الجمعية الليبية للآداب والفنون.
متابعات

الشعر في يوم عيده

لا تكتمل فرحة مناسبة اليوم العالمي للشعر إلا بالإنصات للشعر ومشاطرة العالم هذا المُشترك الإنساني , وكما عودتنا الجمعية الليبية للآداب والفنون لم تفوت فرصة مرور هذه المناسبة دون أن تشارك في الأحتفاء بها والتذكير بقيمتها واهميتها لترسيخ مبادئ التسامح والتعايش السلمي ونبذ التطرف وانفتاح الثقافات على بعضها البعض , ويأتي احتفال هذا العام بالشعر في هيئة استدعاء للموروث الشعري الليبي ممثلا في قراءة شعر ابرز رواده الراحلين بعد أن تركوا ما يشيد بجهودهم واجتهاداتهم في إثراء المدونة الشعرية الليبية وإغناء الوجدان الوطني والتأسيس للذائقة الجمعية , وكانت الجمعية قد شاركت العالم احتفالاته بالحدث خلال السنوات الثلاث الماضية التي بدأتها بتنظيم امسية شعرية للشعراء الشباب سنة 2017 م ثم ألحقتها بأمسية شعرية عامة شارك في تأثيث مساحتها الزمنية ثلة من الشعراء المتواجدين في الساحة اليوم باختلاف طرق تعاطيهم مع الكتابة الشعرية , وأخيرا نشاط شعري مكثف أُقيم في مارس من العام الماضي على فترتين صباحية ومسائية , حيثُ استمعنا إلى ما تيسر من شعر شاعرتين لهما مكانتهما في الساحة الشعرية وتابعنا جلسة نقدية تناولت بالتحليل تجربة الشاعر الراحل علي صدقي عبدالقادر واضاءت الكثير من جوانب تجربته الثرية .

ويأتي احتفال هذا العام ليسلط الضوء على بدايات الشعر الليبي في شكله الحديث وليرصد مراحل تطوره مع ثلة من الشعراء الراحلين , وذلك منذ انطلاقته الأولى التي لم تتوقف منذ ذلك الحين وما فتئت ترفد المشهد بشعراء جُدد ينظموا كل عام إلى من سبقهم من الرواد وما تلاهم من شعراء تنوعت اشتغالاتهم الشعرية وتعددت لتمنح المشهد ككل هذا الغِنى والثراء والزخم الذي نراه عليه اليوم , فإلى جانب الشعر المقفى والحر نجد قصيدة النثر التي استهوت الكثير من الشعراء لا سيما المتأخرين منهم , بل أنَّ هنالك من الشعراء المتقدمين مثل علي صدقي عبدالقادر من تعاطى كتابة الشعر بأشكاله الثلاثة , هذا ناهيك عن خوض الشعر في كل ما يخطر ولا يخطر على بال من موضوعات ومناسبات وأحداث وبوح ذاتي وترجمة للمشاعر .
التنويه بترجل أحد الشعراء الليبيين في المدة القريبة الماضية وهو الشاعر فرج أبوشينة والتذكير به وبمآثره الشعرية هو أول ما افتتح به الأستاذ ابراهيم حميدان الأمسية التي استُهلت بالوقوف دقيقة وتلاوة سورة الفاتحة على روحه الطاهرة وليهدي بعد ذلك هذا النشاط إلى الشاعر الراحل .

