قراءات

الشعر طريق آمن

غلاف كتاب_في متناول القلب

عبد الباسط أبوبكر محمد هو أحد الأصوات الشعرية الشابة التي برزت أواخر عشرية التسعينات في المشهد الشعري الليبي , والتي كتبت قصيدة ناصعة في الحين الذي أتجه فيه بعض من تضمهم هذه العشرية إلى تعاطي قصيدة مشوشة وتعتمد الغموض الكامل , وتعثر البعض في تعاطي النثر وكتابة المقالة ولم يكتفي البعض بذلك حين أختار التأسيس التنظيري لعصبة هذه العشرية كمن يدافع عن قضية غير موجودة ويسعى إلى تنميط تجارب وأصوات دون موافقة أصحابها بدليل مسارعة نفر منهم إلى التنكر للنظريات التي أُقحموا فيها عنوة والتنصل من أي مسئولية تترتب عن ذلك مفضلين التريث ريثما تتضح الملامح وتتبلور التجربة وينضج المشروع , وحينها فقط يمكن الحديث عن منعطف آخر للشعر في ليبيا , إذ أن وحتى كتابة هذه الكلمات لم تتوفر الشروط التامة التي تنبئ وتُعلن عن ولادة جيل من الشعراء يشتركون في حمل رؤية واحدة عدا شروط مصادفة تعاطيهم الشعر في عشرية واحدة نظرا لتقارب أعمارهم , وتبرز بين الحين والآخر تجارب مستقلة وتتألق هنا وهناك أصوات فردية , الأمر الذي يجعل منها تجارب شعرية مكتفية بذاتها غير منتمية إلا إلى نفسها , ولا نريد هنا أن نتورط في التدليل على ذلك إذ أن كافة الأصوات متاحا الوصول إلى أنتاجها تقريبا , فقط يظل القارئ الذي نعول على ذائقته كثيرا الحكم النهائي والفيصل في مثل هذه الحالات .
من هنا أمكن تناول كل تجربة على حدة ومن هذا المنطلق أستقر ووقع الاختيار على تجربة الشاعر عبد الباسط أبوبكر محمد للحديث عنها وذلك لأسباب موضوعية في المقام الأول ولأنه ينكب بهدوء بالغ وبروية يحسد عليها , على نسج جزئيات مشروعه الشعري ورسم تفاصيله بصبر وبعيدا عن أي صخب مفتعل وقد أختار الشاعر بطبيعة الحال التعامل مع القصيدة في شكلها الجديد والذي يمثل حتمية تطورها ليس فقط لأنها تتمتع بحرية أكبر ومرونة تفتقدها الأشكال الأُخرى بتحررها من أسر القافية وأغلال الأوزان البحور الخليلية ولتقترح بالتالي أُفق خاص تحلق في أتساعه بل أيضا لأنها تفتح الباب واسعا أمام الذات لقول همومها وأمالها , واتجهت إلى سبر أغوارها القصية , وأيضا لأنها تلبي حاجات أنسان العصر الحديث النفسية والشعورية وتلائم إيقاع حياته المتسارع والمعقد والمضطرب , لاسيما بعد أن طلّقت القصيدة وإلى غير رجعة أهداف الشعر القديمة متمثلة في شعر المناسبات الذي لا يعمر طويلا وشعر المدح الذي يذهب بذهاب

