المقالة

الشعراء الملهمون 

هم أولئك الذين لن تمر مرور الكرام على شعرهم ولابد من أن يترك فيك أثراً وإن كان طفيفاً , ولا بد أن تحفر فيك سطورهم عميقا , هم من يغنون دواخلك ويثرون انفعالاتك الجمالية وتدفعك قصائدهم دفعاً إلى الإنصات إلى وشوشاتها , شِئتَ أم أبيت , هم الذين سيشدك شِعرهم شداً و يورطك في تفاصيله , يأخذك من نفسك ومن انشغالاتك ما أن تشرع في قراءته ويفرض عليك نسقه وأجواءه ويُدخلك إلى عوالمه , بحيث لا تستطيع الخروج بسهولة , فالخروج من قصائدهم ليس كالدخول إليها وإذا أنت لست أنت قبل أن تلج إليها , الشعراء الملهمون هم تلك الفئة من الشعراء الذين يجترحون المختلف والإستثنائي الذي بمقدوره أن يُحدث فرقاً في المُتاح والمُتداول من الشعر , لذا لن تكتفي كمتلقي بقراءة عابرة لقصائدهم ولا بد من أن تعود إليها مرات ومرات , وفي كل مرة تنفتح لك أبواب كانت موصدة وتشرع نوافذ للتأويل كانت مغلقة , وكلما قرأت نماذج سيئة من الشعر تهرع إليها كما لو أنك تُطهر ذائقتك مما علق بها من رداءة , كما لو أنك تداوي قابليتك الجمالية من داء الإستسهال , إنهم أصحاب القصائد الملىء بالشعر , الغنية بالدلالات , تلك التي تحس مع قراءتها بنوع من الإشباع والأمتلاء والرضى , حتى أنك لا تتجاوزها إلى غيرها إلا لماما , في رحلة اكتشافاتك الشعرية , هم الشعراء الذين ينقلون إليك عدوى الشعر ويدفعونك إلى أن تضع قصيدتك الخاصة قصيدتك المستحيلة , تلك المتمنعة والمتحصنة بالغيب , ولا بأس إن انطلقت من مفردة من مفردات قصائدهم أو صورة أو جُملة موسيقية لا بأس , إنها القصائد التي باستطاعتها أن تقدح في نفسك شرارة الشعر ,- إن صودِفَ أنك تتعاطى كتابته – وعلى وجودهم المؤكد , قليلون هم هؤلاء الشعراء , إنهم الإستثنائيون الذين يجود بهم الواقع بين حينٍ وحين , هم نتاج الموهبة والأجتهاد والصقل المتواصلين , تراهم بين عصرٍ وعصر يجيئون بكامل روعتهم , من أمثال محمود درويش وبدر شاكر السياب وعبدالله البردوني والمتنبي وأبو العلاء المعري وعبدالوهاب البياتي ومفتاح العماري , ممن يمتلكون مُنجز شعري متماسك أو كون شعري على رأي الراحل خليفة التليسي , إنهم صفوة الشعراء الذين ينجذب إليهم الشعر طائعاً ليقولوه بسلاسة بعد ان اختمر في نفوسهم واطمأن إليهم واستأنس بهم , فها هو ذا درويش زعيم هذا الرهط يقول في هذا الخصوص في قصيدة ” لاعب النرد ” وهي من أواخر ما كتب .

لا دور لي في القصيدة
غير امتثالي لإيقاعها
حركات الأحاسيس , حِساً يُعدٍّلُ حدساً يُنزِّل معنىً
وغيبوبة في صدى الكلمات
وصورة نفسي التي انتقلت
من أناي إلى غيرها
واعتمادي على نفسي
أو حنيني إلى النبع
لا دور لي في القصيدة إلا
إذا انقطع الوحي
والوحي حظ المهارة إذ تجتهد .

شعر كهذا يمكنه أن يأخذك قصياً ليرمي بك في مناطق بكر لم تطأها ذائقة من قبل , يمكنك أن تكتشف بعيونه ما لم تكتشفه بعيونك وتمشي بقدميه إلى ما لم تصله بقدميك , لا سيما إذا ما استحضرتهُ مُلقً بصوت صاحبه , إنه الشعر الملهم .

أو شعر البياتي ذو النكهة الأسطورية , إذ تحس وأنت تقرأه بأنك تتحرك داخل أسطورة أو تضيع داخل تلافيف حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة , الشعر الذي ينقل إليك الإحساس بالضياع والغربة ويوقظك على وجودك الكثيف , حيثُ الشخصيات والمدن والأزمنة تراوح ما بين الحقيقة والخيال , الواقعي والأسطورة , أو شعر السياب الذي هو من الرقة إلى الحد الذي تخشى عليه من التهشم على صلابة وجهامة الواقع لا سيما في قصيدة ” أنشودة المطر , أو شعر المتنبي المُطرز بالحكمة والرؤى والصِور المبتكرة السابقة لعصرها والموشح بالخيال المُجنح والطُموح والأعتداد بالنفس , أو شعر البردوني الذي أخذ بطرف من القديم في بناءه والحديث في تناوله , فجاء سلساً رائقا موسيقيا مُثخن بالألوان والصور البديعة مع أن قائله ضرير, كل هذا في ستر شفيف من الغموض والغرابة التي بالمستطاع التعامل معها وفض شيفراتها , أو شعر مفتاح العماري الذي ترتحل بك مفرداته صوب رؤى يانعة وهو يرسم هشاشة الوجود ويُقطِّر المرارة ويمتدح الحياة والحب والربيع والاعياد ويهجو القسوة والأذى وكل ما يمثلهما , وماذا نقول عن عالم المعري الشعري الذي أوقف حياته له وتفرغ لتجويده وتحسينه في محبسيه البيت والعمى , ماذا نقول لهؤلاء العباقرة أحياءً وأمواتاً وغيرهم سوى شكرا لأنكم جعلتم الحياة مقبولة ومُستساغة إلى حدٍ ما وقلصتم إلى حد معقول من رقعة القبح شكرا لكم , شكرا لكم .

مقالات ذات علاقة

كازا

إبراهيم بن عثمونة

قُباعات

حسن أبوقباعة

شنه !

محمد عقيلة العمامي

اترك تعليق