قصة

الصقـيع


 

(1)

.. صقيع.. صقيع.. صقيع..

الأبواب موصدة.. والنوافذ.. المعاطف مزررة إلى الرقاب.. الأيدي في الجيوب أو تحت الآباط.. أسلاك الكهرباء تعوي.. الجليد يتكوم أسفل الجدران فيشكل إطاراً أبيض.

(2)

ينفتح الباب.. يحدث صريراً مكتوماً.. تطل جارتنا.. تنظر ناحيتي.. تغضن وجهها بفعل البرد.. تظهر عند قدميها قطعة ترتجف.. تتمطى.. تتثاءب.. ثم تنصب أذنيها وتراقبني بدورها.

حين تجاوزتهما.. كانت القطة تحاول التمسح بساق المرأة.. فركلتها وأغلقت الباب.

(3)

.. الثلج يغطي كل شيء.. القرية تتجلل بدثار أبيض بارد.

ابتسمت محيِّياً قريبي الذي مر بالقرب مني.. فاكتفى بهز رأسه بدون أن يلتفت إلي.

(4)

.. خرجت إلى الغابة.. لا أثر للرعاة.. لا دخان.. لا مزمار.. كم أحتاج إلى الدفء.. دفء النار.. ودفء الحديث.. أنا في حاجة حتى إلى نباح الكلاب..! في مثل هذا الصقيع يلوذ الرعيان بالكهوف.

(5)

ثمة ذئاب هناك في الأسفل.. تتقافز من فوق الصخرة الكبيرة المشرفة على حافة السيل.. يتناثر الثلج من تحت أقدامها.. تتصارع.. تتقلب.. تقف لاهثة.. يمكنني رؤية أنفاسها الحارة من السفح إلى السفح.. تعلق بعضها بود.. ثم تعود لتتقافز من جديد.

كم أحسد هذه الذئاب.. ..أخذت أجري مستمتعاً بتكسر الثلج.. انزلقت من المنحدرات.. ثم صعدت مرة أخرى,, أحسست بشيء من الدفء.. وقفت لأسترد أنفاسي.. وقد امتدت أمامي الحقول الجرداء المقرورة.. مساحة شاسعة من البياض البارد.. هذه أول مرة أكره فيها اللون الأبيض.. حتى الأشجار تماهت مع المشهد الكلي.. وانكمشت الأغصان تحت وطأة الجليد.. يا إلهي.. لو أستطيع أن أكسر كل هذا الصقيع.. كل.. هذا الصقيع..!

مقالات ذات علاقة

فحمة التاقزة

المشرف العام

الذئاب

علي الجعكي

الكواكبي

عوض الشاعري

اترك تعليق