الممدوح , وعليه فقد كتب شاعرنا قصيدة واضحة في غير مباشرة واستسهال تتقصى الذات وتقولها نبضة نبضة , خفقة خفقة , ولأن للشعر مقومات لا يستوي أمره إلا بها مجتمعة أو ببعضها وأهم هذه المقومات هي الصورة , فما الشعر أن لم يكن صورا تنثال ومشاهد تتري كما أخبر الشاعر الراحل محمد الماغوط وأعتقد ومارس , فمن هنا كان لابد أن يذهب شاعرنا متعمدا إلى رسم صوره الشعرية بدقة كبيرة وبعناية , بها يجترح معاني لا مطروقة مستخدما في ذلك تقنيات لغوية عدة من بينها التشبيه والاستعارة والتورية لا يمتلك القارئ حيال هكذا صور إلا الوقوف متأملا تراكيبها محاولا تفكيك عناصرها وبناءاتها قبل مغادرته لمناطق الدهشة التي ورّطه الشاعر في ولوجها , فالصورة أقرب طريق لبلوغ الهدف بالنسبة للشاعر وبالنسبة لمتلقيه على الطرف الآخر , ومن بين من أعتمد الصورة من شعراء العربية وجعل منها قوام القصيدة وغاية مطلبها ودون ابتذال , نذكر الشاعرين عدنان الصائغ ومحمد الماغوط الذي أشتهر كشاعر صورة حين أتى بصور صارمة وأجاد إلى حد بعيد أستخدام كاف التشبيه إن لم يكن قد أخترعها من جديد عبر شعره
وبهذا اشتغل شاعرنا على الصورة البسيطة والموحية بمفردات رشيقة عبر سعيه إلى إيجاد علاقة تناغم وانسجام ما بين الدال والمدلول بتواقيع ولمسات شفافة ليفوز المتلقي معه بقصيدة تحتوي فعلا على قدر عظيم من الشعر وهي إلى ذلك بعيدة كل البعد عن الترهل الذي يعتري بعض القصائد التي تصادفه فيعرض عنها ويغادرها من السطور الأُولى فيها .
وبعد هذه المقدمة التي قد تكون غير لازمة نجد أن من غير المفيد أن نختم دون أن نُعرج على ديوان الشاعر الصادر عن منشورات مجلة المؤتمر والذي عنونه ب (في متناول القلب ) ونتطرق إليه ونلقي نظرة خاطفة غلى القصائد الواردة به , فنقف أولا عند قصيدة قطوف دانية التي يستحضر فيها الشاعر أمرأته الغائبة ويتوجها ملكة على قلبه ومنتهى لأحلامه ومبتدأ فرحه وسروره إذ توقظ روحه بحضورها المباغت وبمقاطع عدة تؤلف مع بعضها هذه القصيدة فيما يمكن أن نعتبر كل مقطع منها قصيدة مستقلة وقائمة بذاتها , لشدة تركيزها وقوة إيحائها فنراه يسارع إلى القول بأحد هذه المقاطع موجها خطابه إليها .
من بين كل هذا الحزن
يشرق وجهك
ترتعش في خاطري