كلمة الجمعية التي أعدها وقرأها الناقد والكاتب الكبير أمين مازن أشادت بجهود أعضاء الجمعية ونبهت إل أهمية هذه الأنشطة المتواترة التي تنظمها الآن ومستقبلاً , خاصة وأنها بهذا النشاط الطموح تعمل على إنعاش الذاكرة وإبراز المحطات الجميلة للمنجز الإبداعي الليبي , وما تقوم به الجمعية في نظر الكاتب أمين مازن الذي تنقلت كلمته ما بين التاريخ والسياسة والنقد الأدبي قادر على البقاء وكسب الأحترام بهذه المراجعات الفكرية , كمت نوّهَ إلى أن ما سيُلقى لاحقا من شعر ليس إلا شواهد حفل بها ديوان الشعر الليبي الذي لا يمكن اختزاله في أمسية يتيمة , وعرّجَ الكاتب إثر ذلك على تاريخ الشعر بداية من الديوان الأول المطبوع للشاعر مصطفى بن زكري ووصولا إلى أحمد الشارف ورفيق المهدوي وحسن صالح والسنوسي حبيب ,مثلما لم يغفل عن إيراد ملاحظة مهمة تتعلق بزهد الشعراء الليبيين في الشهرة رغم خصوصية شعرهم وعدم اهتمامهم بمسألة تسويق شعرهم في المحافل العربية – كان هذا على الأقل قبل ظهور وسائل التواصل الحديثة – .
ولكونه صاحب قلم حقيقي وذو خبرة واسعة وأطلاع تم تكليف الأستاذ أمين مازن بإعداد كلمة الجمعية لهذه المناسبة , وهو بدوره ثمّنَ هذا الأختيار وشكر الجمعية لتكليفه بهذه المهمة .
عضو الجمعية أحمد غماري من جهته قرأ علينا كلمة رئيسة منظمة اليونسكو التي توضع كل عام أحتفاءً بالمناسبة وتُترجم إلى لغات عدة حتى يطّلع عليها أكبر عدد من المتلقين وهي لا تخرج عن كونها رسالة حب وتسامح وتذكير بأهمية الشعر لترجمة هذه القيم الإنسانية وغيرها إلى واقع ملموس , وعلى غير المعتاد احتوت الكلمة على قصيدة قصيرة عادت في نهاية الكلمة لتحليل عباراتها وشرح أبعادها الإنسانية , ونوهت الكلمة إلى ضرورة الشعر لصون اللغات المهددة بالأنمحاء نتيجة التغييرات المتسارعة والظروف التي لا تعمل في صالحها لتؤكد شعراً أن البشر أسرة واحدة ووجدان متحد , وتلك هي قوة الشعر التي تعول عليها الإنسانية .
هي شواهد ونماذج سيتم إلقاءها بما يتيحه الوقت المخصص ما سيُتلى تالياً , لأجيال مختلفة إحياءً لذكراهم واعتزازا بهم ومد لأواصر التواصل مع موروثهم الشعري .

شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي الذي وُلِدَ بفساطو بمدينة جادو في جبل نفوسة وهاجر إلى مصر ليواصل دراسته هناك قبل أن يعود إلى بنغازي ومنها إلى تركيا سنة 1934 ومارس مهن عدة في حياته واشتغل في وظائف متنوعة وتوفي سنة 1961 , قرأ له الأستاذ بدر الدين الورفلي قصيدة مؤثرة يقول في بعض نواحيها :-
رحيلي عنك عزَّ عليَّ جدا 
وداعا أيها الوطن المفدى 
وداع مفارق بالرغم , شاءت
له الأقدار نيل العيش كدا
وخيرٌ من رفاه العيش كدا 
إذ أنا عشت حرا مستبدا
طلبت العز يا وطني 
فأوسعني زمان السوء ردا
سأركب عزيمة حداء أمضي
أقد بها حجاب الغيب قدا
أبلغها وراء السعي عذرا
النجم صد عنها أو تصدى
ويا وطني وداعا من محب
يحير رأيه أخذا وردا .
ولينتقل إثر ذلك الأستاذ بدر الدين الورفلي لإلقاء قصيدة ” أم السعد ” للشاعر الوزير عبدالحميد البكوش :-
أوتحسب يا ولدي أني هاجرت 
أتظن أني ضقت بأحزاني 
ومللت هواجس جيراني 
وملامح صبية جيراني
لا ما هاجرت 
فخيولي لا زالت تصهل عن بعد
وجذوري عطشى يعصرها الوجد
وسيقبل عيد يا ولدي 
ما طال العهد
وأجيء بلدي مشتاقا في يوم الوعد .
سأجيئك يوما يا أمي 
يا ذات العينين السوداوان
يا أم السعد .
وهي كما نرى قصيدة تترجم غربة الشاعر وحرقة اشتياقه ومعاناته جراء إبعاده عن وطنه , وطنه الذي يتقلص بفعل الشعر حتى يتشكل بهيئة حضن حنون , بهيئة أم رؤوم .

