قراءات

الصيدلانيات الشاعرات

رغم المساهمة الموثقة للمرأة الليبية في الحياة الأدبية والمشهد الشعري الشفهي، والتي تبدو مبكرة نوعا ما، وعلى وجه التحديد نظم الحكاية وتأليف القصيدة الشعبية والغنائية والتي أبرزها نصوص الراحلة خديجة الجهمي “بنت الوطن”، ثم الإصدارات المنشورة التي استهلها كتاب (من القصص القومي) للراحلة زعيمة الباروني الصادر سنة 1957، وكتاب (المرأة والريف في ليبيا) للراحلة خديجة صدقي عبدالقادر الصادر سنة 1961 وسلسلة مقالات كتابها (ليبية في بلاد الانكليز) المنشورة سنة 1962 بجريدة طرابلس الغرب والذي أهدته فيما بعد إلى (حبات رمل ليبيا التي انتفضت بكبرياء… إلى المرأة الليبية التي حملت جرة الماء، وقطرة الدواء لجرحى معارك ليبيا الرهيبة عبر التاريخ، والتي كثيرا ما اختلط دمعها بالماء والدواء وهي تطلق النار….) فإن ظهور أول ديوان شعري نسوي في ليبيا قد تأخر كثيراً حتى سنة 1984 بصدور ديوان (في القصيدة التالية أحبك بصعوبة) للشاعرة فوزية شلابي.

 الصيدلانيات الشاعرات

وإذا كان الدواء اسماً وتشبيهاً وصفةً حاضراً بصراحة في أدبيات النص النسوي في ليبيا منذ تلك الفترة البعيدة، كما جاء في إهداء الراحلة خديجة عبدالقادر، فإنه صار في الوقت الراهن يظهر متمثلاً بقوة صوتاً معبراً، ورمزاً مميزاً، في نصوص شعرية رقيقة لمبدعات ليبيات، درسنَّ أكاديمياً التركيبات الكيميائية للأدوية، وامتهنَّ الصيدلة وممارسة حرفة التعامل مع الدواء والعقاقير الطبية، وتميزنّ بقدراتهن الفطنة على قراءة خربشات الأطباء التي يرسمونها للصيادلة، بحروف ورموز ولغة معقدة وصعبة القراءة، عند وصف دواء لمرضاهم على اختلاف العلل والأوجاع والأسقام.

فمنذ صدور أول ديوان شعر للمرأة الليبية سنة 1984 لم يشهد الشعر النسوي ظاهرة مميزة كالتي يستعرضها هذا المقال والمتمثلة في صدور ثلاثة دواوين شعرية لليبيات صيدلانيات استهوتهن موسيقى الشعر وعذوبة أجواءه الآخاذة وفضاءاته الرحبة، فأسهمن طوال العقود الثلاثة الماضية بنشر العديد من النصوص الشعرية بالصحف والمجلات الليبية والمشاركة في الأمسيات والندوات والمهرجانات الوطنية والعربية خارج ليبيا.

هؤلاء الشاعرات الليبيات هن سيدات فضليات يعملن في مجال العلوم الطبية والصيدلانية، ووفق تواريخ إصدار مجموعاتهن الشعرية نجد أن الشاعرة أم الخير الباروني المتحصلة على شهادة بكالوريوس الصيدلة سنة 1992 هي أولهن في إصدار مجموعتها (لحاف الضوء) سنة 2007 والتي تضمنت واحداً وعشرين نصاً، تليها الشاعرة رحاب شنيب المتحصلة على شهادة بكالوريوس الصيدلة سنة 1998 في إصدار مجموعتها الأولى (سكرة الحياة) سنة 2008 ثم الثانية (النزف قلقاً) سنة 2013 التي احتوت ستة عشر نصاً، وأخيراً الشاعرة حنان محفوظ المتحصلة على شهادة بكالوريوس الصيدلة سنة 1995 التي أصدرت مجموعتها الأولى (زهرة الريح) سنة 2013 المتضمنة ثمانية وأربعين نصاً.

وفي الوقت الذي أشتهرت فيه الشاعرة أم الخير الباروني ب”شامة طرابلس” و”بنت الشمس” والشاعرة حنان محفوظ ب”طفلة الشمس” و”زهرة الريح” بين الأوساط الشعرية والأدبية بمدينة طرابلس وعرفتا بهما طوال مشاركتهما في الأمسيات والندوات الشعرية، فإننا لا نجد في الأدبيات الوطنية شيئاً شبيها بذلك عن الشاعرة رحاب شنيب بمدينة بنغازي.
وإن كانت ظاهرة الصيدلانيات الشاعرات ليست بغريبة على المجتمعات العربية والأجنبية الأخرى حيث توجد العديد من الصيدلانيات الشاعرات، والصيدلانيات القاصات، والصيدلانيات الروائيات وكذا المحاميات الشاعرات، والمهندسات الشاعرات، والطبيبات الشاعرات، إلا أن ظهورها في بلادنا ليبيا يعد سابقة لم ترصدها الأوساط الأدبية والشعرية من قبل.

وإجمالاً فإن نصوص هؤلاء الشاعرات الصيدلانيات لا ترتدي معطفاً أبيضاً، ولا تفوح منها روائح الأدوية النفاذة، ولا تجلب السعال والحرارة المرتفعة، لأن مهنة الصيدلة التي يزاولنها هي عبارة عن مركبات ومعادلات دوائية كيميائية توصف بأنها “كيمياء الدواء” تتلاقى مع نصوصهن الشعرية التي تبدو وكأنها “كيمياء الشعر” لها القدرة على وضع حد للداء وزرع الكثير من البهجة والمسرة. فقد جاءت نصوصهن الشعرية أنثوية صرفة، تتجه بخطابها إلى البوح بأحاسيس ورؤى وجدانية لا تتجاوز إطار الصوت الفردي، للتعبير عن تفاعلات ودفقات القلب النابض بحيوية المشاعر الحارة، وديناميكية العقل المفعم بأفكاره التي لا تبحر بعيداً في متاهات الحياة اليومية وتعقيداتها، ولا تتعرض لتجارب أو مواقف شخصية محددة، بل تجعل نصها الشعري فضاء مفتوحاً على عوالم الحب والقيم الإنسانية كافة.

تتسم لغة نصوص الصيدلانيات الشاعرات بشفافية ولطافة تركيبات جملها القصيرة المباشرة، الموشاة بأنفاس الأنوثة السابحة على صهوة خيالات عذبة، تتماوج فيها الشطآن بين مد وجزر، بعيداً عن سيول الدموع ولهفة الأشواق وآهات معاناة الوجع المفرط. وتعتمد آلية الخطاب في هذه النصوص الأنثوية الجميلة على بساطة المفردة اللغوية الهادئة المسالمة، والمحافظة على سلامتها النحوية والصرفية، ووضوح دلالاتها التعبيرية، ولذلك جاءت القصائد تتهادى كأنسام عليلة تحمل بكل ثقة وثبات صدقها وواقعيتها وقدرتها على إقناع المتلقي بحضورها البهي.

وهنا في هذه القراءة لا أدعي بأنني حاولت التسلل إلى بنيوية التشكيل اللغوي لجسد القصيدة الصيدلانية، كما أحببت أن أسميها، أو اختراق واكتشاف وتحليل أسلوبيتها وفق منهجية نقدية معينة، ولكن هذه المقالة البسيطة هي مجرد اقتراب محايد من نصوص الشاعرات الصيدلانيات، اعتمدتُ فيها على الاختيار العشوائي الحر لزاوية النظر والقراءة الانطباعية، في محاولة لملامسة جسد قصائدهن دون الإبحار في ثناياها وعوالمها العميقة، غايتي من ذلك هو الوفاء للنص الشعري الرقراق الذي تمثل لي في ظاهرة الصيدلانيات الشاعرات المميزة، فأحببت تسجيلها وتوثيقها.
وعلى الرغم من تباين النصوص الشعرية للصيدلانيات الشاعرات من حيث أسلوبها، وتقنيات سردها، وطول أنفاسها، وتفاوت ظهور صور الخيال الخلابة، وإيقاعات وموسيقى اللغة بشكل واضح، فقد تميزت نصوص الشاعرة رحاب شنيب بترنيمات إيقاعية تتراقص فيها المفردة اللغوية جدلى بكل انتشاء، وتتوالى تباعاً بكل سلاسة وانسيابية وهي تعزف لحونها بما فيها من رقة وعذوبة، بينما جاءت نصوص الشاعرة أم الخير الباروني أكثر عمقاً في ألفاظها وتركيبتها اللغوية والدلالية، تعانق القلب والوجدان بهمسها الخافت وتشاكس العقل والفكر بمونولوجاتها المستنيرة. أما نصوص الشاعرة حنان محفوظ فقد برزت مزهوة تمتطي ريحها وتفوح بعطور أزهارها، وهي تتأبط صهوة أحلامها حاملة الكثير من هدوءها ورصانتها ورقة شخصيتها الوادعة المفعمة بالاتزان والتأمل.

ولكن في كل الأحوال، فإن نصوص الصيدلانيات الشاعرات استطاعت بجدارة أن تعبر عن ذواتهن وأفكارهن ومشاعرهن الفياضة بالحب وأهازيج الفرح البهيج. وبالطبع فإن هذا الاحتفاء والاعجاب بنصوص الصيدلانيات الشاعرات لا يمنع من رصد بعض الملاحظات عنها والتي أبرزها أن الشاعرات الصيدلانيات انحزن بشكل جماعي مطلق إلى نظم الشعر الحر وتجاوزن في بوحهن الخليل بن أحمد الفراهيدي وبحوره العروضية، وحافظن على سلامة اللغة وضوابطها النحوية وعباراتها المكثفة المعنى وسهلة الفهم، كما تجنبن في نصوصهن التصادم التقليدي مع الرجل أو التشبه في ذلك بغيرهن من زميلاتهن العربيات أو الأجنبيات واستحضارهن كمثال بشكل مباشر أو خفي، واتخذن من المضامين الإنسانية العامة فضاء فسيحاً لمواضيع نصوصهن بعيداً عن النظريات الإيديولوجية أو الصراعات الفكرية أو السياسية. وبالإضافة إلى ذلك فقد خلت نصوص الشاعرات الصيدلانيات من ظهور بعض سلوكيات أو أعراف وطقوس أو مفردات مهنتهن الطبية وعدم تضمين قصائدهن المصطلحات أو التعبيرات الخاصة بمهنة الصيدلة مما يؤكد عدم تأثير مهنة الصيدلة في نصوصهن.

وإذا كانت من أبرز الملاحظات المسجلة عن نصوصهن هو غياب أدوات السؤال وأشكال التساؤل الذي يعمق التواصل بين النص وقارئه، ويحفزه لمجاراته والغوص في دهاليزه من خلال محاولة إجابات تلك التساؤلات التي يطرحها أو عرض غيرها بشكل يكمل دائرة الحوار بين النص ومبدعه ومتلقيه، فإنه يظل الجانب المهم الذي افتقدته دواوين الشاعرات الصيدلانيات هو غياب الهوية الليبية التي تمنح النصوص بصمتها الوطنية الخاصة بها وتعريفها الحصري المميز لها، حيث لم يرد أي ذكر أو إشارة إلى أي بقعة ليبية أو بعض العادات والتقاليد والموروثات أو مظاهر الحياة الليبية في كل نصوص الشاعرات الصيدلانيات، ماعدا نص (درنه) للشاعرة رحاب شنيب الذي تميز بإعلان هوية المكان والتصريح باسمه الحقيقي (درنه) بداية من عنوان القصيدة وتكراره في ثناياها عدة مرات. ولتأكيد هذه الهوية استحضرت الشاعرة في هذا النص الشلال الهادر الشهير كأحد معالم المكان في مدينة (درنه) بالجبل الأخضر الأشم، ورددت سطور النص القليلة صدى موسيقاه الآخاذة الشجية وهي تتمايل على أوتار الأسطورة التاريخية، وتتوغل في أعماق المونولوج الداخلي تارة بمناجاة الذات، وتارة أخرى بحوارها المفعم بالإعجاب المعزز بالتساؤل الذي يفتح شهية التأمل والانبهار بالمكان … الهوية … (درنه) وربما اطلاق العديد من التساؤلات الأخرى!

ولعلني أجد العذر لهؤلاء الشاعرات عن غياب الهوية الوطنية في نصوصهن، وذلك لأن جل تلك النصوص المنشورة في هذه الدواوين تمثل البدايات الشعرية لهن والتي يغلب عليها نقل الأحاسيس والعواطف والوصف والتنفيس الوجداني والابتعاد كلياً عن تناول المواضيع والقضايا العامة أو الخوض فيها. وهذا التبرير قد يقودنا إلى طرح موضوع دواعي الكتابة الشعرية لديهن والتساؤل عما إذا كان ذلك مجرد نزوات عابرة أم هروب من مشاغل الحياة اليومية، وظروف المهنة الرتيبة المتسمة بروائح الأدوية وضجيج رواد الصيدليات ومصطلحات العقاقير المعقدة، أم ماذا؟

لن أواصل البحث في تلك الأسباب ولكنني أخترت أن أختم هذه المقالة بعرض نص واحد لكل شاعرة من شاعراتنا الصيدلانيات أحسست أنه أفضل تعريف بهن للقاريء الكريم، لذلك اخترت قصيدة (تحت لحاف الضوء) للشاعرة أم الخير الباروني، وقصيدة (درنه) للشاعرة رحاب شنيب، وقصيدة (زهرة الريح) للشاعرة حنان محفوظ، ولعل ذلك يتمم الصورة الانطباعية عن ظاهرة الشاعرات الصيدلانيات في بلادنا الحبيبة ويفتح حواراً نقدياً جاداً مع نصوصهن ومعهن كصيدلانيات ماهرات …وشاعرات مبدعات.

1- تحت لحاف الضوء

للشاعرة أم الخير الباروني

تحت لحاف الضوء
تتسامر
وبوح الفجر المتخافت
ينسج
من قصص الأحلام
مهداً
احتفاءً
بطفل مرتقب.
تحت وسادتي
شاطيء
وحلم

تحت عراء الليل
تغمرني
دفق اللحظة المتقدة
فيتأمل الصمت
مترقباً
ستائر الضوء المرتبكة

تحت ظل الحزن
أتفيأك غيماً
تمطر
بأعماقي
فتخصب
بكروم… ونخيل
وخمائل غبطة
فيما الظل
يشخص… يتشخص
يتخلل بصري

2 – درنه

للشاعرة رحاب شنيب

سئمت وحدتها
وضجرها
غادرت بحرها
وجزرها
غفت على جبل
تراقص طيباً
بكل حلاها
ودررها
قيل: قمرٌ
نزل من هذه السموات
أسرته حورية
وأسرها.
قيل: الجمال
نادى في ملكوت الله
سبحان الذي صورها
هذه المعجونة
من ضياء العشق
ودوي البحر معطرها
حبيبة شلال هادر
يتماوج على
ضفائرها
قيل: درنه
قلت: أيهٍ درنه
بأي لون أذكرها؟
بلون الحب
بلون السحر
ترنو لعين ناظرها
حباها الله كل طيب
وبضياء الطهر نوّرها.

3- زهرة الريح

للشاعرة حنان محفوظ

طيور القلب تحررت
تشكلت عصفورة قلبي
من دمي
من اغتيال جميل لعينيّ
رفرفت أجنحتي
وخفق الطيران فيّ
فثبتُ في مكاني
أختنق بلغة الشوق
أختنق بلون الدهشة
بالصفح عن قلبي الخجول
وعين ساهرة
حتى سفر الليل

تنمو داخلي زهرة الريح
كبالون ألون
وعند أول زخات فرحك
تنفجر

_______________________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

أدونيس بين فكيّ إبنته…يرفض الاستغاثة !

مهند شريفة

الليبي زعطوط ينحت قصائد شجر العرعار

منصور أبوشناف

الكنز الليبي حين يضيع في الصمت

شكري الميدي أجي

اترك تعليق