ألف حكاية
ويستفيق الفرح.
أما في متناول القلب القصيدة التي تحمل عنوان الديوان ندخل قلب الشاعر الذي يعد أكبر لغز وطلسم وجد , ومع كل قصيدة يجترحها الشاعر يخطو خطوة على طريق الحل ونحو محاولة فهم الذات إذ يقول :
في قلبي
كما في كل قصيدة
أشياء لا أحد يفهمها .
ولأننا ضيوف في بهو الموت ولأن كل لحظة تنقضي ينقضي معها جزأ من ذواتنا
نهب العمر رغباتنا المرتعشة
ونفرد للغياب أجنحة الحنين
نغيب
نتلمس من أنفاس الزمن الهارب
خطوات الموت .
وربما هذا إلى حد ما يفسر تشبتنا بالماضي كملاذ آمن ومقترح للخلود , وبعد طول تأمل في الحياة والناس يصل الشاعر وبمرارة تُخالط مفرداته التي قدّها من صخر ذاته إلى نتيجة تفيد بالآتي .
تجمعنا الظنون
وتبعثرنا الشهوات
أي خواء يترصد أحلامنا المؤجلة ,
وليختم بسؤال ترتج لوقعه الرؤوس قبل الأسماع , فأي مستقبل ينتظرنا ونتجه إليه والحال على ما عليه من سوء الظن .وفي قصيدة تالية ينهمك الشاعر في تحليل وشرح لذّات التجربة الجسدية الأُولى وإحساسات البدايات بلقائه للبحر للمرة الأُولى وبطريقة طفولية فيها من النزق والمرح الشيء الكثير يسجل انطباعات تلك التجربة ويصور بكلمات طازجة وجُمل واضحة , أنعكاسها على جسده الغض فها هو الماء صديقه الجديد يحتويه بحنوّ وينساب على جسده الصغير رقراقا ليكتشف معه دهشته البكر .
والقصائد التي أتسمت بالوضوح النسبي والتي تدفقت بلا رتوش زائدة ولا افتعال تناسب كل القراء برأيي ولا تستثني من الاستمتاع بها أحد وهو الوضوح الذي لا يخل بشروط الشعرية ولا ينقاد للاستسهال , ولا يسفه ذائقة المتلقي .
ومن أمثلة الصور الشعرية الجميلة التي ضمّنها الشاعر ديوانه فأزهرت على صفحاته وأورقت في حروفه نذكر الصورة الواردة بالصفحة رقم ( 11 ) أراك فتلتهب النظرات \ ويزهر بيننا بحر من أمان . وتلك الواردة بالصفحة رقم (9 ) حيث نقرأ , أعبُر الفكرة المرتعشة \ بهذيان مُر .
ونقرأ كذلك بالصفحة رقم (38 ) أنتبه للهدوء يصنع من الرتابة طوقا \ للعُمر يذبل في حضرة الروتين , وأيضا نقرأ , والمرأة التي أدمنها القلب \ تضيع من كثرة الغياب .
وغيرها الكثير من الصور التي يضيق المجال هنا على إيرادها كلها وتتبعها صورة صورة , فيما هي صور خفيفة لا تعرف التعقيد مما ينبئ ويُشى بقريحة شعرية أصيلة
وبالعودة إلى قصيدة في متناول القلب التي فيها يكتشف الشاعر والقارئ معا أن ما سعيا وراءه طويلا وعانيا جرائه هو قاب قوسين أو أدنى من القلب ولو مد أحدهم طرفا من خياله قليلا لاحتواه بكل يُسر , وليقفا على خطأ المرء حين ينشد ويتلمس الحل لمشاكله لدى من لا يزيدها إلا تفاقما .
نتجشم البعيد
ولا ندري بأن الحلم
في متناول القلب .
ويعود الشاعر في قصيدته التالية ليستحضر أمرأته التي تزهر في غفلة منه وتورق في قلبه وتمتد قصيا في حلمه حتى حدود الرعشة وهي ليست امرأة من خيال كما يتبادر إلى الذهن بل أنها ‘مرأة حقيقية حاضرة حضور السر في قلب من يحمله كما يحمل جمرا في قبضته كما الشاعر .
وبقصيدة ( انتشاء ) يجتهد الشاعر في رسم أجواء صوفية وبث نفس حلولي يمتح

من أدبيات كبار المتصوفة العرب كأبن عربي والحلاج , ويقارب مفردات التجربة الصوفية وأراد من هنا اشتراك القارئ في النشوة التي اعترته على أعتاب لحظة التجلي والإشراق التي اختطفته وانصهرت فيها روحه العطشى في فيض ومدى لانهائي وقد سرت في جوانحه نشوة العشق الخالد الذي لا يماثله في السموّ إلا السكينة الأبدية .
وليتحول الشاعر إثر ذلك إلى قصيدة (بنغازي) التي يعترف فيها أن مدينته الأثيرة قد أمسكت تلابيب خياله ولتسلبه عقله وتُهيأ له أثم البوح فيقول:-
مدينة تكبر
تُربي أسئلتي على الحذر
وتفتح لقصائدي نزف البوح.
ويتمادى في تعداد و سرد صفاتها الغائبة عن المتأمل ليصل إلى أن .
بنغازي
صخب البحر اللذيذ
الوجوه الملتحفة بالملح
الأشياء تصل الرغبة بالعجز .
وليرجع من ثم ليخاطبها خطاب العاشق لمعشوقته وينتهي لأن يسرد بعضا مما فاته من سمات فهي في نظره .
الحواس المُعطلة في رائحة العطن
والأنفاس التي تُخفي شراستها
والخوف المستيقظ في زحمة الوسواس
خطوة تتوحد مع الزلل
وغياب يدوي كلما أتخذ الحضور
شكلا مُباغتا .

وهي .
بنغازي
الألم المتاح
والمؤجل دائما .
وعلى طريقة الإرشادات والإشارات المرورية يكتب قصيدة (أنتبه) ويسوق فيها بعضا مما يرى أن بالتغافل عنه تتشكل خطورة من نوع ما , وهو فيها – أي القصيدة – لا يخرج عما أختطه لقصائده من اتجاهات ذاتية بحثة إذ أن ما يتحدث عنه محض سلوكيات نمارسها برضى تام وبحكم العادة دون أن نتفطن إلى جانب الخطر فيها إلى أن يتصدى لها الشاعر محرضا لنا حاثا أيانا على الانتباه إليها جيدا والإسراع إلى تغييرها بالرغم مما يتطلبه ذلك من معاناة وحرمان مؤقت .
اما المدح الوحيد الذي يكيله الشاعر ويورده بديوانه فهو بلا ريب مدحه للشعر ذاته وبالشعر , حيث يلج محرابه ناشدا في حضرته ودونما وجل وفقط طمعا في عطاياه الروحية اللامحدودة ولذائذه المعنوية اللامتناهية بقصيدته ( لكنه الشعر ) والتي فيها يبدو وكأنه يرد على شخص يُسفه الشعر أو يعيد للشعر جدواه ويدافع عنه باستماته أمام محكمة الإقصاء والمحو شأنه شأن غياب وتقلص كل ما هو جميل من العادات والقيم , وذلك بترديده للازمة ولكنه الشعر التي تأتي في صيغة تعجب ليتبعها بسيل من التعريفات والفوائد والغايات والأهداف التي يحققها الشعر كما لو أنه يقول متعجبا ولكنه الشعر أيها القوم ألا تعرفون الشعر ديوانكم وديوان أباءكم من قبل ولكنه الشعر وكيف يخفى من وجهه القمر وطلته الشمس أم أنكم تناسيتموه عمدا ولكنه الشعر الذي يأبى أن يموت كما أردتم له لان فيه الكثير من الحلول لمشاكل وأزمات العالم المعاصر , لما لا لأنه .
كلما تاه الكلام
تسلل إلى مضغة في الجسد
نحت في الروح قطوف الوجد
وبنى صرحا وسط الرماد .
وليدخر الكلام أخيرا لينشره ورودا ورياحين على أمرأته كعادته بين قصيدة وأُخرى

ومهما نأى به المآل وشطّ فإنه عائدا إليها ليبثها أشواقه التي تراكمت في غيابها
ويودعها لهفته ويُسبغ عليها ما فاته من صفات فتارة هي :-
امرأة هكذا
تعرف كيف تنفخ
في صدري سحر الكلام
تعرف كيف تذوب ببطء
……………….
أسيرة الخيال .
وتارة هي :-
سيدة لهذا البهاء الأنيق
ترعى في سماء الأٌذن
نغما غامضا
أحتسبها
رشفة لعطش سرمدي
وأنتشي .
عموما والتجربة في بداياتها يمكن القول أنها تجربة قابلة للتطور والنضج أكثر وهذا ما نأمله ونتطلع إليه لأننا نتوخى لها أن تعثر لها على مسارب ووجهات أُخرى كلما قاربت عل تكرار ذاتها وقبل الاصطدام بممرات مسدودة .

___________________________

نُشِرت هذه المقاربةَ بصحيفة الشمس سنة 2006م

مقالات ذات علاقة

الكوني والمرأة.. عدوانية وكره أم عشق وتوق

المشرف العام

قراءة في مذكرات “عدوس السرى” للاديب إبراهيم الكوني

المشرف العام

محمد العنيزي… عن المدينة والبحر وقصص من بنغازي (1)

سالم قنيبر

اترك تعليق