النقد

الشعر والجمهور

يحلو لكثير منا ـ نحن الشرقيين ـ في مناسباتنا الخاصة والعامة أن نحلِّي حديثنا وندعم أفكارنا بنص من النصوص التراثية ، وغالبا ما يكون النص آية من القرآن الكريم أو حديثا نبويا أو جملة من خطبة أو مثل سائر أو بيت شعر، وسأقف في هذه المقالة عند الشعر الذي يحلو لمحبيه أن يستشهدوا به في مجالسهم لتأكيد فكرة أو رأي ، فقد رأيت أن الذاكرة العامة لا تستدعي إلا الشعر الكلاسيكي ، وأعني به الشعر المنظوم في الأوزان الخليلية ، ولا أذكر أن أحدا من الناس استشهد في حديثه بسطر أو أكثر من الشعر الحديث ، وأعني به شعر التفعيلة وقصيدة النثر .

ومنذ أيام كتب أحدهم مقالة مؤثرة بثَّ فيها لواعج حزنه على وفاة زوجته ، وحين ذكر الصبر وبكاء العينين استدعت ذاكرته نصوصا شعرية كلاسيكية لمحمد بن عبيد الله وجرير والعباس بن الأحنف وشوقي ، وتساءلت حينها : لماذا لم تستدعِ ذاكرة الرجل نصا من نصوص الشعر الحديث ؟ .

وبالطبع أنا لا أعجب ولا أستغرب أن يستدعي أحدنا في مناسبة خاصة أو عامة نصا من الشعر الكلاسيكي ليؤكد به رأيا ، أو ليكون معبِّرا عن مشاعره وخواطره تجاه حدث أو موقف ما ، فالشعر الحديث معظمه لا أراه يصلح للاستشهاد به في مناسبات الفرح والحزن ، فكلما فرحنا أو حزنا ـ نحن المهتمين والمسكونين بالأدب ـ يستدعي وعينا على الفور نصوصا شعرية تراثية ، لأننا نحس أنها الأقرب إلى النفس ، وأنها المعبرة عما فيها من خواطر ورؤى .

لكني أذكر أن سطورا من شعر السياب وردت على خاطري ، وتمنيتُ أني واسيت بها صديقا محبا للشعر، فقد وحيده في حادت سير .

قال السياب وهو يعاني الآم المرض وقسوة الفقر والحرمان ، وقد تبدت أمامه صورة النبي أيوب يناجي ربه :

لك الحمدُ … مهما استطال البلاءْ
ومهما استبد الألمْ
لك الحمدُ … إن الرزايا عطاءْ
وأن المصيباتِ بعضُ الكرمْ

لم أذكر لصديقي المكلوم هذه السطور، عدلتُ عنها ، مع أنها موزونة ومقفاة ، لكن توزيع تفعيلتها ( فعولن ) غير منضبط وفق نظام الشطرين ، لذلك فضَّلتُ أن أواسي صاحبي بيت شوقي الشهير :

دقاتُ قلبٍ المرء قائلةٌ لهُ
إن الحياةَ دقائقٌ وثواني

وأظن أن تجاهل الذاكرة العامة لمعظم الشعر الحديث وعدم الاستشهاد به في مواقف وأحداث معينة ، يعود إلى طبيعة هذا الشعر ، فمعظمه لا يمكن أن تستسيغه الذاكرة وتحتفظ به ، وذلك بسبب عدم انضباطه في إيقاع ظاهر ومألوف، فلا شك أن الذي ساعد على حفظ الشعر القديم وعلى تردده من جيل إلى جيل هي أوزانه ، فلولاها ما وصلنا منه إلاَّ القليل القليل .

كما أن لغة الشعر الحديث تميل إلى الإبهام والتشويش ، فأكثر قصائده تأتلف فيها الكلمات وتتضام مع بعضها بصورة غير مألوفة كما هي في العرف اللغوي السائد ، وهو ما أدى إلى غربته وعجزه عن التواصل مع الجمهور .

وكيف بربك يتفاعل الجمهور مع مثل هذه السطور :

وداعاً يا أنقاضي دمية تدخل بغتة من النافذة

تحمل الجدران الأربعة

وتمشي طفل يتدحرج على زمرِّد الشوك

يعلق أهدابه على الشجر كالمناديل

وفي الحجر يستريح

بيت يحضن دفتراً ويركض حافياً إلى المدرسة

كتاب يضع نظارة

يربي الأرانب ويدرب العصافير على المهن الحرة

وداعاً يا أنقاضي

إن قارئ مثل هذا الشعرـ أياً كان مستواه وقدرته على تذوق الشعر ـ سيقف حائرا ، وسيتساءل بمرارة هل هذا حقا شعر ؟ أم سيناريو لفلم كرتون ؟ ، وهو معذور لأن السطور صيغت بلغة سوريالية مشفرة لا يستطيع فك شفرتها إلا الشاعر نفسه وهو أدونيس ، ولكن أدونيس عادة لا يأبه بشكوى قرائه ، فهو يلومهم لأنهم في نظره يريدون أن يفهموا ما تغير بعقلية لم تتغير .

وجملة القول إن معظم النتاج الشعري الحديث يحلق في الفضاء البعيد ، خارج المدار الذي يعيش فيه عامة الناس ، فهو ـ كما يبدو ـ شعر النخبة والإنتلجنسيا ، مع أن بعضا من نصوصه تكتنز دلالات جيدة ، يمكن الاستعانة بها ، واستعمالها شعارا في مظاهرة أو مسيرة جماهيرية ، ولا أدري لماذا لا يخط شباب الانتفاضة جملة مختزلة معبرة كجملة الشاعر محمود درويش ( سجل أنا عربي ) ، ويرفعونها من بين ما يرفعون من شعارات ، ولطالما تمنيت أن أرى لوحة في مظاهرة ضد إسرائيل مكتوب فيها مقطعا من قصيدة ( ارسم شجرة ) للفنان المبدع ناجي العلي يقول فيه :

لا تساومْ

ارسمْ … وقاومْ

فان منعوا عنك الغذاء ارسم بستاناً

وان منعوا عنك الدواء ارسم وطناً

وان منعوا عنك الهواء ارسم فلسطين

مثل هذه النصوص ينبغي أن تكتب بماء الذهب وتعلق في الميادين العامة ، وذلك لأجل رفع مستوى الذائقة الفنية عند الجمهور ، وبهذه المناسبة لا بد أن نتوجه بخالص الشكر إلى الفنان الليبي محمد حسن الذي لحَّن وغنى قصيدة ناجي العلي، وإلى الفنان المبدع مارسيل خليفة الذي استطاع أن يقرب قصائد محمود درويش من الذائقة العامة ، وإلى كل فنان مبدع يتذوق الشعر العربي الحديث ، ويحيله من شعر منزو بين دفتيْ ديوان إلى لحن رائع تردده الجماهير .

مقالات ذات علاقة

نص الطفولة الشاعر الليبي: علي صديق عبدالقادر

أحمد الفيتوري

(الحرباء) لأحمد يوسف عقيلة

عبدالله الشلماني

الشعـرُ والمنطق

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق