سرد

الشـكـيـمة

(فصل من رواية جديدة)

 

عندما يضعون في خطمي شيئا قاسيا استسلم وانصاع وأنطاع لهذا الشيء ·· يجذبني من يمين أتيمّن ··  من يسار أتيسّر ·· يجذب الحبلين أو الشريطين أتوقف ·· يطلقهما ويهزهزهما فأسرع الخطى ·· يجذبهما فجأة وبعنف فأشب إلى أعلى حتى أكاد أقف على قائمتي الخلفيتين ·· حين تكون الشكيمة في فمي أعجز عن الصهيل ·· لا أصهل حتى تُزال من فمي ·· وعندما يضعون رأسي في كيس العلف ·· لا أصهل أبدا حتى يزيلون كيس العلف من عنقي وحتى أرتوي من الماء وسيكون صهيلي عذبا  لو أن الماء ماء غدير يبلل حوافري المهترئة قبل خطمي وسيكون جميلا أيضا لو أنه بعد الارتواء أرى فرسا تتمضغ وتهشهش بذيلها ·· سيكون صهيلي شجيا جدا ·· جدا  جدا ·· يطرب القاصي والدان ·· ويجذب عشاق الفن من تلابيبهم ·

الشكيمة في فمي ·· طرفاها في أيدٍ ليست لي ·· يداي أركض بهما صحبة رجلي ·· بطريقة العسكرية القذرة ·· الرِّجل اليسار مع اليد اليمين والعكس ··  لم أعد أصفق ·· لم أعد أضغط على الزناد ·· لم أعد أسبّح أو أُشهد ·· لم تعد لي أصابع أضع في بنصرها دبلة حب ·· لقد كلست الشكيمة فيَّ كل شيء ·· أحالت أصابعي إلى أظافر متبلدة  ·· لا تحس بخشونة الحجر ولا بوخز الشوك وهي تركض ·· أنا حصان بشري ·· لا أختلف عن حصان الحيوان بشيء إلا بشيء واحد ·· وهو الذيل ·· ذيله يهش وينش ·· وذيلي لا يفعل ذلك ·· لقد عقد صلحا مع ذباب العالم ·· قرر أن يتركه يقتات ولا ينهره أو يطرده ·· كل ذلك من أجل أن أصطاد ذبابة ·· أضع في فمها الشكيمة التي في فمي  وأتركها تطير بي إلى أماكن سعيدة ·· إلى جنة الذباب الطنانة ·· حيث لا مبيدات حشرية ·· ولا مراوح كهربائية و لا نشاشات سعف خشنة ولا ذيول حمير أو بغال أو خيول أو بوبريصات ·· هناك سأستريح مرحا ·· سأمارس صهيلي العذب ·· سأغني للذباب وأرقص له وأقول له ا طيّح اسعدك ا بصرك ضعيف ·· نظرك أحول ·· عيونك قذرة ··  فارزة  لخزان من الطمز اليابس الكثيف  ·· أنا بشر ·· ليس لي ذيل ·· لكنه خُيـِّل لكم أنه لي ·· في جنة الذباب سأعيش عاريا ·· أقضي حياتي كلها في الطيران ·· في التنزه في حدائق وأزقة السماء ·· أحط على وجوه مجاعاتها ·· أتسكع في مكبات قماماتها ·· في بحيرات قيئها ·· وإذ باغتني الغبار بهجوم خانق ·· أندس في أول مغارة مروّقة  بذيل نشط ذي سبيب ناعم  حتى تهدأ العاصفة  ·

لم أصطد الذبابة التي تنقلني إلى السماء ·· حاولت مرارا وفشلت ·· الذباب ذكي وماكر  جدا ·· أذكى من طاغية وأمكر من عاهرة مزاجها قلق ·· يطير في اللحظة التي تود أن تغرر به فيها ·· لديه معاهدة شرف مع الزمن ·· لديه عيون في جيش الزمن تنذره  بالعملية التي تستهدفه قبل وقت كاف ·· استخدمت معه أنواع عدة من الشكيمات وفشلت جميعها ·· يلحس ما عليها من سكر ناعم وقطرات عسل ولا يدخل فمه فيها ·· استخدمت معه صاولة رعاة بقر أيضا فشلت ·· عندما رميتها نحوه انحشر رأسه في حلقتها وأثناء جذبي له رأيت أنها تحولت إلى مشنقة ·· وأن روحه ستزهق حتما ·· فرميت الصاولة القذرة على الأرض نصرة للحياة وتكفل بقية الذباب الناجد بتخليص رأسه منها ·

الشكيمة في نسنوستي مؤلمة ··

لا تتركني أتكلم ··

لا تتركني أضحك ··

لا تتركني أغني ··

لا تتركني أمضغ ··

لا تتركني أعض ··

لا تتركني أعطس ··

تتركني فقط أبصق ورأسي إلى الأرض ·

أتمنى أن أبصق ورأسي إلى الوراء ·· لكن سائس الشكيمة لا يمكني من ذلك ·· كل طرف منها في يد ·· يجذبه قليلا لمدى الانعطافة فقط  ·· لا يجذب طرفا واحدا بقوة يمكني من الالتفات ·· لا يريدني أن أرى طريقة مسكه للشكيمة ·· استراتيجيته في سوسي ·· سأظل أركض حسب إرادة الشكيمة ·· أتوقف إن رغبت ·· أمشي إن حلى لها ·· رأسي ينظر إلى الأسفل ·· إلى سماء التراب ·· إلى سماء سأدوسها بعد خطوة واحدة جديدة ·· سأدوسها بحوافري اليابسة ·· التي ستحرثها قليلا ·· وسأتبرز عليها شعيرا غير مهضوم ·· فينبت سريعا ·· مخلفا في الوراء الذي لا أراه سنابل وظلالا ومدنا جديدة خلقتها مؤخرتي ·

الصوت يلسع ظهري ·· الشكيمة تلهب فمي ·· لا خيار لي إلا الامتثال ·· أركض على الإسفلت ·· على الطين ·· على الحجر ·· على الوحل ·· على التراب ·· بطني لا تهضم الشعير جيدا ·· لا تتركني الشكيمة أهنأ على طعامي ·· أمضغه جيدا ·· استمتع بلذة حياته وطزاجته ·· لا تترك فمي إلا وقتا ضئيلا ·· غير كاف للهضم ·· يظل الشعير في معدتي بحبوبه ·· لا يتدشدش أو يذوب إلا قليله ·· أتبرزه على هطلات بطيئة ·· يستمتع التيس  العربادجي وهو يراها تخرج من صرمي على مهل ·· العربادجي به نزعة لوطية ·· لا يسوطني بالسوط السوداني أثناء تبرزي ·· يطبطب على فخذي وظهري بحنان ·· وقد يسند خده على وركي مغنيا :

”يا لو تعطيني مرّة ·· حتى من برّة لابرّة ” ·

الروث  يترك ورائي مسربا من شعير ·· أحسه ينبت خلفي ·· ينتج سنابل سمينة ·· تحصدها الناس وتطحنها لتتناولها خبزا مع الحساء أو بازينا يابس القبّة ·· العربادجي يجذب الشكيمة ·· أتوقف وأسأله بذيلي ·· فيقول لي أنا برئ ·· أنا عبد مأمور ·· أنفذ أوامر شكيمية ليس إلا ·· أنا نفسي في فمي شكيمة ·· بواسطتها امتثل للأوامر ·· أجعلك تسرع أو تبطئ ·· تشبع أو تجوع ·· تجر عربة أو يمتطيك صيني أصفر ·· أوقات قليلة جدا أشعر فيها بالسعادة ·· عندما آخذك إلى البحر لتستحم وتداعب خصيتيك الأسماك الصغيرة والحلازين الباحثة عن مأوى  وأهرش لك ظهرك وصدرك وبطنك وكفلك  وخلف ذيلك بليفة خشنة ·· أو عندما أقدّم لك العلف بحرية ·· ليس في كيس خيش يعلق في رقبتك الجميلة ·· إنما في وعاء نظيف إلى جانبه جردل ماء ضخم ·· أو أيضا عندما أراك تصهل بقوة ·· وتضاجع  فرسا شقراء أو بيضاء أو بلون الحناء ·· أو تضاجع حتى بغلة مغناج مقبولة الشكل رمت بها صُدفة الحظ  إلى طريقك ·

أحاول أن أزيل الشكيمة من فمي ·· لكن ما إن أمسها حتى أشعر بصعق الكهرباء ·· بلهب النار ·· الشكيمة  – عليها اللعنة –  محروسة بشكاكيم أخرى ·· كل كائن في خطمه شكيمة يتحكم فيها آخر ·· قطار متصل من الشكاكيم ·· اختلطت الشكاكيم في بعضها البعض ·· لم نعد نعرف من هو المسيطر على أم الشكاكيم أو أصلها ·· من هو الممسك بالشكيمة النواة ·· وحتى إن عرفناه كيف سنعرف أنه هو ذاته ليس في فم إرادته  شكيمة  ·· دعونا نفكر قليلا ·· نفكر بحرية وليس بطريقة مشكومة ·· لكن لن نجد الوقت ·· الحمار محمل بالملح ·· إرررررررررررررر  أيها الحمار المرح ·· لابد أن نصل بأكياس الملح إلى الحديقة لتصديرها ·· ليس معنا قماش مشمع لنغطيها من المطر ·· لكن الآن صيف ·· ولا مطر في الصيف ·· قلت لك إرررررررررررر يا حمار ·· خلينا أصحاب ·· تحرك بالتي هي أحسن قبل أن أنغزك بهذا المهماز  حاد الرأس ·· الشكيمة التي في فمي قالت لي توقع ·· لا تترك شيئا للصدفة ·· ربما شكيمة السماء تفعلها فجأة فتسكب شآبيب غزيرة ·· إرررررررر أيها الحمار العزيز ·· وكلمة عزيز عزيزة على لساني لا أخاطب بها إلا من أحبهم من القلب ·· فإرررررر الآن يا صديقي وألف إررررر ·· لا تحرجني معك ·· لا تنس أني أتحكم فيك ·· وقد لا أطلقك مجددا تضاجع حمارة الجيران تأديبا حازما لك ·· الحمير لا تتأدب جيدا إلا بشكم ذلك الشيء ! ·· بعد أن تفرغ الحمولة سأتركك تلعب وتنهق وتبرطع وتضرط وتتمرغ على نجيل الحديقة الندي ·· سأتركك تُسمع غناءك لكل أتُن المدينة وجحشاتها العذارى الجميلات ·· سأتركك تعبّر كما يحلو لك ·· تمارس ديمقراطية النهيق على راحتك ·· سأنزع الشكيمة من فمك كي ترتاح ولا يسيل لعابك أكثر ·· أعرف أنك لن تهرب لأنك تعزّني ولا تحتمل أن تورطني في مشاكل مع مسّاك شكيمتي ·· أو بالأحرى أعرف أنك لن تهرب لأنك أدمنت على هذه الشكيمة ·· لا يمكن لك الحياة بدون مسيطر مادي أو معنوي ·· أنت حمار ضعيف رغم أنك تجر قناطير مقنطرة من السلع ·· ورغم أن رفستك تقتل جملا ·· ففي الصباح عندما تستيقظ لن تفعل أي شيء ·· ستتأكد أولا بواسطة أسنانك ولسانك وشحمة أنفك وأذنك من وجود الشكيمة في فمك أو بالقرب منك كي تلبس فيها خطمك طواعية ·· عندما تجد الشكيمة في فمك أو نافذتي أنفك المخننتين  أو معلقة قربك تشعر بالراحة ·· تشعر أن الدنيا بخير ·· وأنها تسير بصورة طبيعية ·· تلقائية ·· كل جزء فيها يقوم بدوره المرسوم له ·· بكل دقة ·· ستشعر بالسعادة ·· وتستأنس بالرتابة ·· وتعلم أن الثورة التي ستطيح بالشكاكيم لم تقم بعد ·· وبأن المصلحين المختفين لم يهبطوا من السماء أو ينبجسوا من أعماق الأرض بعد ·· وبأن الأمل مازالت خزائنه لم تنفد ·· ومازالت الحياة تقتات على خبز رجائه ·· ستنطلق نشطا تجر العربة إلى كاوة الملح ·· يُحمّلها الكادحون بالملح سريعا وعلى ظهرك وراء البرذعة يضيفون  كيس ملح زيادة كدليل على التضحية والتفاني من قبلك ·· سينغزك العربادجي الذي يقودك بعود زيتون مدبب قرب خصيتيك لتنطلق بالحمولة نشيطا غير متذمر ·· تنطلق بها وأنت مثل الحمار الطيب مستمتعا بغناء الألم ·· ستجر العربة سعيدا لأن الأمور تمام التمام ·· لم تتغير ·· باقية كما هي عليه بالأمس ·· كل فم به شكيمة يجذبها آخر إلى مزاج هدفه وغايته ·· الكل يجذب الشكاكيم إلا أنت أيها الحمار الغالي ·· فلا زمام في يدك ·· أم أنك تجذب شكيمة سرية لا نراها ·· مجازية مثلا

·· إررررررررررررررررر  ·

مقالات ذات علاقة

الأبراج الليبية

محمد النعاس

الكامبو والجامع والخميسية

المختار الجدال

رواية الحـرز (11)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق