سيرة شخصيات

الشيخ محمود صبحي، نسيج طرابلس

طرابلس التي أحببت صافية كمياه سوانيها، ملونة كبحرها، مخضرة وراقصة كنخيلها، ممتلئة كبرتقالها، متسقة كحبات رمانها، مبهجة كنوارها العربي، غضة كثمر كرومها، متشابكة كدواليها، متماسكة كتمورها، مشدودة القوام كزيتونها، ساحرة كغروبها، مضيئة كفجرها، مشرقة كصباحاتها، متقدة كهجيرها، حالمة كمساءاتها، متجددة كنسماتها، خجولة كأمطارها، متناغمة كأسطح بيوتها، مصقولة كجدران مدينتها القديمة، ثرية كنقوش جوامعها، محبة كأهازيجها وأعراسها، معتقة كأعمدتها الرومانية، وادعة كغزالتها المستلقية في ميدانها، معبرة كملامح أهلها… وكلما تذكرت معالمها ظهر لي من بين رجالاتها الشيخ الوقور إبن طرابلس محمود صبحي.

الشيخ "محمود صبحي" رحمه الله
الشيخ “محمود صبحي” رحمه الله

لم يكن اسم محمود صبحي راق في بساطته وتناغمه لكن مظهره ايضا زاده رقيا… طويل، باسق كنخلة طرابلسية متفردة بين جمع من النخيل.. عوده المتناسق الطويل كصوامع جوامعها المشدودة نحو السماء… يرتدي قفطانه الداكن الطويل بياقته البيضاء وطاقيته الصوفية الحمراء الملفوفة بالقماش الأبيض الناصع… يمشي بخطوات واسعة دون أن ينحني عوده الصلب او يتحرك… فيتهامس الجمع في الشوارع… “الشيخ محمود”… يلتفت اليه الرجال “خير ياشيخ.. ربي يحفظك”… تنظر  النساء في صفحة وجهه وتبتسم  بخجل… إنه الشيخ محمود، صيته يسبقه، عوده يميزه، علمه يحصنه، وخطوه يجعله دوما في مقدمة الجمع.

طرابلس الغنية كمجاراتها الذهبية تحتاج لرجالتها.. لأصحاب القامة والمقام.. نسيجها الاجتماعي المتنوع يستدعي من يعقد خيوطه ويغلق عروته، ويرطب ملمسه. صنعة رجال الحقب والازمان… كان ذاك الرجل الشيخ محمود صبحي.

ولد الشيخ محمود صبحي عام 1920 في سانية التوغار بمحلة ميزران بمدينة طرابلس،  أمه الحاجة مناني التوغار، اقترن بـ”للا ليلى” حفيدة السيد رمضان ميزران صاحب وقف ميزران والذي أطلق أسمه على الشارع العريق، ورث الشيخ محمود صبحي بيته عن والدته وأقام فيه حتى انطفأ مصباحه في عام 2013.

ولو تأملنا خارطة سكان طرابلس لوجدنا وشائج تربط الشيخ صبحي وعائلات طرابلسية قديمة: التوغار، ميزران، المبروك، بن زكري، القلهود… وغيرها، كان النساجون يتقنون صنعتهم في لظم وخياطة وربط هذه الوشائج الأسرية والمحافظة عليها. أراهم كنوالة “سوق الحرير”، عاكفون بظهور محنية على الآلة الخشبية، يدفعون بأقدامهم دواساتها، يرفعون أذرعهم ويهوون بها مابين الخيوط الرفيعة، يجمعونها خيطا خيطا ويصنعون منها لوحة مجتمعية بهية متماسكة.

تتلمذ الشيخ صبحي في كتاتيب طرابلس على يدي الشيخ حورية وغيره، ثم أرسله والده مع شقيقه “محمد” إلى قاهرة المعز حيث قطن في “رواق المغاربة” ودرس العلوم الشرعية في الأزهر الشريف وقضى ما يزيد على الإحدى عشر عاما، لم ينهل فيها العلم الشرعي فحسب بل تشكل سياسيا وتميز رياضيا. عاصر والدي كامل المقهور رحمه الله جزء من رحلة الشيخ في القاهرة، كان مميزا في رحلة العلم تلك، حيث وصفه والدي في كتابه محطات/ سيرة شبه ذاتية دون إشارة لإسمه، بأنه بالاضافة لعلمه، كان رياضيا ولاعبا لكرة القدم، ينزع عمته، وينطلق في أرض الملعب الواسعة يشاكس الكرة و يداعبها بساقيه الطويلتين.

منذ أن وعيت.. وخطوت في شوارع طرابلس الواسعة منها والضيقة، كان الشيخ محمود صبحي هناك.. أرى قامته من حين لآخر فلا أملك إلا أن أحترمه.. لكنني لم أره عن قرب إلا حين أسست مع والدي مكتب “المقهور وشركاه” للمحاماة، حينها رأيت وجهه المغضن ونقوشه المفصلة الدقيقة ولحيته الناصعة بياضا، التي تنم عن تاريخ طويل يسبق مولده ويستمر إلى مابعد وفاته.. تاريخ المدينة.

ازدحم تاريخ الشيخ محمود صبحي بالأحداث حتى أصبح يؤرخ لحقبة مهمة من تاريخ ليبيا بأسرها، وهو تاريخ يصعب اليوم تناوله بموضوعية بسبب ما تعانيه ليبيا من تشويه متعمد بمعاول هدم من ابنائها الذي نعرف بعضا منهم… لذلك لا يمكن اليوم تناول السيرة الزاخرة للشيخ محمود صبحي ومواقفه دون تناول سيرة مدينة طرابلس.

ورغم ماقاسته ليبيا في تاريخها الحديث، إلا أن رجالا كالشيخ محمود صبحي والاستاذ عبد العزيز الزقلعي وغيرهم شكلوا العروة الوثقى وحافظوا على نسيج ليبيا الاجتماعي رغم تقلب السياسة وما أتت به من اهوال.

خسر الشيخ محمود صبحي انتخابات مجلس النواب لعام 1964 بسبب ماطالها من تزوير، وهو الذي انتخب في دورتين سابقتين (1956/ 1960)، فخرج صاحب العمة المهيب مع آخرين بفعل عمليات تزوير ممنهجة برعاية وزارة الداخلية آنذاك.. ولم يستخدم الشيخ محمود صبحي نفوذه الاجتماعي وشعبيته في وسط طرابلس لخدمة مصالحه رغم الظلم الذي وقع عليه، وكان همه الأول والأخير المحافظة على نسيج طرابلس أولا، بعيدا عن عواصف السياسة.

فكانت مواقفه الوطنية حينما نجح في الوصول إلى المجلس التشريعي تحت قبة البرلمان ولم تكن خارجه، وهو يصيح ورفاقه في المعارضة ضد اتفاقيات القواعد الاجنبية مطالبا برحيلها عن تراب الوطن، ويرأس لجنة مساعدة الشعب الجزائري ضد الاستعمار.

كان مسالما، يستخدم أدوات السلم لامتصاص العنف، فالسلم يصعب عليه مواجهة العنف لكنه يمكن له أن يخفض من وتيرته كما يمكنه أن يمتصه.. لذا كان شعار الشيخ محمود إشهار أدوات السلم والمدنية والحضارة واعلائها في مواجهة العنف والمصالح والفساد والتطرف.

كان مقاوما بالموعظة الحسنة والكلم الطيب، وكان في سلوكه القويم ما يعطي دروسا لكبار القوم  ممن تجردوا من حب الوطن وافرغوا خزائنه، وتسلطوا من خلال كراسيهم، ودروسا لعامة القوم في التواضع والسلوك القويم، وحب الناس والتعاطف معهم، والانغماس في مشاكلهم، وإعانة الضعيف، واحتضان المكلوم، والاعتماد على النسيج الاجتماعي للم الشمل. فكان جامع ميزران قبلة أهل طرابلس، ينعمون فيه بوشائج اجتماعية.. كان يحضر” فواتح” الشباب ويدعو لهم، فالفاتحة تزدان بحضور الشيخ محمود، والعائلة تفتخر بإمهاره على عقد القران..وكان مسؤولأ عن وقف جامع التوغار في سوق الثلاثاء، فخورا بدوره في تعليم الطلبة في المدرسة التابعة للجامع والمجاورة له…. كان مسؤولا عن كل صغيرة وكبيرة فيه، بهدف إخراج نشئ صلب العود كعوده.

كان مستقره في شارع ميزران لا يبرحه إلا فيما ندر، يجلس مع “أهل الشارع” أمام دكان “الحاج محمد الغالي”.. وهي عادة يعتمدها كبار القوم الطيبين ترسي مبادئ التواضع والتقرب من الناس والعيش بينهم.. لا فواصل ولا حواجز في الشارع.. كان تواجده وغيره من أقطاب المدينة على الرصيف يضفي أهمية على المكان ويجعل منه منارة ثقافية في إطار شعبي حميم. كان والدي رحمه الله يجلس في دكان نجار قريب من مكان الشيخ محمود، يقع ما بين شارع ميزران والطنطونة مع عمي إبراهيم المقهور رحمه الله وأصدقاء آخرين، فيلتقيان احيانا.

وكلما زارنا الشيخ صبحي في مكتبنا في الظهرة، وكانت زيارات متباعدة لكنها لم تتوقف حتى بعد وفاة والدي رحمه الله، يحكي لي بغبطة عن وقف التوغار..وعن الطلبة…كان دائما على عجلة، قليلا ما يجلس إن جلس، عدوا للكسل، كثير المشاغل لغيره، بسيط التعامل، محترم، عفيف اليد، فتشعر بأنه أب المدينة وإننا كلنا أولاده..

ما أن يدخل المكتب حتى يتنحنح وهو متجه بخطوات سريعة لمكتب والدي، يغبط به والدي، ويصيح بي أن أحضر للسلام عليه ” الشيخ محمود آنسك”، يبتسم الشيخ ويصافحني بيده وعينيه الضاحكتين.. اختفي سريعا لأن الشيخ سرعان مايلتفت لوالدي موجها اليه حديثه..كان والدي يرى في حضور الشيخ محمود علامة على السيرة الطيبة لعمله ومهنته، لا يزور الشيخ محمود إلا الاشخاص الذين يحترمهم، يودعه والدي عند الباب ويخرج معه إلى شارع خالد بن الوليد ويطمئن على أن هناك من أتى لنقله، فالشيخ لا يحب قيادة السيارة ويعتمد على أولاده أو مخلصيه أو على قدميه.

الشيخ محمود تبوأ مناصب لكنه سرعان ما زهد فيها، أشتهر بسرعة الإستقالة من المناصب والابتعاد عنها، مواقفه المعلنة اقل بكثير من مواقفه الشجاعة غير المعلنة، حمل هموم الناس ومشاكلهم، يجلس وسطهم ويستمع لشكواهم ويقدم حلول لها او يأخذ بمظالمهم ومطالبهم لتلبيتها.

همه الاول المحافظة على نسيج طرابلس من أن تعبث به أيادي الساسة او تظهر حشرة تتكاثر بين خيوطه.. يجمع الناس، يؤمن باحترام القضاء.. وقد عشت معه قصة مؤلمة كان فيها مواطنا حقيقيا كالآخرين يتألم لكنه لم يخرج عن قواعد المواطنة ويحترم القانون و حكم القضاء.

اتصلت به مرة واحدة أنشد استشارته في وقائع تزوير انتخابات ترشح والدي عن محلة الظهرة في ذات العام الذي ترشح فيه الشيخ صبحي عن محلة ميزران، حيث جاء من تناولها بغير الحقيقة في كتاب نشر أنذاك، فجاءني على عجل إلى المكتب  وقدم لي الرواية الصحيحة لوقائع التزوير وحكى لي عما جرى له ايضا، الأمر الذي تأكد لي من خلال وثائق عثرت عليها في مركز جهاد الليبيين ونشرتها في مقال طويل في العدد الأخير من صحيفة الشاهد التي كانت تصدر عن رابطة الكتاب والادباء والتي تم أغلاقها.

زرته قبيل وفاته في بيته المتواضع الذي لم يبارحه، في وسعاية التوغار مهد جده لإمه، ذهبت صحبة خدوجة إبنة أخيه، واستقبلتنا ابنته البارة سعاد أحسن استقبال.. كان الشيخ محمود قد وهن جسده لكنه مايزال مرفوع الرأس صلب العود ينزل درجات منزله ويركبها.. جلست إليه وحكينا في شؤون يحبها أهمها الشأن الطرابلسي والثقافة ووقف التوغار وجامع ميزران.. أراد النزول معي فرفضت.. خرجت من بيته للساحة فشعرت بأن بيته هو بيت أهل طرابلس جميعا.

رحل الرجل الذي كان يخيط النسيج، يرتق التمزق ويعيد نسجه، يعقد الخيوط بعناية ولا يستخدم مقصا في عمله هذا.. بيديه التي يبللها عرق عمله كان يجعل القماش رطبا.. رحل رجل طرابلس، فتمزق نسيجها وجاء من بين ظهرانيها من يثقب النسيج، ومن يبحث عن الثقوب ويزيدها اتساعا من بين أهلها، ويستخدم الدين والتطرف ومقولات تتكرر وصور لشهداء اسلموا روحهم من اجل ان تزدان ليبيا بالخير والمحبة.. ففرق بين ليبي وآخر، وحرم ليبي دون آخر، وأغدق على ليبي وحرم آخر، ومزق النسيج حين فضل عشيرته وقومه ومدينة نبت فيها أهله لكنه عاش في طرابلس..ولاحق الليبي واختطفه من أحضان أهله، وعذب الليبي ونكل به، وقضى على قوت يومه، وهجره ولاحقه حتى ترك له طرابلس بأكملها، ونشر الرعب في القلوب فزاغت العيون، وزحف المرض في جسد أهلها فمنهم من أسلم الروح، واقتنص سكانها الآمنين وهم يسيرون في مواكب سلمية…تمزق النسيج الاجتماعي فتمزقت طرابلس.. جف القماش واحترقت أطرافه بالحقد والانتقام.

لم يكن الشيخ محمود صبحي مهادنا لكنه كان مسالما، حافظ على مدينته من العبث والحقد والتطرف، وجنبها الانتقام والغلو.. الشيخ محمود وأمثاله من مدينتي التي تعيش اليوم أحلك أيامها ظلوا ينسجون حتى اتسع النسيج ووسع ملايين من سكان المدينة البيضاء، فما بهؤلاء يمزقون نسجينا وما بهؤلاء يحرقون أطرافه.. وما بهؤلاء يدوسونه ويعفرون سطحه حتى تخللته حشرات تتغذى عليه… وما لهؤلاء إلا أن يغادرونها قريبا…

هيثرو/ الخميس/ 30 اكتوبر 2014

مقالات ذات علاقة

أحمد الحريري.. «صائد الرياح مات»

أسماء بن سعيد

الشاعر الغنائي يوسف بن صريتي

محمد العنيزي

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (20)

حواء القمودي

اترك تعليق