2]

بينما لم يتم في هذه الرواية استخدام الصيغ السردية الثلاثة التالية إلا بشكل محدود جدا وهي الخطاب المنقول المباشر، والصيغتان الذاتيتان وهما صيغتا: المعروض الذاتي والمسرود الذاتي، اللتان تمثلان ما يعرف بالمونولوج الداخلي في اشتغالات مدرسة النقد الفني. أيضا لم يتم استخدام صيغة الخطاب المعروض المباشر.

أولاً: توظيف صيغة الخطاب المسرود:

كانت صيغة الخطاب المسرود الصيغة الأكثر توظيفا ضن خطاب هذه الرواية وتفنن الراوي وهو يستخدمها في التلاعب بالرؤية وما تدركه الشخصيات كما كان للغة الشعرية العالية المستخدمة ولباقي التقنيات السردية دورا مهما في جعل خطاب روايته مميزا وفاعلا على متلقيه.

وعلى الرغم من عدم استخدام الصيغتين الذاتيتين إلا أن الراوي المميز تلاعب بالرؤية وكان في مرات كثيرة يستبطن أعماق الشخصيات ويضعها أمام المروي لهم بشكل غير مباشر وهو يحقق ما يعرف بالمونولوج المروي في مدرسة النقد الفني، ولعل أبرز مثال على ذلك المقطع الذي تم فيه تبئير وعي ميكارت الحزين على فقدانه غزالته.

“(أ) مرت الساعات عصيبة على ميكارت في غرفته، (ب) وكلما حاول النوم تحاصره صورة الغزالة بوجهها الصغير الوديع تطل من السقف ومن بين شقوق الجدار، (ت) ترنو بعينيها السوداوين الواسعتين، مثل لؤلؤتين أرسلتهما السماء ذات يوم ماطر، لكم سبح في تلكما البحيرتين واستظل برموشها السوداء الكثيفة.[3]

نلحظ من خلال المقطع السابق كيف بدأ الراوي، وهو يستخدم صيغة الخطاب المسرود، بتصوير ميكارت خارجياً في (أ) ثم في (ب) بدأ يسرد ما يحس به داخلياً. ثم في (ت) ينطلق في سرده من وعي ميكارت المحب للغزالة فيصورها بحسب تصوراته. الراوي بخضوعه لرؤية الشخصية بالشكل الذي رأيناه (في هذا الموضع وغيره) عوّض غياب الصيغ الذاتية كما أسلفنا.

ثانياً: توظيف صيغة الخطاب المنقول غير المباشر:

تم استخدام تقنية الخطاب المنقول غير المباشر، لغرض سرد حكاية وصول تندروس للحكم وقضائها على أخيها الضعيف. استخدام هذا النمط من أنماط الصيغة السردية خلص الراوي من المسئولية التي ستقع عليه لإثبات ما يقوله من أفعال قد تنسب للشخصية. هنا تمّ توظيف هذا الجانب، لنتابع المقطع التالي الذي يقوم فيه الراوي بتعريفنا بقصة وصول تندروس للحكم، لنتابع ذلك هنا:

“أ) لقد ولدت لتكون ملكة، هكذا كان يقول الجميع، (ب) منذ أن اعتلت العرش خلفا لشقيقها الملك تاروت الذي قيل أن أفعى سامة قتلته في وادي أنشال كان قد داسها وهو في حالة سُكر، (ت)غير أن الأصوات الهامسة تناقلت في الخفاء أن تندروس دبرت أمر مقتله في الوادي بمساعدة أحد رجالها المخلصين..(ث) لم تقطع تندروس الألسن الهامسة والتي تتسابق للوشاية ببعضها البعض في غرفة العرش، كانت منشغلة بأمر آخر…”[4]

تابعنا في المقطع السابق في (أ) نقل قول الجميع بكون تندروس ولدت لتكون ملكة أو مستحقة للملك بحكم شخصيتها القوية وبريق عينيها المراوغ، ثم تابعنا في (ب) بداية سرد حكاية وصولها للحكم مع استخدام نمط الخطاب المنقول لسرد قصة موت أخيها ثم نتابع في (ت) تعبيرا مميزا يعكس طبيعة الخوف منها، حيث تم تناقل خبر تدبيرها قتلها لأخيها في الخفاء، كما تم في (ث) الحديث عن عدم اهتمامها بما يقال عنها.

