حوارات

الشاعر: صالح قادربوه/ الشعر هو أجمل الأوهام.. سيرة الحلم الشخصي للشاعر

الشعر هو أجمل الأوهام.. هو سيرة الحلم الشخصي للشاعر

الذين يطلقون هذا الحكم لا يقدمون قراءاتهم لعوامل التميز

إنهم يعدون على الأصابع.. وربما على أصابع اليد الواحدة

حاوره: رامز النويصري

صالح قادربوه.. يكفي أن نقول شاعر لمعرفته، يغازل القصيدة، فتسقط بين يديه، تعطيه كل ما يريد، لكنه لا يرضى إلا بان تكون نداً، قادراً على المواجهة.. نص “قادربوه” نصٌ معبأ بالكثير من الحلم، والبحث عن باب للدخول على عوالم يمكنها أن تطلق أعنة اللسان بالغناء بلا توقف.

يجرب، يغامر، يرتقي.. كلها مفردات تقودنا لمعاملته القصيدة، وكتابته لها، دراسته للغة العربية قدمت له متون اللغة، وشغفه المحموم بالقراءة فتح أمامه أكثر من عالم.. ومجموعته الشعرية الأولى (اشتهاء مستحيل) تختصر الكثير أمامنا للتعرف على هذا الشاعر، وإدراك بحثه من أجل نص متميز وقادر.

وفي هذا اللقاء نزعنا الأسئلة وألقيناها بعيداً، مخافة أن تفسد هذا الانطلاق الذي فاجئنا به الشاعر “صالح قادربوه” فتركناه يحلق..

الشاعر: صالح قادربوه

.. عن التجربة

� الشعر هو أجمل الأوهام، ليس تماساً للذات مع العالم، في نزاع الوجود والماهية فحسب، بل هو سيرة الحلم الشخصي للشاعر، الوادي السحري الذي يتماهى فيه الصوت والصدى، أشبه بالوثة واعية، أو بنبوءة لا محدودة ولا محددة الملامح، إنه حياة داخل الحياة ذاتها، وربما تكون اكثر منها خصباً وثراءً، بل وحقيقة.

وأعتقد أن أكثر المناطق استثارة فيَّ وفي نصي هي تلك المتاخمة للذات، فأنا بصراحة شديدة لم أستطع أن أتخلص من سطوة الذات شبه الكاملة عليَّ وعلى مُنتجي الفني، ومن السهل ملاحظة النزعة الرومانسية في كتاباتي، التي تأتي أحياناً مكسوة ببعض الرمزية التجريريدة.

� لم يكن نصي الأول مغامرة، لأنه لم يكن محاولة للاقتراب من الرؤيا، بل كان مجرد إعادة صياغة لأساليب الشاعر التقليدي –الشاعر العربي أقصد-، وقد كان ذلك بالمصادفة، حيث رغبت في المشاركة بإحدى المسابقات المدرسية، فنظمتُ نصاً كلاسيكياً يفتقر افتقاراً مرعباً إلى الخيال والجمال.. أما نصي الشعري الأول فأخشى أنني لم أكتبه بعد.

� هناك فرق بين التأثير والتواصل، فليس هنالك إشكالية –في رأيي- في التواصل مع الموروث الشعري الليبي، والنصوص الشعرية خلال العقدين الماضيين.. ولكن المؤثر الأول والأوضح في كتابات جيلي هو شعراء المشرق، وليس شعراءنا المحليين، فشعراؤنا أنفسهم هم متأثرون بشكلٍ ملحوظ بالمشارقة، فكلنا متأثر بالتجارب المهجرية، وبالسياب، وبادونيس والماغوط والحاج، ومحمود درويش وغيرهم، كل هؤلاء مشرقيون، سواء كتاب النثر أو التفعيلة أو العمودي.. والأهم هو أن يكون هؤلاء مرحلة تأسيس ينطلق منها الشعر الجديد إلى آفاق الشعر العالمي لينتفض نصه الخاص، ويكتب تجربته الخاصة، التي يجب أن لا تكون شبيهة بأي من هؤلاء ولا بغيرهم.

.. في أجواء الديوان

� عندما صدر ديواني الأول (اشتهاءٌ مستحيل) كنت أريده أن يكون في الأساس وثيقة دالة على مرحلة أولى من كتاباتي للنص الشعري –إذا توفر فيه شرط الشعرية-، وهذا لا يعني أنني أردت أن يكون ضعيفاً من الناحية الفنية، لكنني كنت منشغلاً بالبحث عن الشعر، وقد يظهر هذا الهاجس في بعض نصوص الديوان، وربما كان الاحتفاء بالشعر واضحاً في الأساس ضمن هذا البحث الشبيه بالهوس..

لكنني مازلت أعتبر الشعر رحلة في المطلق، حالة طُهرية سرمدية، تهتم بالاكتشاف، وتدور دائماً حول ضوء الرؤيا والنبوءة والحلم، انطلاقاً من الذات ورجوعاً إليها.

� الشعر.. اعتماداً على المستوى السمعي والبصر الكتابي، هو ممارسة لغوية صِرفة، بل وحتى على المستوياات الأخرى يبرز الشعر ابناً شرعياً للغة، أية لغة، كل لغة، منطوقة أو إشارية إيمائية.. بل وحتى لغة الصمت هي صانعة للشعر، فليس ملفتاً ولا مثيراً للتساؤل أن يحتفي شاعرٌ باللغة التي ينتج بها مشروعه الإبداعي (لعبته الشعرية).

� أنا أرفض تماماً (لا بد) هذه.. فهي على النقيض من حالة الإبداع.

(لا بد) تعني الدوغمائية والشرط المسبق.. والفن هو تحرر دائم، واعٍ مؤسَّس لكنه متجاوز، فليس حتمياً على الإطلاق أن يكون الشاعر صوفياً.. وهل هناك شاعرٌ صوفي حقاً؟!.

بيد أن ما توفره التجربة الصوفية المشرقية من موروث خصب (رموز، ألفاظ، ظلال عبارات وكلمات وحروف، موسيقى محلية، تفجير إمكانات الروح، براحاً مطلقاً لشطحات الخيال، تماهياً للوعي باللاوعي… الخ)، جعلني أحاول أحياناً الاستفادة من هذه الإنجازات اللغوية الأسلوبية الدلالية لمصلحة النص الخاص بي، محاولاً أن لا أسقط في فخ إعادة إنتاج هذا الموروث قدر استطاعتي.

 �في مجموعتي، وفي نصوصي كلها، حضورٌ طاغٍ لمؤنث، قد لا يكون امرأة بالضرورة، ولكني معنى، ومصدر توليد، ومؤججاً للحالات الشعرية.

هذا لا ينفي أن تكون الأنثى هنا (امرأة) هي حقاً غير واضحة المعالم، مثلما لا يمكننا أن نمسك بالعطر أو أن نحدد شكله وفحواه عند انتشاره فيما حولنا.. لذلك أطالب القارئ بأن يكتفي هنا بالشم، والانتعاش بسحرٍ مبهم.

.. عن التجربة الشعرية

� أنا لا أميل إلى المبالغة القائلة بان مشهدنا الشعري في ليبيا هو من أهم المشاهد الشعرية العربية (والذين يطلقون هذا الحكم لا يقدمون قراءاتهم لعوامل التميز هذه للأسف).. لكن الشعراء الليبيين أصبحوا يهتمون بشكل أكثر جدية بالنصوص، وهذا قد يجعلهم في المستقبل في مكانة الشعراء أصحاب التجارب الناضجة في الخطاب الشعري العربي، أو على الأقل مؤهلين لأن يكونوا مرحلة مهمة في تطور النص الليبي.

وهناك مجموعة من الشعراء الذين حققوا بالفعل هذه النقلات النوعية، وأتمنى ان يكونوا هم الدعامة المثلى للتأسيس الحر للإبداع.

أما عن جيلي من الشعراء الشباب.. فإنني مؤمن بطموحهم الكبير للإنجاز، وببروميثيوسيتهم الحادة، لكن ينبغي أن أقول أيضاً (إنهم يعدون على الأصابع.. وربما على أصابع اليد الواحدة).. ودعونا نصرح بأنهم لم يكتبوا مشاريعهم الخاصة بعد، وأنهم مازالوا واقعين في أسر الأسماء الشعرية الكبيرة في المشهد الشعري العربي.

.. في الختام

� كنت أتوقع أن تسألني:

– هل تؤمن بشاعريتك؟

وكنت سأجيب:

– حقاً.. لا أدري.!!

� في الختام أشكر لكم هذا الاحتفاء، ولكم كل الحب.

مقالات ذات علاقة

الروائى الليبى صالح السنوسى: اعتمد على الموروث الشعبى فى كتابة رواياتي

المشرف العام

عبد العزيز الزني : المونودراما لا تعني الغاء المسرح الجماعي

عبدالسلام الفقهي

صابرحجازي يحاور اِلأَدِيبَةِ اللِّيبِيَّةِ غَادَة البِشَارِي

المشرف العام

اترك تعليق