القاص عبد العزيز الزني قرأ للشاعر ابراهيم الأسطى عمر الذي ولد بمدينة درنة سنة 1908 وتوفي سنة 1950 وعين قاضيا وأصدر دواوين عدة نذكر منها البلبل والوكر , ويعد من الشعراء المهمين في ليبيا , قرأ له قصيدة الفنان الصغير التي كُتِبت قبل 70 سنة تقريبا :-
لله أنت وهل لفنك يا مجاهد من نظير 
لا تخشى بأس الحياة , حياة أمنا وشعور 
وانظر إلى حال الأميرة لا تميل إلى الأمير
هامت بحبك لا لشيء غير نايك والصفير 
ورجوت قرب وصالها بالجاه والمال الكثير 
فإذا سهاد قلبها ملك لفنان فقير 
سر في طريقك فالشوك للورد نظير . 
هذا ما اسعفتنا به الذاكرة مما قرأه الأستاذ عبدالعزيز وما استطعنا تدوينه مباشرة من القصيدة
وكما حضرت درنة سابقا في أنشطة الجمعية حضرت هذه المرة كذلك والفضل في وضعها ببؤرة الأهتمام والحضور يعود لأبنها القاص والمسرحي عبدالعزيز الزني الذي كثيرا ما يتحدث عنها بحب ووله , وهذا ما دعاه بعد الفراغ من قراءة الرائية إلى تلاوة مقاطع شعرية قيلت في درنة من قبل الشاعر أحمد الحريري بالعامية :-
درنة مش محتاجة لشعري 
درنة آية منها فيها 
درنة حلوة وديما حلوة 
حتى في عيون عواديها 
وما نبي من درنة حاجة
غير نبوس علي يديها 
غير نبوس علي يديها .
وهي المقاطع التي قيلت عقب ما يشبه العتاب للحريري لأنه لم يكتب شعرا في درنة , حدث هذا في حفل تكريم الشاعر الغنائي فرج المذبل سنة 2007 تقريبا أو 2008 بحسب الزني , في درنة .
ودرنة تستحق أكثر من هذا الوصف وأكثر من هذا التكريم بالنظر إلى تاريخها وطبيعتها الساحرة وتضحياتها الجسام وشعراءها , وعلى ذكر الشعراء الذين يولدون شعراء بالفطرة في درنة , على ذكر الشعراء حضر الأمسية الشاعر عبدالحميد بطاو أصيل مدينة درنة الذي يكتب شعر الفصحى والعامية .

الراحل علي صدقي عبدالقادر الذي كان قد ولد سنة 1924 وتوفي في غرة سبتمبر 2008 وأصدر دواوين عدة مثل أحلام وثورة وصرخة وأشتهاء مع وقف التنفيذ وزغاريد ومطر , أختار له الشاعر خالد درويش الذي تقدم للقراءة نص كان الشاعر قد وضعه لرثاء صديقه عبدالسلام دنف المسلاتي , لنكتشف تبعا لذلك جانب آخر من تجربة الشاعر الذي امتلأت قصائده المتأخرة بالحب والسلام والضوء والورود والعصافير والفساتين والأساور والمطر والحدائق والأطفال والغيوم والشمس , لنكتشف نحن الذين عرفنا الشاعر متفائلا مبتسما مقبلا على الحياة مؤمنا بالحب والسلام , أنه ينطوي على طاقة حزن هائلة إذ نجده هنا حزينا متألما ملتاعا , جهة أخرى تماما في تجربة الراحل أخذنا إليها خالد درويش باختياره للقصيدة .
لنمضي إثر ذلك إلى شاعرين بينهما قواسم مشتركة وشبه كبير – أو هكذا رآهما مدير الجلسة , فالرقيعي الذي يعد من رواد القصيدة الحديثة وصاحب تجربة أحدثت فارقا وشكلت منعطفا في تاريخ الشعر الليبي والذي كان قد صدر له دواوين الحنين الظامئ و أشواق صغيرة وطبعت مجموعة من قصائده بعد وفاته قرأت له الإعلامية والإذاعية فريدة طريبشان صاحبة الصوت الفريد وبإلقائها الأحترافي والمتئد , قرأت له قصائد متوسطة الطول من ديوان أشواق صغيرة , وحال الأنتهاء من القراءة علق الشاعر نصر الدين القاضي الجالس مع الجمهور قائلا – ويعني القصيدة الأخيرة – كأنها كتبت الآن في إشارة إلى أنها لم تُكتب منذ سنوات طويلة وذلك من فرط تأثره بها وإعجابه .
والقصائد المقروءة لا تحتاج إلى شرح وتفصيل ذلك أنها وكما قال الحريري في مقام آخر , آية منها فيها , تنطوي على جماليات لا يعجز المتلقي البسيط والمتمكن من اكتشافها وتذوق عذوبتها . ووجب التنويه هنا إلى أن الشاعر كان قد توفي سنة 1966 بحادث مروري .
ومن الشاعر علي الرقيعي تنتقل الإذاعية فريدة طريبشان إلى عالم آخر , عالم محمد الفقيه صالح لتقرأ علينا مختارات من شعره قبل أن تتلو نص ” عناد ” الذي قام بإهدائه للشاعر الراحل أحمد قنابة , هذا النص الذي عكس تأثر الفقيه بالشاعر قنابة وبشعره , ويُحكى في هذا المقام أن الفقيه كان كثيرا ما يراقب قنابة في غدوه ورواحه عند خروجه من المكتبة التي كان يعمل بها وكثيرا ما تأمل خطاه , وانتشى بما قرأ له من شعر من الديوان الذي سارع باقتنائه حال صدوره وحال توفر المال اللازم . 

وعبر الشاعر عن حبه وإعجابه بشعر قنابة بأن قام بتضمين البيت الذي يعود له في نهاية قصيدة “عناد” وفيه يقول:-
ليبيا وطرابلس وبرقة وأختها صنوان 
مالت إليهما فزان .
وتبرز أول ما تبرز في قصائد الفقيه الأمكنة التي احتفى بها أيما احتفاء وأثث بها قصائده وكأنه يرد لها دينا سابقا وجميلا كانت قد قدمته له , ذلك أنه يتحدث عنها بحنو وبحب وبشفافية وحذر كما لو أنه يخشى عليها الخدش وكما لو أنه إذ يتحدث عن الأمكنة وهي الملمح الأبرز في شعره ولا يحتاج إلى كثير عناء للوقوف عليه كأنه لا يعني الأمكنة في حد ذاتها رغم أنها تستحق بل يعني الناس الذين عبروها وعبروا دروبها وعمروا دورها وحواريها وأحياءها المكللة بالألفة والود والدفء .
الشاعر رجب الماجري الذي راوح ما بين السياسة والمحاماة والشعر في حياته والذي ولد سنة 1930 وتوفي سنة 2012 وعين وزيرا للعدل ويلتقي مع عبد الحميد البكوش في تجربته المتنوعة أختار له الشاعر محمد المزوغي الذي تقدم لقراءة شيئا من أشعاره , أختار له قصيدة عنوانها , في البدء كانت كلمة , قبل ان يلقي علينا محاورة شعرية جرت ما بين الشاعر رجب الماجري والشاعرة العراقية عاتكة الخزرجي سنة 1965 ليختتم بنص أخير يبرز جانبا آخرا من تجربة الشاعر وهو شعر العامية الذي كتبه وبرع فيه كما برع في كتابة الشعر الفصيح إذ نقل المزوغي على لسانه الأبيات التي تقول :- 
ما كيف زينك في الصبايا كيف 
ولا في الملاحة جابها توصيف 
زينة سمحة قعدت أو راحت في لمحة .
وهي العبارات الغزلية التي قالت فأبلغت ووصفت فأوفت وأوجزت فأروت .
علي الفزاني صاحب التجربة العريضة التي لم تنال حقها من البحث والتحليل والتي تتميز بحمولتها العالية من الأسئلة المصيرية وتتغنى بغربة الإنسان في الوجود وتحكي وحدته ووقوفه حائرا أمام غموض الحياة أحيانا وضبابية المستقبل , والذي كان قد ولد سنة 1936 وتوفي بسويسرا سنة 2000 وساهم في تأسيس اتحاد الكتاب والأدباء وأصدر حزمة من الدواوين الشعرية التي جمعت في مجلد أعماله الكاملة فيما بعد مثل , أركض حافيا و القناديل الضائعة في المدن الوثنية , وغيرها .
قرأ الشاعر صالح قادر بوه مقتطفات من أشعاره أكدت الفكرة المعروفة عنه كونه شاعر الأسئلة الكبرى أضافة إلى استثماره لأدبيات تراث التصوف وهذا ما أوحت لنا به القصيدة التي تقول في بعض جهاتها :-
قلت للشيخ طريقي ضاع فأعدني
قال زدني
قلت يا شيخ أنا أحس عذاباتي وتجني 
قال زدني
قلت لا أقوى على البوح وإني
قال دعني .
شاعرين آخرين هما لطفي عبداللطيف المتوفي سنة 2006 وصاحب دواوين , دمعة الحاكي و قليلا من التعري و عيناك صورة للصدى و قراءة في كف سندبادة .

والشاعر جيلاني طريبشان الذي كتب المقالة النقدية والقصة القصيرة إلى جانب الشعر وصدرت له دواوين رؤيا ممر عام 74 و أبتهال للسيدة نون , ومؤخرا ديوان مكابدات بفضل جهود بعض محبيه , لهذين الشاعرين قرأ الأستاذ مفتاح قناو نصوص مختارة حيث تفضل بإلقاء نص ” قراءة في الأنا للطفي عبداللطيف وعبره يقول :-
أتهجاني نصا أفلت 
أسمع صوتي 
نصا أخفت
في التصريح وفي التلميح
وإني أوجد
في الحسبان
أتهجى في كف زماني 
خط العمر , سفرا
في قاع الفنجان 
خط وجود أو فقدان 
كي أقرأني فألا 
في برج الميزان أتهجاني سنة أولى 
جنحت 
عن كف النسيان 
سنة ترمز في تفسير الحلم الأول 
للحرمان 
حلما كان 
في مصباح علاء الدين وملك الجان 
أملا في بيت السلطان 
أقرأني في نص الآن
لغة تكتب بالكتمان
وتزرع
من حولي الآذان
أتهجاني 
سنة أخرى
ليست في درجات 
العمر
وأول أشهرها عصيان
قد أرفضها
وقد أحياها 
أجعلها للتخفيف من الأحزان 
سنة فيها 
قد أدري معنى إنسان 
أتهجاني نصا أفلت من سلطان 
نصا معجزة , برهان
يحيي الميت من مشكاة 
تكشف في حجب العنوان 
كي أتأكد من وجداني
هل ما زال كما كان .
في هذا النص الذي يتحدث فيه الشاعر عن أناه عن نفسه تظل القافية تستدرج الشاعر إلى سحرها ولم يتخلص منها إلا مع انتهاء القصيدة , وعلينا كمستمعين أن نتذوق القصيدة في سياقها الزمني والحضاري إذا ما أردنا أن ننصف الشاعر ونعطيه حقه وكعادته الشاعر في بقية قصائده يحرص على إضفاء مسحة غموض متعمدة تظل تحفز القارئ على التفاعل مع النصوص وقراءتها بانتباه .
ثم انتقل ليسمعنا نص ” من كف سندبادة ” من الديوان الذي يحمل ذات الاسم .
أما الشاعر جيلاني طريبشان فقد وفق الأستاذ مفتاح في اختيار أحد أجمل نصوصه قاطبة ونعني بذلك نص “مكابدات” الذي يترجم حرقة الشاعر وحيرته وقلة حيلته ورثاءه لنفسه وهو حي , النص الذي يحاول به أن يرمم ما تصدع من جدار روحه تحت ضربات الزمن وتصاريف الحياة , حيث الشعر وهو آخر أسلحة الشاعر لمواجهة الواقع الصلد يقف عاجزا عن إنقاذه مما هو فيه من حيرة وخيبة أمل وانكسار خاطر ووهن وضعف .
مكابدات –
ما الذي جئت تفعله في بلاد
لست تعرف فيها أحد ؟
لقد آن أن تستريح
فالدوائر ليست كما تتراءى الدوائر
والشوارع عامرة بالأفاعي
والبنات يداومن في الصبح في الثكنات
والقبائل تتهيأ للرقص .
نجلس الساعة في فندق
يطل على المتوسط
ليس فيه من بهجة النزل غير الضجيج .
وتستمر ملحمة الشجن والحزن النبيل مع هذه القصيدة حتى يصل الشاعر إلى آخرها الذي كثف فيه أشجانه وحيرته وهوانه على الناس قائلاً :-
أيها الشعر أسألك الآن
كيف تخبو الأماني الصغيرات ؟
هل ذبلت زهرة القلب
ايها الشعر آه لو جئتني قبل هذا السكون 
حين كان القميص مشجرا .
صديقنا الشاب المثقف الصغير نوري البوسيفي قدم مختارات لأثنين من شعراءه المفضلين هما سعيد المحروق ومحمد الشلطامي .

محمد الشلطامي الذي ولد سنة 1944 وتوفي سنة 2010 وأصدر مجموعة دواوين منها أنشودة الحزن العميق وأفراح سرية , أستمعنا إلى قصيدته ” الجبل ” والجبل هنا مكانا استعاريا ورمز للتأمل والمعرفة كما نوه البوسيفي قبل الشروع في القراءة :-
وصعدت جبل النار 
الذي يومئ للشمس 
بأطراف السحاب 
أبلغوني قبل أن أبدأ أن السلطة سوف تستاء
وأن المخبر السري والشرطة
والقاضي ومنظار الرقيب
والقاموس والجوع
وأشياء كثيرة
سوف تبدو بانتظاري
عند أقدام الجبل
وتعرت
داخلي كل جراحات السنين الماضية
والفراشات التي ترقص في قلبي
على ضوء الأزل
لك يا نار الجبل
أبلغوني أن ثلج الليل
والريح
وأشواك الطريق
وعذاب الوحدة القاتل والظلمة
والفج العميق
سوف تبدو لي مع كل الدروب
نصحوني
غير أن الجرح في القلب
تعرى
غير أن القلب أعماه الحريق
فيك يا نار الجبل .
وهي قصيدة طويلة أختار منها البوسيفي أكثر أجزاءها كثافة وعمقا والتزاما , ذلك أن الشلطامي لم يكن لينفصل عن واقعه وسيرته الشخصية وما تعرض له من محن .
ليتبعها بمقاطع مطولة من قصيدة المصباح التي يقول فيها الشلطامي :-
ها أنا أسألك الآن
فتعطيني القلق 
وأناديك في الظلمة أن تسكب لي شيئا من النور
فكأسي
طافح بالليل والظلمة
لكنك تعطيني الظلام
ومزيدا من الظلام
أتٌرى أني أخطأت الكلام
أم لذات اللفظ ضدان . .

