المقالة

الشعرة الفاصلة بين حرية الرأي وإرهاب الفعل

.

د.يونس عمر فنوش

.

لقد عبرت في مقالات كثيرة سابقة، وفي أحاديث متكررة على المحطات الإذاعة وقنوات التلفزة عن قناعتي الراسخة بأن الأساس الضروري الأول لبناء دولتنا الحرة هو كفالة مبدأ وحق حرية الرأي والتعبير لكل المواطنين، مهما اختلفت آراؤهم وتباينت، أو حتى تناقضت تماماً، ما التزموا في طريقة التعبير عن الرأي الأسلوب السلمي، أسلوب بيان الرأي والدفاع عنه والتحاور مع المخالفين حوله بالعرض العلمي الموضوعي الملتزم باحترام الرأي الآخر، وأشخاص من يعبرون عنه، وعدم اللجوء إلى التجريح الشخصي أو الاتهام أو التخوين بأي شكل من الأشكال.

ولقد أكدت هذه القناعة مراراً وتكراراً عند تطرقي للجدل الذي بدأ من مرحلة مبكرة من عمر ثورتنا، ثم آخذ يتطور صعوداً وتشابكاً، حول الرأي الذي عبر عنه إخوان لنا في الوطن، يرون فيه أن النظام الاتحادي الفدرالي هو النظام الصالح لبناء ليبيا الجديدة، وقد تحدثنا مع إخواننا أصحاب هذا الرأي ودخلنا معهم في محاورات ومناظرات عديدة، ولم يكن لدينا أي شعور بأن في الأمر مشكلة، وقلنا إن إخواننا هؤلاء لهم كل الحق في أن يروا هذا الرأي، وأن يذهبوا هذا المذهب، كما نزعم نحن لأنفسنا أن لنا الحق في أن نرى رأياً مخالفاً لرأيهم، بل مناقضاً له.

وقد عبرت في أكثر من مناسبة عن إدانتي الشخصية لكل ما بدر عن البعض من تخوين لهؤلاء الإخوة واتهامهم بخدمة مخططات غير وطنية أو التورط في مؤامرات لضرب الثورة ووحدة الوطن، وعنونت مقالة لي في هذا الخصوص بعبارة (دعاة الفدرالية: إخواننا أرادوا الحق فأخطئوه)، وقلت في تلك المقالة إني وددت لو أن إخواننا من دعاة الفدرالية شكلوا حزباً سياسياً يتبنى هذا الطرح وهذا الرأي، ومارسوا حقهم الديمقراطي في التعبير عن هذا الرأي وحشد التأييد له، بالطرق السلمية المشروعة، ثم احتكمنا جميعنا، نحن وإياهم، إلى إرادة الشعب، فإن حصلوا على دعم أغلبية الشعب، كنا نحن أول من يقبل بذلك.

ولكننا للأسف الشديد أخذنا نشاهد ونتابع كيف شرع إخواننا دعاة الفدرالية يطورون نمط تحركهم في اتجاهات أخرى، فلم يبادروا إلى تشكيل حزب سياسي، ولكنهم عقدوا مؤتمراً، زعموا فيه، دون أي دليل أو برهان، أنهم به يمثلون (سكان برقة)، وأعلنوا تشكيل ما سموه (مجلس إقليم برقة)، مقروناً بما سموه أيضاً (مجلس برقة العسكري)، وأعلنوا عن اختيار السيد أحمد الزبير السنوسي رئيساً للإقليم. وكان من أولى انعكاسات هذه الخطوة، أننا أخذنا نسمع ونشاهد إخوتنا هؤلاء يتحركون وفق خطة معدة مسبقاً في اتجاه تكريس استقلال (إقليم برقة)، عن سائر مناطق الوطن. وقد بلغ هذا الأمر حداً كان مؤشراً على مدى الخطورة التي يمكن أن تصل إليه دعوى الفدرالية، عندما وجه أنصار هذه الدعوى قوات مسلحة للتمركز في منطقة (الوادي الحمر). زعموا أن ذلك يتم في إطار اعتصام للمطالبة ببعض المطالب، وفي إطار ممارسة ضغط على المجلس الوطني والحكومة لتلبية تلك المطالب. وعندما لم تثر خطوتهم هذه أي رد فعل رافض أو غاضب من أي طرف، تمادوا بالتقدم في هذا الاتجاه خطوة أخرى، كانت المؤشر الأعلى على حقيقة النوايا المبيتة، وذلك عندما قطعوا الطريق الساحلي في تلك المنطقة، التي يعرف تاريخياً أنها تمثل الحد الفاصل بين ولاية برقة وولاية طرابلس. ثم لما لم تواجه خطوتهم هذه بأي رد قوي من أي طرف، فكروا أن يكملوا دائرة فصل الإقليم بتوجيه قوة للسيطرة على المعبر الشرقي للبلاد، عند الحدود مع مصر، لولا أنهم ووجهوا هذه المرة بموقف شعبي قوي رافض، وموقف قوي من قطاعات من الجيش الوطني، فلم يتمكنوا من الوصول إلى معبر امساعد، ورجعوا أدراجهم.

وها نحن أولاء نشاهد إخواننا دعاة الفدرالية يزيدون في تماديهم، بتحريض الشبان الصغار على ممارسة أعمال عنيفة، تمثلت في شن حملات لتمزيق صور المرشحين لانتخابات المؤتمر الوطني، والقيام بتظاهرات استفزازية، كان واضحاً في تقديري أن المقصود من ورائها إثارة شغب وفتنة، ربما تنجح في عرقلة مسيرتنا نحو الانتخابات..

وهنا آتي على بيان ما قصدته من عنوان مقالتي هذه، وهو أن هناك شعرة رقيقة بين حدين: التعبير عن الرأي من جهة، ومحاولة فرض هذا الرأي على الآخرين بالقوة والإرهاب من جهة أخرى. وما نشاهد إخواننا دعاة الفدرالية يتجهون إليه هو هذا الحد المرفوض من ممارسة العنف والإرهاب.

وإني ألقي بالتبعة والمسؤولية التاريخية على السيد أحمد الزبير السنوسي وعلى الدكتور أبو بكر بعيرة على وجه الخصوص، لأنهم لم يحرصوا على أن تظل دعواهم لتبني النظام الفدرالي في الإطار الديمقراطي المقبول، وهو إطار التعبير عن الرأي بالطرق السلمية، وعدم محاولة فرضه على الآخرين بالقوة، وسمحوا، إن لم نقل خططوا ودبروا، بأن يتجه أنصار هذه الدعوى إلى ممارسة أشكال العنف المرفوضة، وفي مقدمتها قطع الطريق عند حدود (برقة) وتحريض الشبان الصغار على تمزيق صور المرشحين للانتخابات.

ولعلي أعبر عن رجاء وأمل أخير في أن يتدارك السيد أحمد الزبير والدكتور بعيرة هذا الأمر قبل أن يجرنا جميعاً، نحن وإياهم، إلى فتنة مدمرة، لا سمح الله، سوف تأتي على الأخضر واليابس، وسوف تدمر آمال ليبيا كلها، وليس برقة وحدها، في أن تضع خطاها على طريق الاستقرار والنماء والتقدم.

______________________

د.يونس عمر فنوش

هاتف: 0925121949

e-mail: fannushyounis@yahoo.com

مقالات ذات علاقة

بين السلطة والثقافة

عبدالمنعم المحجوب

حصان البحر الذي فينا

محمد قصيبات

قراءة في خريطة عقل الصحراء ومالاته

البانوسي بن عثمان

تعليق واحد

د.مصطفى بديوي 6 يوليو, 2012 at 23:36

د. يونس… انا متفق معك جملة وتفصيلا… وفي تصوري ان هذا الامر لابد من تداركه وبشكل سريع وعاجل عن طريق العقال من ابناء برقة ومن مجموع مؤسسات المجتمع المدني… الرد في تصوري لابد وان ياخذ منحى اجتماعي وعقلاني… الاحتكام لابد وان يوجه نحو الحوار والتباحث في كيفية اقناع الاخر بقبول فكرة الليبيون احرار في ان يختاروا اي نظام يتفقون عليه… لا نريد من يمثل اهلنا في الشرق او الجنوب او الغرب… لقد اصبح لنا صندوق اقتراع نحتكم اليه… ولا يعوزنا العقل للوصول الى ما هو افضل لليبيا… لا نرد ان يولد من يفكر عن الليبيين… كفانا فكرا موجها… اشكر لك هذا المقال واتمنى ان تعملوا على تشكيل وفد من حكماء المناطق الشرقية ومن الجنوب والغرب والتوجه لما يسمى مجلس اقليم برقة والتحاور معهم فيما يذهبون اليه… ربما تكون النوايا حسنة ويقنعوننا بقبول وجهة نظرهم… نحن جميعا سعينا لاستقلال ليبيا… وعلينا الان ان نسعى مجتمعين لوحدتها…

رد

اترك تعليق