من أعمال الفنان محمد الشريف.
قصة

الصـــــراخ

خرجت من بيتي غاضباً ، تشاجرت مع زوجتي ودخلت معها في حالة من الجدال العصبي الملئ بالصياح . . رفعت ذراعاي إلى أعلى وهتفت بجملتي العصبية التي أودعتها كل ما في داخلي من سخط وأسرعت نحو الباب وصفقته خلفي وأنا أنفض صراخها عن ثيابي .

أدرت محرك السيارة وانطلقت بعنف مخلفاً ورائي سحابة من الغبار جعلت الشارع يختفي في مرآة السقف ويتحول إلى عاصفة بيضاء . أشعلت سيجارة ، وأخذت أنفث دخانها بعصبية . ضغطت على دواسة البنزين فاندفعت السيارة عبر الطريق الذي كان مشرعاً ومغرياً .

تأملت عداد السرعة فوجدت المؤشر يركض صاعداً عبر دائرته المقفلة ، عدت أُحدق في الطريق فانتابني الفزع وأنا أرى شابا يقطع الطريق ولم يتبقَ إلا مسافة ضئيلة تفصلني عنه . ضغطت على دواسة الفرامل وأدرت المقود إلى اليسار فاستقبلني الرصيف الذي راح يطعن باطن السيارة بجلبة . عدت من جديد إلى الطريق الإسفلتي شاتماً ذلك الشاب من خلال المرآة ورأيته يوجه نحوي إشارة بذيئة بيده .

سمعت صوت بوق خلفي ، انحرفت قليلاً إلى اليمين وأنا أُخفّض سرعتي تاركاً المجال للسيارة التي كانت ورائي ، إلتفت إلى اليسار فوجدت وجهي شابين يصرخان ويرفعان أيديهما نحوي بتوتر وكأنني ارتكبت إثماً شنيعاً ، ودون أن أفهم سبب إحتجامهما وجدتني أرفع ذراعي نحوهما وأصرخ فيهما بقوة . . لكنهما لم يسمعا شيئاً لأنهما مرقا بجانبي بسرعة مذهلة ومضت سيارتهما تكتسح الطريق .

أين أذهب ؟ إلى اليمين زحام وطريق ترابي مليئ بالحفر وأطفال أشقياء يقذفون السيارات بالحجارة . إلى اليسار ؟ ضواحي المدينة شبه المهجورة ولا شئ لدي هناك . ليس في ذهني مكانا محدد ا أود الذهاب إليه . إذن لأندفع إلى الأمام صاعداً عبر هذا الجسر العريض . ها أنا أدخل شارعاً مكتظاً بالمحلات على اليمين والشمال ، وزحام ومشاة وطابور سيارات طويل يمضي ببطء شديد . اللعنة ، ما الذي أتى بي إلى هنا ؟ ودار رأسي في جميع الاتجاهات بحثاً عن مهرب ، ولكن لا جدوى . أبطأت سرعتي إلى أن توقفتُ بالكامل ، وفي حركة يائسة ساخطة امتدت يدي إلى المفاتيح وأطفأت المحرك .

إلتفت إلى اليمين فاستقبلتني عينان سوداوان واسعتان تومضان بالأنوثة . تأملتهما برهة ثم أشحت بوجهي بعد أن امتلأ المشهد بوجه فظ وعينين شرستين . قلت لنفسي : لا بد أنه زوجها وأنا أتابع سيارتهما وهي تتركني وتتقدم إلى الأمام ، انتبهت إلى أن الطابور الذي وقعت فيه لا يزال جامداً فأدرت المحرك وضغطت على البوق بنفاذ صبر، وفعل الأمر نفسه السائق الذي أمامي ثم تبعه السائق الذي خلفي وتلته أبواق أُخرى راحت تهمز الطابور الذي أخد يتحرك ببطء في البداية ثم بصورة أسرع بعد أن تزايد أصوات الأبواق .

ورويداً رويداً اقتربت من مصدر الزحام . وجدت سيارتين تحتضنان بعضهما البعض في عناق حميم ، وقد تحطمت مقدمة كل منهما ، وتهشم زجاجهما ، وتناثر على الأرض ، وبجوارهما التحم رجلان في صراع جسدي شرس ، أحدهما يطوق الأخر بذراعيه القويتين ويرفعه إلى أعلى ثم يعيده إلى أسفل تمهيداً لإلقائه على الأرض ، والثاني يمسك شعر رأس الأول بقوة وكأنه يود انتزاعه ، والناس تحلقوا حولهما يتأملون المشهد ، وقد أفسحوا لهما مكاناً في الوسط . تجاوزت الزحام وعدت أسرع من جديد .

تأملت وجهي في مرآة السيارة الداخليه فوجدتني أبدو مرهقاً متعباً ، ذقني غير حليق وشعري منفوش ، وعيناي صغيرتان ، غائرتان ، وتذكرت جاري الذي تشاجرت معه منذ يومين .