اما الشاعر سعيد السيفاو المحروق المولود بمدينة جادو سنة 1946 والمتوفي سنة 1994 بعد معاناة مع العجز والمرض وكتب في الكثير من الصحف والمجلات الثقافية وأصدر كتب” أشعار كاتمة الصوت ” و ” قصص تراثية ” فقد أنصتنا إلى قصيدته ” السامر الوحيد “
تذكري أيتها العجوز
بأن السامرين غادروا
وانفض عنك مجلس الرواية
لأن ما يهم لم يعد 
يهم أو
لأن ما يقال , لم يعد
يقال أو
لأن ما حسبت أنه حكاية
لم يعد حكاية
لم يعد السلطان والجنية
لم تعد الجنية
فالسامرون انفضوا عنك يا روايتي
وغيروا مجالس الإنصات والرواية
لكنني أيتها العجوز
بقيت السامر الوحيد في مجلسك المهجور
لأنني
أحن إلى ما رويت قد جرى
من قبل هذه العصور
كأنما جرى لي قبل البارحة .
شاعرين ذاقا مرارة السجن وغربة الروح فكتبا ما يحسان وما يكابدانه في هيئة قصائد شفيفة تعكس تطلعاتهم إلى الحرية وتلبية نداء الأجنحة.
الشاعر حسن صالح, من مواليد قمينس 1934 – 1991 كتب قصائده الإنسانية عميقة المعنى وأفرد مساحات معتبرة من شعره للوطن وللحلم وللحب .
والشاعر السنوسي حبيب الذي غادرنا في 1- 4 – 2013 بعد حياة حافلة بالشعر والعمل وبعد أن أصدر دواوين , قريبا من القلب والمفازة وشظايا العمر المباح وأخيرا ” أتذكر ” الذي هو عبارة عن سيرة ذاتية وكتاب لملم فيه الشاعر كل حياته وأودعها أمانة في ذمة التاريخ .

