المقالة

الشخصية الليبية الغائبة

الآن، بعد 48 سنة تقريبا، بدأت أرى بوضوح أهمية تلك الدعوة التي اطلقها المرحوم عبد الحميد البكوش رئيس وزراء حكومة المملكة الليبية سنة 1967م بشأن الشخصية الليبية. معظم شباب الجامعة الليبية، وأنا منهم، لم نستسغ، حينها، الدعوة، ولم نقبلها لأننا رأينا فيها تقزيمنا وانسلاخنا عن القومية العربية، واعترف أنني لم اعي تماما أهميتها إلاّ بعدما انتبهت مؤخرا، أن الليبيين خرجوا يؤيدون بيان (انقلاب سبتمبر) من دون أن يعرفوا من وراء هذا الحدث؟ لم نعرف اسم أحد منهم إلاّ بعد حوالي عشرة ايام. الليبيون انطلقوا مؤدين لشعارات بيان الانقلاب: حرية والاشتراكية والوحدة، وفي اعتقادي أنه لو كانت لنا شخصيتنا الناضجة المتينة لما هتفنا لانقلاب 1/9 من دون أن نعرف من ورائه؟ وما كانت أمواج هذه الفوضى التي تتقاذفنا الآن لو كانت لنا شخصيتنا الموحدة. وما أن سقط نظام القذافي حتى “انكشف – كما كتب السيد صالح ابو الخير في عدد بوابة الوسط يوم 8/2/2014م – القناع عن الوجه الحقيقي للشخصية الليبية، وهي أنها بلد يعج بالإثنيات والمذاهب والتيارات الفكرية، فعرف الليبيون أنهم ليسوا أمة واحدة، فإلى جانب العرب هناك الأمازيغ والطوارق و التبو والمور والأوروبيين والمالطيين والأتراك والكرا غلة والكريتليون والزنوج والجرامنة وغيرهم. وعلى الصعيد الفكري برزت السلفية بكل أشكالها كالسلفية العلمية والجهادية والسليمة والعنفية، وبرزت حركات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي وجماعة التبليغ، إلى الحركات الصوفية التي وجدت نفسها مستهدفة ودمر لها مئات الأضرحة و الزاويا، إلى يهود ليبيين يطالبون بالعودة إلى وطنهم الذي ينتمون إليه، كما يدعو”.

وفي تقديري أن (الاثنيات والمذاهب والتيارات الفكرية) التي يرى الكاتب أن ليبيا تعج بها لا علاقة لها بالشخصية الليبية التي طرحها المرحوم عبد الحميد البكوش، والتي اسس لها مستندا على رؤية الملك إدريس من قبيل قيام المملكة وتحديدا في شهر اكتوبر 1951م عندما قال للسيد (ادريان بلت): “السيد المفوض، عليك ألا تنسى أن ليبيا، إلى جانب كونها أولا بلدا عربيا، هي ايضا مطلة على البحر الأبيض. وكانت دوما على صلات باللاتين والإغريق. ونحن من الناحية الروحية والسياسية، نتوجه إلى الشرق وبالتحديد إلى الأماكن المقدسة للإسلام. ولكن ماديا سوف تكون لنا دائما روابط مع الغرب. وهذا يعني أن سياستنا في حالة الضرورة عليها أن تنهج الطريق الوسط”… ثم عزز وجهة نظره هذه، رحمه الله، سنة 1962 برده على السيد (أرموند هارمر) مبعوث الرئيس الأمريكي جون كنيدي، الذي طلب من الملك استقطاع جزءا من دخل البترول المتنامي، وصرفه على فقراء افريقيا، فأكد له أن ما ينبغي أن نقف معهم هم الذين وقفوا معنا في محنتنا وهم العرب والمسلمين، أما افريقيا فيتعين أن يساعدها أولئك الذين نهبوها، أما إن فاض من مواردنا، وراينا أن نساعد به افريقيا فيكون بموافقة البرلمان، الذي هو بمثابة الكونجرس عندكم . يقول المرحوم الدكتور على الساحلي في شهادته على هذه الواقعة أنه سمع السيد (هارمر) يقول لنفسه، بعد ان تعثر: “هذا بلد لا يحتاج إلى كونجرس، إنه يحتاج لشخص واحد فقط نتافهم معه!!” وهذه الواقعة مثبتة، بشهودها، لعلها هي اساس مصيبتنا.

الشخصية الليبية، إذن، هي التي تتأسس، وتتشكل وفق هذه الملامح، وقد زينت وسائل الإعلام وقتها الزي الليبي، وشجعت على ابرازه، وكذلك اهتمت بالفنون الشعبية، مؤكدة أن كل سلوك مشرف من شجاعة وكرم ومرؤة وصدق الانتماء للوطن، هي ايضا من ملامح الشخصية الليبية، كل ذلك من دون ذكر للاثنيات والمذاهب والتيارات الفكرية. ولو تحقق ذلك لما رأينا حتى هذه القبعات المتنوعة بتنوع ثقافات العالم وأجناسه وشخصياته! الشخصية الليبية لا تقول: أن هناك شخصية ليبية أمازيغية، وأخرى ليبية ترهونية أو طرابلسية أو عبيدية، ولا تقول شخصية ليبية مذهبها مالكي، وشخصية ليبية مذهبها اباضي. صحيح أن هناك اعراق ليبية متعددة بثقافات متنوعة ولكنها تظهر للناس بمظهر يوحدهم هو: الإسلام المنفتح على الغرب بسياسة وسطية. ولو عملنا على ترسيخ هذه القناعة لتسألنا، قبل أن ننطلق خلف القذافي، هل ما رفعه من شعارات تتناسب من كياننا وشخصيتنا أم لا؟ ولكن تشتتنا، نحن شباب ستينيات القرن الماضي، بين عربي وقومي، وبعثي، وشيوعي، وليبي (مُتطلين)، وآخر يرى أن الشخصية المثالية هي الغربية، وحتى الأعراق والمذاهب لم تكن واضحة وبارزة تماما مثلما هي الآن. نحن نحتاج بالفعل إلى بلورة الشخصية الليبية بشكل يحدد هويتنا. وأكد أنني كنت مثل كثيرين ضدها عندما طرحت في ستينيات القرن الماضي، وكنت مخطئا!.

مقالات ذات علاقة

الأخير..

أسماء الأسطى

صراع واقعي داخل فضاء افتراضي

عمر الككلي

جاءني يسعى!

فاطمة غندور

اترك تعليق