قلت : له حرام عليك يا رجل ، طوال الوقت وأنت تخبط في الجدار وتدق بدون توقف ، وكأنك تتلذذ بإزعاجي وتعكير مزاجي حتى صار كل آملي أن أحظى بنوم هادئ أضع فيه رأسي على الوسادة بهدوء ، ولا أصحو على صوت صراخك ، وصراخ أطفالك أو زوجتك أو أصوات الدق والخبط المتواصلة على الجدار الذي يفصلني عنك ، الأمر الذي جعلني أبتعد وأسرتي عن هذا الجدار خشية أن ينهار يوماً علينا من شدة الخبط وقوته.

تركني الرجل حتى أكملت احتجاجي ثم قال بهدوء مُدمر : إذا لم تذهب من هنا حطمت رأسك بهذا الشاكوش .

واشتبكنا في قتال جسدي .

ضغطت على الفرامل لأخفف سرعتي فهذا اللعين الذي يقود سيارته المتهالكة ببطء شديد نافثاً سحابة ضخمة من الدخان الأبيض ويحتل وسط الطريق يرغمني على ذلك .

رفعت يدي صارخاً أن يفسح الطريق وأتبعتها بضغطات متتالية على البوق. انصاع للأمر وانحرف إلى اليمين، وعندما أصبحت بمحاذاته فتحت النافذة اليمنى وصرخت به بقوة فصرخ وراح يلوّح بيده المتشنجة نحوي في احتجاج واضح ويضغط على بوق سيارته ليدعم شتائمه واحتجاجاته.

حدقت في مؤشر السرعة وهو يصعد من جديد وأشعلت سيجارة وقلت لنفسي ينبغي أن أقلع عن التدخين.

فتحت المذياع فصرخ مطرب ذو صوت مشروخ يأمر حبيبته بألا تجرحه لأنه ملتاع الخاطر ، فأقفلته .

ولمحت إشارة المرور الضوئية وهي تواجهني من بعيد خضراء فأسرعت نحوها لكنني ما إن وصلتها حتى تحولت إلى حمراء. فضغطت على الفرامل بقوة جعلت العجلات تئن بصوت حاد. شتمت الإشارة الضوئية وقلت لنفسي إن هذه الإشارات اللعينة ما إن ترى سيارتي الصغيرة من بعيد حتى تتحول إلى حمراء.

توقفت إلى جواري سيارة بيضاء التفت نحوها فاستقبلتني هذه المرة عينان ضيقتان وسلطت عليّ حملقة غريبة، وفكرت: لماذا يحملق بي بهذا الشكل ؟

وقلت لنفسي أنني لو سألته عن هذه النظرة البلهاء التي يصوبها تجاهي فإن الأمر سيتحول حتماً إلى مشاجرة . . فأشحت بوجهي عنه .

أرتفع بوق السيارة التي ورائي . . حدقت في المرأة فوجدت السائق يشير نحوي بيده أن أنطلق وكانت سيارتي في المقدمة . نظرت إلى الإشارة الضوئية فوجدتها حمراء . . فخاطبته في المرآة وصرخت وأنا أشير نحو الإشارة الضوئية ” حمراء . . حمراء يا حمار ” .

وحين أصبحت الإشارة خضراء انطلقت إلى الأمام ، ثم انحرفت قليلاً إلى اليمين مفسحاً الطريق لذلك السائق المتعجل الذي أبطأ من سرعته وهو يحاذيني وراح يصرخ بي فَرحْتُ أصرخ أنا الآخر وأنا ألوحّ له بيدي المتشنجة نحوه . ثم صرخ بكلمة نابية واندفع مسرعاً على الأمام . أحسست بفداحة الإهانة وصممت على اللحاق به ورد إهانته بإهانة مماثلة .

وركض مؤشر السرعة صاعداً باتجاه نقطته النهائية وأخذت سيارتي ترتجف من شدة السرعة لكنني كنت قد قررت اللحاق به مهما كان الثمن ورأيته يسد الطريق أمامي بسيارته وضللت أراوغه إلى أن تمكنت من الإفلات من الحصار وتحرير المساحة المجاوره لسيارنه ، وعندما أصبحت سياراتي بمحاذاة سيارته تماماً . . إلتفت إليه وصرخت بكلمات حادة وأخذ هو أيضاً يصرخ ملتفتاً نحوي تارة وإلى الطريق تارة أُخرى . لم أستطع أن أتبين كلماته ، ولابد أنه لم يكن يسمعني ، كان كل منا يحاول أن يصرخ بأعلى ما يستطيع ، وفي لحظة توحد صراخنا وصار صرخة واحدة طويلة ثم أظلمت الدنيا أمام عيني وغاب علي كل شئ .

مقالات ذات علاقة

أسطورة الجبل الأسود

الصديق بودوارة

الدرجيحة

عزة المقهور

زقزقة

محمد الأصفر

تعليق واحد

عامر العوادي 28 مارس, 2012 at 21:48

قصة جيدة الا ان المأخذ عليها المباشرة الصريحة ونحن نحتاج الى التلميحات على العموم قصة تحكي واقعا معاشا وتقول لنا عن تفاصيل يومياتنا بدون تمييز

رد

اترك تعليق