ونجد هنا مزيداً من الإبداع في توظيف صيغة الخطاب المنقول غير المباشر التي يبدو أن الراوي وهو ينقل الحوارات ينطلق من وعي رافض لهذا القول حول الملكة. (ربما يكون وعي الملكة ذاتها)، لنتابع ذلك فيما يلي:

” امرأة مجنونة رعناء متصابية، همسشعب الموهيجاج خلف جدران بيوتهم، وفي مجالس المعارضين ذوي الأطماع، وفي الحانات المنتشرة كبقع الجدري على جسد المملكة المنكوب إثر غارات القبائل الجبلية المجاورة. ضحك الفلاحون والرعاة متندرين بأن عصراً جديداً من النهب والانحلال سيطال المملكة، وسيكون أكثر بؤساً مما كانت عليه في عهد الملك تاروت السكران.” [5]

ثالثاً: صيغة الخطاب المنقول المباشر:

نتابع في المقطع التالي استخدام صيغة الخطاب المنقول المباشر في الجزء الثاني من الحوار، حيث تم نقل حوار العجوز من قبائل البسيل مع الملكة تندروس وقد تمّ تلخيصه وتعديله، رد الملكة تندروس المنقول كان عبر حركات مفهومة المعنى:

“(أ) قالت أنهم يبحثون عن مكان يستقرون فيه بعد جفاف أرضهم ونضوب آبارهم، وأنهم لا يرغبون في القتال وكل ما يطمحون إليه هو أرض جديدة تؤويهم وقطعانهم التي هي أكثر من عدد الأحجار والأشجار. (ب) هنالك وقفت الملكة تندروس ورفعت صولجانها عالياً نحو السماء حتى انسدلت أكمامها عن ذراعيها، ثم غرست الصولجان في الأرض، ودارت حوله فحفرت بقدمها أخدوداً دائرياً صغيراً في التراب، تلك العلامة التي يعرفونها جيداً، فحين يقف أحدهم فوق قمة الأكاكوس سوف يجد الأرض في شكل دائرة كبيرة تحيط بها السماء من كل مكان، هذه الدائرة هي حدود المملكة التي لم تُحصن بالأحجار، وإنما بالعرق والدم. ولا يمكن لأحد اجتيازها إلا لمن أراد الاستغناء عن رأسه. هكذا قالت تندروس”[6]

تابعنا في المقطع السابق كيف تم نقل الراوي حوار العجوز ملخصا وليس كما قالته في الواقع، تابعنا نقل تصرفات الملكة التي تعد نوعا من القول يفهمه الجميع حيث تلك علامة يعرفونها جيدا، وأُنهي المقطع بجملة (هكذا قالت تندروس)؛ مما يعني أن تصرفاتها السابقة (الحركات التي قامت بها) هي نوع من القول.

الخطاب المنقول السابق استخدم كما رأينا ليضعنا في عجالة في الحدث الحاصل ويقدم لنا ملخصا حوله.

رابعاً: صيغة المعروض غير المباشر:

لعل أهم ما يميز الحوارات التي نظمها الراوي في هذه الرواية هي قدرته المميزة على السيطرة على منطقة بين الحوارات، من خلال حسن تصوير الشخصية وطرح ما تشعر به وتجده، كما نجده أحيانا(كما في المقطع التالي) يقوم برسم حركة الشخصيات المتحاورة وأفعالها الدالة على مشاعرها أثناء الحوار وعلى المسافة الاجتماعية بينها، لنتابع المقطع التالي حيث الملكة تندروس تفحص الغزالة سافي ويحدث الحوار بينها وبين مربي الغزالة ميكارت:

“(أ) اعترضت طريق الغزالة سافي التي ولدت من أم شقراء وأب لونه ضارب إلى الحمرة، مدت يدها لتلامس ردفيها الطريين وخللت بأصابعها الفروة الذهبية التي تغطي ظهرها، والبقعة المختومة بزغب أحمر عند خصرها، (ب) ثم ابتسمت بخيلاء وقالت تخاطب ميكارت وتتعمد أن ترفع من صوتها حتى يتسنى للآخرين سماع كلماتها:

– يا لرشاقة قدها وميوسة ردفيها.

(ت) ربتّ ميكارت على رأس الغزالة مطمئنا وقد عادت يد الملكة لتداعب ظهرها فسرت ارتعاشة في جيدها الضامر لكنها لم تجفل، لمعت مقلتاها بذلك الألق الأسود الأخّاذ من تحت رموشها الكثيفة.

(ث) أردفت الملكة بانبهار:

وماذا سأقول عن طراوة جيدها ولمعان قرنيها.