ولأن الشاعرين سجينين سياسيين سابقين في عهد النظام السابق ولأنهما كتبا القصائد الملقاة في هذه الأمسية الإستثنائية داخل السجن وهو اختيار متعمد كما يبدو لي لأنه يبرز تجربتهما في أشد مراحلها توترا ومعاناة . فقد أُسندت مهمة القراءة لرفيقهما الكاتب رضا بن موسى حيث استمعنا إلى قصيدة ” طائر الحلم الجميل ” للشاعر حسن صالح .
كما استمعنا إلى القصيدة الأولى للشاعر السنوسي حبيب التي ولدت في السجن وبإيحاءٍ منه , ولأن لهذه القصيدة قصة فقد سردها علينا الأستاذ رضا وقرأ فقرات مطولة من كتاب ” أتذكر ” تحكي عن القصيدة إذ يقول الكاتب السنوسي حبيب :-
في اليوم الثاني من إقامتي الفردية في هذه الغرفة المجاورة لسجن النساء ونافذتها المطلة على عش الهدهد وأسراب العصافير وأرومات أشجار الزيتون المتبقية من مزرعة كانت هنا , في المساء حين بدأت العصافير تؤوب إلى أوكارها وأنا جالس في فضاء البلكونة الجديدة بدأت ولادة أول قصيدة لي في السجن .
هو الآن سرب العصافير
يحمل رائحة الحب ما بين سجن النساء وبيني
وأنتِ هناك رائقة البال 
لا تعرفين عن السجن وطعنة الغدر شيئا . . . 
لم يكن في حوزتي أي قلم ولم تكن ذاكرتي مدربة على الحفظ بحثت في الغرفة عن أي شيء يمكن الكتابة به , وحيث أن المبنى جديد ونحن أول من دخله فلم أجد سوى مسمار صغير رقم 3 بهذا المسمار وعلى الورقة الفضية لعلبة السجائر بدأت كتابة القصيدة حفرا , وبعد حوالي أسبوع وحين انتهت النيابة من التحقيقات الأولية أُتيحت لنا فرصة الألتقاء , أسمعتها للأصدقاء وكان الأحتفاء بها كبيرا كونها أول مولود أدبي لنا في السجن .
هو الآن سرب العصافير
يحمل رائحة الحب ما بين سجن النساء وبيني 
وانت هنالك رائقة البال لا تعرفين عن السجن
أو طعنة الغدر شيئا
وفي رنة الحزن في صوت السجينات
تمثلتك اليوم مشرقة الثغر
داعبني صوتك العذب , أيقظ 
في خاطري ألف ذكرى
وعصفورة يممت جهة الشرق
***
هو الآن سرب العصافير 
يعزف أنشودة الحب والأنتشاء 
وإني إلى جلسة صوب عينيك نهرا من الخمر أصبو . . .
الشاعر فرج أبو شينة الذي توفي مؤخرا كان حاضرا بشعره ليتوج هذه الامسية الشعرية حيث تفضل الأستاذ جمعة الدويب بقراءة باقة من شذراته التي اشتهر بها , ذلك أن الشاعر فرج أبو شينة عُرِفَ بكتابة قصيدة الومضة التي تختزل في مقاطعها القصيرة حمولة شعرية عالية وتكثيفا لا يقدر عليه إلا كل شاعر أصيل.
فرج ابوشينة الذي يبدو أنه كان يكتب الشعر ليراوغ الموت ويتخذ من الشعر وسيلة ليتشبث بالأمل رغم المرض الذي لازمه طويلا قبل أن يستسلم الجسد لضرباته الموجعة التي طالما تحملها الشاعر رغم المعاناة رغم القسوة .
وهذه بعض الشذرات التي ألقاها الأستاذ جمعة وفيها كما نلحظ اصطفت الحكمة جنبا إلى جنب مع الشعر والمعنى المخاتل والتكثيف .
مهن …
أُروض
أفعى الكلام
أُزاول 
تربية الأفكار
أُقلم 
أشجار الموسيقى
أُرشدُ
الظلال التائهة
أجني
محاصيل الكتب
حارسٌ
شخصيا للضحك
أمخضُ
الأسئلة
أرعى الخيال
في حقول بعيدة
وأعمل سفيرا للقلق .

” أسمع وأرى “
أسمع خشخشة حرب
في الخارج
امرأة تفتح باب السهو
كي تكنس المهازل .
أرى
جموعا من العناكب
في الزي الرسمي
تدير مكيدة .
” دمعة “
هاتيها 
هذه الدمعة
نضعها على المائدة
نوزعها بين الصحون
لا 
تتركيها بعينيك
وباب الشهية مقفل .
ومع انتهاء هذه القصيدة يعلن الأستاذ ابراهيم حميدان عن اختتام الأمسية التي شهدت حضورا مكثفا واستطاعت أن تحشد أكبر عدد من الشعراء في مكان وزمان واحد .
ومثلما لاحظنا فإن القراءات للشعراء سارت حسب تسلسلها الزمني أولا بأول إذ بدأت مع رفيق المهدوي لتنتهي مع فرج أبو شينة الذي توفي قبل أيام حتي يكوِّن المستمع فكرة ولو بسيطة عن الشعر الليبي ومراحل تطوره ويرصد تحولاته المهمة .

مقالات ذات علاقة

أمسية أدبية في وداع إدريس المسماري بالقاهرة

المشرف العام

الخُمس تدشن صرحها بافتتاح صالونها الثقافي

رامز النويصري

مصطفى الأمير كاتبا مسرحياً

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق