تراث

الشاي الليبي بالرغوة طويسة تقعد الرأس

فرج غيث


عرف الشاي في ليبيا منذ أقدم العصور، شراب سائل الاعشاب الصحراوية الساخنة، مثل شراب مغلي نبات الكليل وغيره من نباتات وأعشاب الصحراء الليبية الكبرى، قبل أن يتم معرفة تناول شراب الشاي الحالي، وجعله شرابا محليا محببا.

الشاي الليبي (الصورة: الشبكة)

ونظرا للاهتمام المتزايد بشراب هذه المادة المنبتة، فقد اصبح تأثير ذلك واضحا بشكل كبير على مجرى حياة الليبيين، وكذلك على مختلف سبل معيشتهم وتراثهم واغانيهم الشعبية، التي رددتها السنتهم جيلا بعد جيل، نظرا للأهمية التي اكتسبها هذا الشراب، بين عامة الناس، لأن الليبي والليبية لا يشتري إلا أجود أنواع الشاي في العالم وهي عادة عرفت لديهم، وهذا بشهادة جيراننا عندما نسألهم عما إذا كانت لهم حاجة في ليبيا، فيكون الرد بأن نبعث لهم الشاي الليبي، وهذا الشيء يحسب لليبيا بشرائها اراض ومساحات كبيرة من مزارع الشاي في أسيا والتي تنتج أجود وأفخر الأنواع في العالم، فتحضير الشاي في ليبيا يتم بطرق تختلف كثيرا، عن باقي الطرق الاخرى المعروفة لدى المجتمعات العربية، وله طعم ونكهة خاصة وعادات مختلفة، فقد تميز تحضير الشاي في ليبيا بخصوصيته داخل البيت الليبي، حيث يصل تحضيره إلى ثلاثة أدوار، ومن العادة يحتسي الشاي الأخضر في مدينة بنغازي بالنعناع أو التيه (التفاح)، وفي مدينة درنة يكون بإكليل الجبل أو الحبق، وفي كثير من مدن غرب ليبيا في الغالب يحبون أحتسى الشاي بالقرفة أو القرنفل، أما أحبتنا وأهلنا في الجنوب يحبون أحتسى الشاي بالزهر.

ولا يمكن لليبي أن يقبل ضيافة كوب الشاي من دون أن تكون فوقه الرغوة (الكشكوشة) وهي الفقاقيع التي تكون فوق شراب الشاي، ويعتبره تقصير في حقه ويغادر المكان غاضبا. وتتنافس النساء في ليبيا بتحضير أجود أصناف الشاي، ويتفنن في تقديم كل ما يلزم مع ضيافة الشاي، ومع مرور الوقت أصبح يعرف تحضير الشاي بهذه الطريقة باسم (طاسة عزوز) في اشارة الى عادات تحضيره القديمة، وكلمة عزوز وهي (عجوز) عربيا تطلق في ليبيا على المرأة المسنة.

وتاريخيا عرفت الرغوة التي توضع فوق الشاهي لدى أهلنا الطوارق سكان الصحراء الليبية الكبرى، وقد أخذ باقي الليبيين منهم هذا العرف المتوارث في تحضير الشاي، لقد كان أهلنا من الطوارق يقومون بوضع الرغوة في الكوب فوق سائل الشاهي، لأن الصحراء بها أتربة متطايرة، حتى إذا ما هبت عاصفة ترابية (عجاج) أو تطايرت الاتربة من الرياح، تبقى الاتربة عالقة فوق الرغوة ولا تسقط في كوب الشاي، على الفور يقوم من يشرب الشاي بنفخ الرغوة فيتطاير معها التراب ويبقى سائل الشاهي نظيفا، يحتسيه باستمتاع، لدرجة تسمع بعضهم وهو يحتسي الشاي بطريقة لها صوت يقال لها في ليبيا (شفطة شاهي)، وعندما يكمل شرب كوبه ينظر لمن ضيفه ويقول له (طويسة والله)، في دلالة على استمتاعه بالشاي، واخر يقول (آآه جت في وقتها الطويسة) وكلمة طويسة تصغير لكلمة طاسة في العامية الليبية وتعني الكوب.

وفي ليبيا تحضير الشاي له (بروتكول) خاص متوارث عبر العصور ويدل على اكبر درجات الحفاوة بالضيف ونسميه بــ (شاهي العالة) والتي تتكون من:

السفرة: وهي عبارة عن صحن مستدير لها أربع أرجل قصيرة، تكون مصنعة من الخشب أو من الفضة أو من النحاس أو الحديد، وتتسع لعدد من أكواب الزجاج الصغيرة الخاصة بالشاي ونسميها (طواسي الشاهي)، والاواني التي يحتاج اليها تحضير الشاي.

الصفاي: وهي اداة صغيرة مستديرة الشكل، تتكون قاعدتها من ثقوب صغيرة، تستعمل لتصفية السائل من أوراق نبات الشاي بعد طهيه.

البراريد: وهي اباريق الشاي وتحتوي (العالة) على (برادين) يستعمل الأول لطهي أوراق الشاي، أما الثاني فيستعمل لتبريد سائل الشاي تمهيدا لاستخلاص الرغوة (الكشكوشة) وهي الفقاقيع التي تضاف مع هذا الشراب.

اللقامة: هي اناء معدني صغير يستعمل لاستخلاص وتجميع الرغوة (الكشكوشة).

الطاسات: وهي مجموعة من الاكواب الصغيرة، مصنعة من الزجاج، وتستعمل لغرض شرب الشاي، معروفة في الاسواق بــ (طواسي الشاهي).

السخان: وهو ابريق كبير اكبر من ابريق الشاي ويكون به الماء.

السكريات: وهي العلب التي تضع فيها المرأة الليبية السكر وحشيشة الشاي الاخضر والاحمر والنعناع والتيه والاعشاب الاخرى.

المحبس: وهو إنا يتم فيه غسل (طواسي الشاهي) بعد ان يحتسيها الضيوف.

الكانون: موقد صغير يصنع من الفخار أو الطين ويستعمل كموضع لاشتعال الفحم النباتي.

من أعمال التشكيلي الليبي.. عبدالرزاق الرياني
العالة.. من أعمال التشكيلي الليبي.. عبدالرزاق الرياني

كانت جلسة (قعدة العالة) بعد وجبة الغذاء من أهم الجلسات داخل البيت الليبي، حيث كانت العائلة الليبية الأصيلة تطرح المواضيع المهمة الخاصة، وقد عرفت العائلة الليبية على الصعيد العربي بأنها من اكثر العائلات العربية تماسكا وترابطا عربيا.

ودائما ما يردد الليبيين جمل طريفة عن الشاي في دلالة على مكانته الاجتماعية داخل المجتمع الليبي الأصيل بالطبع.

ومن الأقوال الشائعة التي تردد دائما عند طلب الشاي.

على قولة الشيابين الكبار (نبي) شاي يقعد الراس .. الشاهي والكلام الباهي .. قول باهي لين ايجي الشاهي .. صب الشاهي خلي التريس تتعارف.

كلمة (نبي) بمعني أريد .. (الباهي) بمعني الجيد وبمعنى حاضر ايضا .. كلمة (ايجي) بمعنى يأتي .. كلمة (صب) بمعنى أسكب .. كلمة (خلي) بمعنى دع .. كلمة (التريس)بمعنى الرجال.

صحتين وعافية لكل عشاق شراب الشاي الأخضر (المنعنع) على الطريقة الليبية وأنا أحد هؤلاء.

مقالات ذات علاقة

محاورة بين العقـل والعين

المشرف العام

الأمثال الشعبية والمجتمع

المشرف العام

خدّ السّزي

المشرف العام

اترك تعليق