(ج) فما كان منه إلا أن ابتسم وركع عند قاعدة المنصة مزهواً بما سمع:

– إن سافي يا مليكتي، إلى جانب جمالها الفتان، فهي أيضاً مرهفة الإحساس بالموسيقى.”[7]

نلحظ في المقطع السابق صورة الملكة التي اعترضت طريق الغزالة سافي مع وصف صورة الغزالة مميزة الشكل، كما نتابع في (ب) الراوي وقد وضعنا في صورة الملكة وهي تستعد للكلام أو إنجاز الحوار، الصورة سابقة الذكر تعبر بشكل مميز عن الطبيعة الملكية للملكة، وطبيعة ترفعها وتعاليها، كما نستطيع أن نلحظ ببساطة أننا هكذا لا زلنا في منطقة ما بين الحوارات.

بينما نتابع في (ت) مجموعة من الحركات التي تقوم بها الشخصيات التي تعبر عن التفاعل بينها، فميكارت يطمئن غزالته وهو يعيش سعادة غامرة لاهتمام الملكة به وبغزالته، والملكة تريد أن تعبر عن حضورها الملكي، والغزالة يقوم الراوي بتصوير جمالها، ثم نتابع في (ث) صورة الملكة وهي تستعد للكلام من جديد حيث يصف لنا الراوي انبهارها، ثم نتابع في (ج) رد ميكارت وحواره الذي يعبر عن الفرح الذي يشعر به تلك اللحظة.

نلحظ مما سبق كيف ساهم حسن تصوير المنطقة النصية بين الحوارات في التعبير عن مواقف الشخصيات، وعن حالتها النفسية، وعن تباين طبقتها الاجتماعية، كما ساهم في جعل الحوار حيا فاعلا في متلقيه

خلاصة:

تابعنا فيما سبق بعض النماذج تعبر عن طريقة توظيف الراوي للصيغ السردية، حيث كانت صيغة الخطاب المسرود الصيغة الأكثر حضورا ونلحظ أن الراوي قد أتقن (عن طريق تقنيات السرد واللغة المختلفة) في جعلها صيغة سردية تعبر بشكل مباشر عن دراما السرد وعن انفعال الشخصيات وكانت تضعنا في عمق الشخصيات وطبيعة أحداث الرواية الدرامية.

استخدم الراوي أيضا صيغة الخطاب المنقول غير المباشر بشكل أقل وذلك ليتخلص من عبء مسئولية صدق ما يقول وليرسم للمروي له (وهو ينقل الأقوال) طبيعة أوضاع القائلين، فهم في مرات كثيرة يهمسون أو يقولون بصوت منخفض أو يتحدثون في مجالسهم الخاصة، خاصة تلك المنقولات التي كانت تتحدث حول شيء يخص الملكة تندروس التي تبدو بذلك (بشكل خفي غير مباشر) مخيفة لخصومها. كل تلك الإشارات كانت ترسم شكلا حقيقيا لمن يقولون وحول من يتكلمون عنها.

ولعل البراعة المميزة في هذه الرواية كانت في طريقة توظيف صيغة المعروض غير المباشر، حيث كانت الحوارات بين الشخصيات مميزة وحية، ولا تعاني من ترهل أو مباشرة، كما يحدث عادة في عديد الروايات، ولعل ما ساهم في ذلك قيام الراوي بالتصوير السينمائي لحركات المتكلمين، وفي الوقت نفسه قيامه بتصوير أوضاعهم وهم يتكلمون مما جعل ما يقولونه مميزا وفاعلا.

ولعله من المهم هنا توضيح أن اقتصادنا في تحليل نماذج أخرى تعبر أكثر عن توظيف الصيغ السردية المختلفة التي تحدثنا عنها واكتفاءنا بنموذج واحد، راجع لطبيعة استخدامنا لتلك النماذج في تحليل جوانب اشتغال تقني أخرى في الرواية مثل جانب بناء الشخصيات، أو جانب الاشتغال على الحواس.

____________________________

الهوامش:

[1]سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، الفصل الثالث.
[2]عبدالحكيم المالكي، جماليات الرواية الليبية، ص. 42، 43
[3] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، 62
[4]عائشة ابراهيم، حرب الغزالة، ص. 13
[5]عائشة ابراهيم، حرب الغزالة، ص. 13
[6]عائشة ابراهيم، حرب الغزالة، ص. 62
[7]عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، ص. 11

مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 42 (شَنْطَة)

عبدالرحمن جماعة

التماسك اللغوي المكون للخطاب الحكائي عند زياد علي (الطائر الذي نسي ريشة) أنموذجا

المشرف العام

ليبيا واسعة – 50 (يَتَمقَّـل)

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق