من أعمال التشكيلية الليبية مريم العباني.
المقالة

الشاهد والوثيقة

السيرة (البيوغرافى) أو السيرة الذاتية (أوتوبيوغرافى) كانت عنوان حوار موسع للقاء ثقافى عربى قادته قناة ماسبيرو ببرنامج سهرتها «هذه ليلتي» ليل أول جمعة فى يناير 2019، البرنامج الذى يعده الشاعر والصحفى الأستاذ محمد الكفراوى ينتهج تقديم الضيوف تباعا بمصاحبة مدير للحوار، كان الضيوف المشاركون من مصر والسودان وسوريا واليمن وليبيا منهم من كتبوا سيرتهم، ومنهم من وثقوا سيرة شخصيات قدمت مساهمات وطنية فى مجالات عدة.

فى تعريف السيرة المبسط إنها عرض لقصة حياة، وقائعها قد تكون متسلسلة تاريخيا أو منتقاة الأحداث، وتتفاوت طرائق الكتابة فيها بين التقريرية الوصفية وبين أن تنحو الى الكتابة الأدبية التى تنتقى المفردات بلاغة وشعرية سرد، وفى حوصلتنا للكتابة السيروية الذاتية أو الغيرية ما يدلل على زخم الانشغال بها منذ الحضارات القديمة ومن الجنسين، حكاما وساسة، وعسكريين، ورجال دين، مثقفين وأدباء وفنانين، وحسب الباحثين فالسير دُونت على أسطح التماثيل، وجدران المعابد والمقابر والتوابيت، واللوحات حجرا وصخرا وخشبا، ثم جاء الورق فكتب الإنسان عن نفسه ومهنته وطلب الغفران، ووصف للأحداث التى مر بها، وفى يومنا هذا صارت حوائط «فيس بوك وتويتر» ونوافذ المواقع التى تعد بالملايين على مستوى العالم فضاء لكتابة الأنا_ السيرة الذاتية اليومية، أو من فتحوا قناة «يوتيوب» ليحكوا لنا صوتا وصورة لحظتهم.

كنت ضيفة عنوان السيرة فى السهرة الثقافية التى تعلقت بمشروع اعتمدته مع كتابى «ليبية فى بلاد الإنجليز» وهو توثيق لرحالة ليبية منسية «خديجة عبد القادر» وقد جمعتُ نتاجها، ثم قدمتُ قراءة فى رحلتيها للدراسة أولا فى مصر 1957م وكتابها المرأة والريف فى ليبيا أطروحتها بمعهد سرس ليان، ثم لندن 1962م فى حلقات كتبتها بجريدة طرابلس الغرب، وكنت بدأت استقصاءً عنها أعوام دراستى العليا 1998م، ثم سيرة رائدات نهضة ليبيا وهى سيرة غُيبت عمدا لعقود، وكنت قابلت سيدات منهن صالحة ظافر المدني، ومريومة ألطيف، ونجمية أبوقصيعة، وسعاد الحداد كنماذج فى الريادة التعليمية، والمدنية، والإعلامية، والفنية، والكشفية، واحتوى كتابى «نساء خارج العزلة» ما يقارب ستين اسما فاعلا، وأشرتُ فى السهرة الثقافية إلى مُقترح تقدمتُ به لمؤسسة «مركز المحفوظات والدراسات التاريخية» لأجل تخصيص قسم ينشغل بجمع وتوثيق شهادات ووثائق لرائدات النضال النسوى فى بلادنا، ومنهن كثيرات غادرن دون أن يبذل جهد واجب ومستحق تجاههن، فالسيرة شهادة ووثيقة محملة بالكثير مما له علاقة بالتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والمجتمع وتفاصيل لأماكن تنفست بأفرادها وجماعاتها.

وتطرقت أسئلة محاورى إلى كتابى لعام 2018 الموثق لمذكرات أول مذيعة تليفزيون ليبية «عايدة الكبتى» وعن قصة جمع حلقات مذكراتها من مايو 2016 وحتى نوفمبر 2018، وهى سيرة مُفارقة فى تدوينها، إذ تعتمد العالم الرقمى وصفحة «فيس بوك» تحديدا، وقد سألنى المقدم عمَّا قد ينال من مصداقية السيرة وقبولها عند القراء بهكذا مرجعية، إذ نال من أخرجوا سيرتهم ورقية فى كتب شكوكًا وسجالات فما بالك بفضاء قد يجعل منه «فيروس/ هاكرز» نسيا منسيا، فأجبتهُ بأننا نتقدم مع ما يخرج علينا فى هذا العالم ونحن منه وفيه، وأن نقله وتوثيقه على الورق (كتابا متداولا) فيه ما يشفع لأن يصبح موثق الجمع والنقل، خاصة أن صاحبه على قيد الحياة وبالإمكان العودة إلى سؤاله كما والشهود متابعون ومعلقون.

كما عرج بى مقدم السهرة إلى سيرة الجمع الميدانى للقصص الشعبية بإحدى واحات جنوب ليبيا براك/ الشاطي، والذى كان متاحا ضمن كُتب: «يا حجاركم يا مجاركم، والحكاية الشعبية الليبية، وحاملات السر»، وتمحور سؤاله عمَّا أفردته للراويات وعن رحلة مقابلاتى لهن ما أفردت جانبا له بكتبى الثلاثة، إذ كما كنت ببيوتهن، كنت معهن فى مسير يومهن، فالصباح عند عين الماء وقرب شياههن وعند غابة النخيل، ومساء مواعيد خبز الحياة عجنا وخبزا بالتنور وخروجه وتلقفه ساخنا لتصير قعدة تسجيل الحكايات رفقة الأبناء والأحفاد، سيرة عملهن العائلى داخل وخارج البيت شكلت مواعيدى معهن فى رحلة جمع الحكايات وإعدادها للبحث والدراسة. 

مقالات ذات علاقة

محمد زغبية؛ أغنية الميلاد!

أحمد الفيتوري

هل المجنون مجنون؟

عبدالرحمن جماعة

أَحـَاسِيسُ لِلنّـسْـيـَان

عائشة إبراهيم

اترك تعليق