كتاب وشم الجدران.
طيوب عربية

الشعر.. الشاعر.. لعبة اللغة

لا يمكن تصور الشعر بدون لغة، فهي مادته، وأداة الشاعر. والشاعر كمبدع لا يمكنه إلا أن يكون متجاوزا، متحركاً غير ثابتاً، لا يحتمل القوالب، على هذا الأساس يمكننا محاكمة اللغة إلا فيما يتعلق بالقواعد اللغوية، والتي جاءت لاحقاً.

على الشاعر أن يعرف كيف يطوع لغته، وكيف يجعلها دائمة الطزاجة والألق، في مادة النص، وليست وسيلة إليه، لذا نجد أنه من يتمكن من اللغة، يتمكن من النص، في وجود موهبة الابتكار، التي تجعل من النص بقعة جذب، لذا فأياً كانت لغة النص، سواء عربية أو أجنبية، فصحى أو شعبية (عامية)، يظل النص قادراً على الإدهاش.

كتاب وشم الجدران.
كتاب وشم الجدران.

في حكاية الشعر واللغة، أتذكر تجربة شعر المحكية في ليبيا، والتي تقوم على التجريب في الأساس، فهي في أساسها محاولة للخروج بالشعر الشعبي من قوالبه وأغراضه التقليدية، إلى عوالم أكثر انفتاحا على التجريب والمغامرة، وتجاوز الارتهان إلى المكان، أو الثقافة المحلية، وكنت قد نشرت تحت عنوان (شعر المحكية، محاولة قراءة)1، قراءتي ورؤيتي لهذه التجربة، ومحاولة الوقوف على بعض التجارب، واللمحات الفنية.

 

الشاعر “أحمد الجحفلي”، في مجموعته (وشم الجدران)، وكما يقول: يكتب الشعر الشعبي مفصحاً. هي تجربة جديدة في الأدب والثقافة العمانية، حيث تعتمد على استخدام اللغة العامية أو الشعبية في صورة النص الشعري الفصيح، وإن كنت بعد قراءة “الجحفلي” لنصه (وشم الجدران)، قلت: بأنه نص محكي، فإني الآن أتراجع عن تسمية المحكية، بعد قراءتي للمجموعة كاملة، وذلك لوقوفي على بعض النقاط المهمة.

 

أولى هذه النقاط، بالرغم من التشابه الظاهري للتجربتين، تجربة شعر المحكية في ليبيا، وتجربة “الجحفلي” العمانية، إلا إنهما يختلفان في مجموعة من التقنيات الفنية، ودواعي الخروج؛ فإن كان شعر المحكية خرج من حضن العامية للفصحى وعينه على النص الحديث، فإن تجربة “الجحفلي” تعيد استخدام اللغة العامية أو الشعبية، في النص الشعري دون تخصيص.

 

النقطة الثانية، أن التجربة العُمانية، تشكلت نصوصها في رحم الشعر الشعبي، بالتالي اتخذت من اللغة العامية أداة، والشعر العربي، قالباً؛ فجاءت النصوص في الشكل التقليدي للقصيد العربي، والتفعيلة، والنثر.

نص: ونحن صغار.

ونحن صغار صلينا على التله

على قمة جبل واحلامنا خجله

صغار صغار من ندري عن العالم

واذا صلى الكبار

معاهم اتوجهنا للقبله

ولا ندري وش القبله.

الشاعر العماني أحمد الجحفلي.
الشاعر العماني أحمد الجحفلي.

وبالتالي، ثالثاً، جاءت نصوص “الجحفلي” مختلفة، ومتجاوزة لحاجز اللغة العامية أو الشعبية، من خلال إنتاج نصوصٍ شعرية لا تختلف عن مثيلتها في اللغة الفصحى، لا من حيث الوزن والضبط، بل إن “الجحفزي” استفاد من طواعية وليونة العامية في بناء أنساق وصور شعرية مدهشة وفيها من التجديد الكثير.

 

النقطة الأخيرة، إن هذه المغامرة، تعيد اكتشاف امكانات اللغة الشعبية، وكأنها تنبهنا لعلاقتها باللغة الأم، اللغة العربية، وتكشف أن الشعر، منتج لغوي ينقل حالة أو يصورها، وأن الوزن أحد الأدوات، وليس هو صورة الشعر.

 

الشاعر “أحمد الجحفلي” في هذه المغامرة يقربنا أكثر من جماليات اللغة، وإمكانات الشعر في إذابة الفروق بين الفصيح والشعبي، وأن الشعر واحد في أي صورة كان.

مقالات ذات علاقة

“قلب من أراكان”.. مجموعة قصصية تعاين الواقع

المشرف العام

هل الكتابة مصدر عيش؟ المؤلفون يعانون شرقا وغربا

المشرف العام

بئر أبي ذر الغفاري

المشرف العام

اترك تعليق