حوارات

الشاعر: خالد درويش/ المشهد الشعري الليبي، مشهد مكتمل

الشاعر خالد درويش..

ستة أشهر وأنا أبحث في التاريخ عن تخثر الدم الذي سفكناه

ليس بيني وبين محمود درويش صلة دم، لكن هناك صلة أخرى

المشهد الشعري الليبي مشهد مكتمل … إن لم يكن أقوى المشاهد

حاوره: جمـيل حـــمادة

الشاعر: خالد درويش

 

“خالد درويش” واحد من الشعراء الشبان الذين تتوسم فيهم ملكة الشعر منذ أول وهلة، تعرفنا عليه منذ عدة سنوات شاعرا حركيا، نشطا ومثابرا، وهو أستاذ الأدب العربي ورئيس قسم النشاط بـ(المعهد العالي للمهن المسرحية والموسيقية) بطرابلس، يكتب القصيدة التفعيلية ونراه يجرب كثيرا في النثر، كما يشارك بالكتابة في معظم الأجناس الأدبية تقريبا، نشر قصائده في العديد من الصحف المحلية والعربية.. يهتم بانتشار النص الليبي والأدب الليبي، نشر مؤخرا أول أنطولجيا ليبية لقصيدة النثر الحديثة ضمت أكثر ممارسي هذا اللون الشعري في ليبيا،  كتب الشعر منذ عام 89.. يصدر له قريبا (زقزقة الغراب فوق رأس الحسين) و(بصيص حلق) ترجمت قصائده إلى اللغة الفرنسية.

نلتقيه في هذا الحوار محاولة منا في استكشاف أراء “خالد درويش” كشاعر شاب لأبناء جيله والأجيال السابقة كما أردنا أن نسبر غور رؤاه تجاه مستقبل الثقافة والنقد العربي بل وحتى أحلام وطموحات هذا الجيل علنا نرى بارقة أمل في نهاية النفق الثقافي العربي.

س ــ هل تشعر بأنك استطعت أن تترك قصيدة ما كرستك في ذهن لمتلقي ؟

ج ــ إن الشاعر هو كل لا يتجزأ، وهو محصلة كبرى لرؤى وتجارب وأحلام وآمال وخيبات أكثر، المتلقي هو أيضا انعكاس لكل ما ذكرت هو أيضا مجموعة من الآمال والخيبات والكثير ربما، فهو يلتقط بإحساسه ما يعبر عنه، ما يحتاجه لكي يتآلف وإياه ولذلك ربما وجدتني اترك له قصيدة أو أخرى قبل أن أغادر الأمسية لعلي أراهما في قطعتين صغيرتين فاجأني الكثيرون بأنهم يحفظونهما، قطعتان قلتهما فتوحدت بهما مع المتلقي والأصدقاء شعراء وقصاصين هما (بصيص حلق) و(أيتها النملة).

صرختان توارثهما منذ الأزل، أما القصيدة فإنني أعتبر (مهجة الحالمين) بوابتي للآخر، للمتلقي، كم أكون سعيدا حين يأتيني الشاعر “سالم العالم” بنص استوحاه من بصيص حلق ويقول لي أنها سكنته، أو حين يهمس في أذني “اكواص” (من قامة وبصيص حلق، سوف تومئ سنبلة) أو “حواء القمودي” حين تسميني النملة.

س ــ علمنا مؤخرا بأنك تقدمت إلى مجلة المؤتمر بمجموعة شعرية من أجل النشر، فمتى سيصدر هذا الديوان الذي نعرف أنه أول مجموعاتك المنشورة؟

ج ـــ حين يصبح للقصيدة جناحان ومطبعة.. نعم تقدمت إلى (مجلة المؤتمر) بمجموعة شعرية لكنها لم تنشر، لم يقيم أحد العمل، لم يكتب أيا منهم تقريراً لا لرفضها ولا إجازتها، فبعد أن أرسلوا لي لأجل تصويب وتصحيح المخطوط واتفقنا على وضع الإخراج الفني وبعد أن كانوا متحمسين لنشرها، فوجئت بأنها أجلت إلى حين آخر، راجعت النص تفحصت العنوان (زقزقة الغراب فوق رأس الحسين) نصوص نثرية مركزة، اختمرت معي طيلة ستة أشهر اشتغلت فيها بجد كي أستقرئ تاريخا دمويا مرّ علينا منذ كربلاء وإفناء أسرة النبي، إلى ملاحقة السفاح لبني أمية مرورا بالمنصور وانكسارات التاريخ الإسلامي منذ السقيفة، وحتى خروج علي بن حاج، استنطقت المورسكيين في غرناطة أيام محاكم التفتيش، وعرجت أبحث عن رغيف خبز أعطيه لموسى بن نصير الذي مات وهو يتكفف الناس بعد أن أهدانا أجمل درة في تاريخ الأرض الأندلس، وسألت الحجاج بن يوسف لماذا يا حجاج قتلت سعيد بن جبير؟ ألأنه قال: ليس لمستكره طلاق فقال الناس إذا ليس لمستكره بيعة؟.

ستة أشهر وأنا أبحث في التاريخ عن تخثر الدم الذي سفكناه، من أجل ماذا كل ذلك ؟ من أجل الكرسي، أداة الحكم، تلك التي تحلها أية واحدة (وأمرهم شورى بينهم) التفتنا لها هنا في ليبيا،، كان بين يدي أثناء العمل مدونات كثيرة، دخلت بركة الألم وبوابة الدم، تاريخ الاغتيالات، هل أقول لك أن يوسف باشا القرمانلي قد أطلق النار على أخيه البيك الكبير وهو في حجر أمهما (لللا حلومة) بعد أن أقسما على القرآن ألا يغدر أحدهما بالآخر، غرقت مكتبتي بتواريخ الطبري وابن الأثير وابن خلدون، وتاريخ الأندلس والمغرب، تاريخ القرامطة، الاسماعيلية، الزنوج، دخلت هوة الكلمات المضرجة عند قلعة ألموت، ورحت أنقب كي أستجدي أبا طاهر علّه يعيد الحجر إلى مكانه، استفدت من كثير من المعاصرين كموسوعة أساطير العالم والأعمال الكاملة لقاسم حداد وأزهار الشر لبودلير ومن دراستي حول الغربان، الغراب هذا الكائن الأسود الذي قرأت عنه كثيرا، ثم  أهديته هذه المجموعة لأنه أول من معلم للإنسان فهو من أهدى المعرفة لابن آدم ويالها من معرفة كيف نطمر الدم وكيف ندس الجريمة، لقد عجز الانسان أن يكون مثل هذا الغراب.

بعد عدة أيام عدت إلى المجلة ، لم يخبرني أحد شيئا، أحد الأصدقاء همس في أذني (على خاطر قاموس الشر سوداوي هلبة) كانت تلك فاكهة الموسم لدي، سوداوي ؟ هل قضينا على كل هذا الخراب الحاصل في العراق لنفرح ؟ هل انتشلنا أطفال القدس من تحت الدبابات المغولية لكي نتفائل؟ ضحكت ملء المتوسط، وصفقت للغراب ولعلم الغراب، أخذت المجموعة وأرسلتها إلى دار الأوائل بسوريا وهم الآن بصدد نشرها هناك.

هذا ليس بأول ديوان لي يعامل هكذا ديوان بصيص حلق أيضا لحقه الرفض لكن هذه المرة من ( مجلس تنمية الإبداع ) هم من أرسل لجميع كتاب ليبيا رسائل موقعة ذات رقم إشاري ترجوا الكتاب والمبدعين الليبيين

أن يزودوا المجلس بمخطوطاتهم التي يرغبون بنشرها وسيقوم ( مجلس تنمية الإبداع ) بنشرها، فرحنا جميعا، أرسلت لهم المخطوط وانتظرت العيد، فوجئت بعد أيام بالشاعر علي الفلاح يعتذر بأن مخطوطي قد رفض، لقد رفضوه دون أية ملاحظات، المتعارف عليه أن ترفق لجنة الفرز تقريرا يتضمن أسبابا فنية أو تعديلات معينة كل العالم يفعل ذلك حتى القطط لديها مثل هذا النظام، علمت بعدها انهم رفضوا كثيرا من الشباب المهمين أمثال عبد الوهاب قرينقوا وسعاد سالم ورامز نويصري، إذا لماذا أرسلوا لنا ؟ مع أنهم يرفعون شعار أدب الشباب وتشجيع الشباب، وحين أصدروا قائمة من ستصدر لهم دواوين عن المجلس وجدنا انهم والحمد لله وافقوا أن ينشروا لحسن السوسي وراشد الزبير ولطفي عبد اللطيف وخليفة التليسي وسالمين الزروق وعز الدين بيزان. مع أن كل واحد من هؤلاء لديه اكثر من مقطورة كتب منشورة، أما نحن الشباب فلنذهب إلى دار رعاية الأيتام كي تأخذ بأيدينا، رحم الله أبا العلاء المعري.

س ــ خارطة الشعراء الشباب سواء على مستوى ليبيا أو مستوى الوطن العربي تعاني من وجود نماذج دخيلة على الشعر معتقدة أن الكتابة الشعرية هي أسهل من زراعة البطيخ، فما قولك في ذلك؟

ج ـــ ليست خارطة الشعراء الشباب فقط، الدخيل على مستوى الوطن العربي كثير في كل العواصم تجد مزيفي النقود وتجد حائط مبكى وتجد ألعابا صدئة وتجد حناجر مقطوعة، الشعراء الشباب / الشعراء الشيوخ، في علمي أنا وفي مملكتي المعرفية الغير مصقولة الأطراف يدخل هذا التصنيف دائرة الاتهام فكم مرة سمعتني أردد (ليس هناك شاعر كبير وشاعر صغير هناك نص كبير ونص صغير)، ليس للعمر أي دخل هنا، عندنا كتّاب عمرهم عمر نوح وأشعارهم كهبنقة، إذا العمر ليس له دخل، الحكم للنص، مشكلة هؤلاء أنهم اتكئوا على مكاسب غير شعرية وظلوا يحاربون من اجلها، عندنا مثلا من يطرحون أنفسهم كشعراء (وهم من جيل الشيوخ إذا أخذت مصطلحك) لا نحفظ لهم بيتا واحدا مع أننا جميعا نحفظ عن ظهر قلب (أيتها الذئبة خذيني من فمي بدأت أتعب) أو (بلاد تحبها وتزدريك) أو (بلدي وما بلدي سوى بلد الطيوب).. الشعراء الشباب في ليبيا هم من سيخرجون الأدب الليبي من عزلته، لتبق هذه الكلمة رهانا بيننا، إن رامز النويصري، عبد الوهاب قرينقوا، أم الخير الباروني، محمد زيدان، صالح قادربوه، يوسف إبراهيم، حواء القمودي، سعاد سالم، ريبع شرير، صلاح عجينة، عبدالدايم كواص، غازي القبلاوي وعلى رأسهم خالد درويش، هم من سيحملون شعلة الإبداع اليوم وغدا، الكثير منهم يتعثر لكنه صادق، نحن لا نبحث عن مكاسب سوى الشعر والأدب، إننا نحب هذه الربّة المتوجة المسماة ليبيا بكل ما فيها، لم نستسلم بعد للنقود المزيفة وللزوجات المهترئة والأطفال البلهاء ولا للسيارات المدفوشة، كلا، الإنترنت من أمامنا وبيت الحكمة من وراءنا، كل واحد من هؤلاء صدقني يحاول أن يجتهد، أن يعيد تشكيل نفسه ونصه، كم مرة أخذنا مجموعة من النصوص وأرسلناها إلى المجلة الفلانية والموقع الفلاني، فقط لنقول أننا هنا، كم سهرنا معا لكي نطبع قصائد شعراء لم نعرفهم أبدا فقط ينتمون لعبادة ليبيا ولهذا المشهد، كم سهرنا لإعداد ملف عن الشعراء في ليبيا وانطولوجيات ومقابلات مع كتاب ومبدعين ليبين لإرسالها خارج المتوسط، وإلى صحف عربية وأجنبية، كم أتعبنا غازي القبلاوي وهو يترجم قصائد ليبية لإرسالها إلى بانيبال أو نوافذ، أو رابطة الشعر الحر في أمريكا، هذا الجيل يحمل على عاتقه أن يخرج النص الليبي خارج أسواره وألا يكتفي العالم بالكوني والفقيه والنيهوم فقط هناك مبدعون آخرون أيديهم تلوّح  للعالم،  هناك قامات جديدة ستطرق باب العالم لتقول إن النص والتشكيل الليبي يتطوران في حرفية عجيبة.

س ــ في عدد من الأمسيات الشعرية استمعنا منك لقصائد تفعيلية جيدة تنم عن موهبة حقيقية ثم فجأة رأيناك دخلت بسرعة إلى ساحة التجريب في قصيدة النثر وعلى نحو لم تصل فيه إلى زمن النضج والتشبع بالقصيدة العمودية، سواء بالنسبة لك كشاعر شاب مجيد أو بالنسبة للمتلقي الذي قد يكون في مكان ما ويتابع قصائدك، فما هو السبب ؟

ج ــــ عن سؤالك أنني لم أتشبع من القصيدة العمودية فهذا صحيح لأنني أحفظ فقط ديوان المتنبي كاملا وكذلك المعلقات العشر،هذا عدا ما أكل السبع وما أهل لغير الله به، أما  بالنسبة لما تسميه الدخول في ساحة النثر أو التجريب فهذا لا يعني أنني منعزل عن محيطي أو أن أكتفي بالتفعيلي منهجا، صحيح أنني نشأت تفعيليا ومحافظا على الوزن ولست محتاجا لأن أتخلى عن الغنائية، ولكن ما حدث في زقزقة الغراب لم يكن قصيدة نثر، هو نثر مركز كما أسميه، أما قصيدة النثر فتلك إشكال قائم لم يتقنه الكثير، فإذا وجد شعراء كأنسي الحاج أو الماغوط أو قاسم حداد عندها سنفتح هذا الموضوع، أما بالنسبة لي فإنني أستفيد من ثراء لغتي، أحب هذه اللغة، هذه الأحرف القاتلة، شيء ما يأسرني في اللفظ في التركيب الماسي للحاء والباء والراء، إنك حين تقرأ نصا كتب من حروف القلب ترى بماذا تحس؟ كيف ياترى ينفلت البحر مرة واحدة ؟، أين هي جنية القمر لتقبّل رأسي ؟، أعشق سيدي هذه الحروف،أقرأ التوحيدي ثم أغلق عينيّ على مصراعيهما، وأسمع سورة الرحمن فأموت عشقا، سيدي هذه اللغة الإزار، هذه اللغة المعصم، إنها تحتاج عاشقا فقط، نورس بوح ثم تعطيك، وتعطيك، أما ما نسمعه عن التفخيخ والتفجير والتهديم فهو كذبة كبرى لا تحتاج اللغة لا إلى تهديم ولا تفجير ــ لاحظ معي العقلية الذكورية في هذه المصطلحات ــ اللغة تحتاج عاشقا فقط، تحتاج إلى رجل وامرأة، إلى عصفور وبحر، إنها تفتقد ونحن كذلك هذه المسلمات فقط.

وقد وهبني الله ملكة إلقاء القصيدة وأحمده على ذلك، ميزة لماذا أضيعها، إن القصيدة الجيدة هي إلقاء جيد، فلازالت أذن العربي برغم الحداثة أذن موسيقي وغناء، ولازال يطرب من خلالها، أنا أؤمن بالحوار المباشر بين الشاعر والجمهور بهذه الطلقة التي يرسلها القلب فتصل القلب، شعراء كثيرون أتميز عنهم لا بالشعر وإنما بحساسية نقل القصيدة إلى الآخر نقل شعورك وانفعالاتك كما هي  للأخر وهذا مهم جدا.

 

س ــ أنت تحب الشاعر محمود درويش كثيرا، هل ثمة صلة قرابة بينكما، هل تعرفت عليه شخصيا، خاصة أننا لاحظنا تأثر بشعر درويش، وربما لا يكون ذلك عيبا بالضرورة فهل تعتقد بأن هذا القول فيه شيء من الصحة ؟

ج ـــ ليس بيني وبين محمود درويش صلة دم، لكن هناك صلة أخرى، محمود درويش تعرفت عليه مبكرا، عندما كنت في قسم اللغة العربية كانت هناك أميرة من يافا تدرس معي، هي من أدخلني صلب القضية من خلال عينيها الغابتين، هناك صار اسمي تميمة حظ لي، هناك صرت فلسطينيا أكثر من فتح، وجاء الفتح بديوان درويش، صارت قصائده تدخل القلب وتستقر من خلالها، عام كامل عشته فلسطينيا ودرويشيا ثم وقعت ضحية هذا التزوير، لقد سكنني محمود درويش وأنا الذي جاهدت كثيرا كي أتخلص من لعنة نزار خصوصا في البدايات، كان الجميع يظن أنني فلسطيني، فاٌلأسم وهاتين النظارتين غررتا بالكثيرين وصار محمود درويش ابن عم لي وصارت تلك الأميرة تنفحني بالحلوى، على يديها تعرفت على الأدب الفلسطيني والعبري أيضا، دائما المرأة هي بوابة الكنز، كنت أصرخ في عينيها (فلسطينية العينين والكفين)، حقيقة أقول لك أنني تأثرت بقصائد ولم أتأثر بشعراء هناك قصائد جعلت مني مجنونا عاشقا، خذ مثلا (اليتيمة) لدوقلة المنبجي أو  قصيدة ابن زريق (لاتعذليه) أو معلقة طرفة (لخولة أطلال) أو (الراهبة) لالياس فرحات، لقد قرأت على الأرجح كل ما وصل إلى يدي من شعر العالم على كثرته ولازلت أهيل عليه التراب كي أنساه.

استفدت من درويش في تلك المنظومة التي يشتغل بها، طريقة تدوير الكلمات، أحببت القصيدة المدورة جدا، استفدت من تقنية البحر، وتداخل التقطيع العروضي في بحري المتقارب والهزج اللذان كتب محمود عليهما جلّ قصائده، بعد ذلك اتجهت صوب البحر لكي أغتسل، وعندما نشرت لي صحيفة العرب قصيدتي الأولى كنت في نظرها فلسطينيا هل رأيت كيف خدمتني فلسطين الطيبة، ودفع بي هذا الاسم الكبير إلى ملحقها الثقافي فصرت شاعرا لا يستطيع أحد أن يقول له ثلث الثلاثة كم. مع أن جدي الحقيقي الدرويش هو رجل لا علاقة له لا بالشعر ولا بالقضية، رجل درويش مختل العقل، سائح في البلاد، صوفي يغمر الناس بالبركات، كان شيخ طريقة قديما وربما أفاقا مثلي.

س ـــ تحدثت عن قراءتك للشعر وحفظك له فهل نعرف كيف تحصلت على هذه الثقافة وما هي الكتب التي أثرت فيك  مِنَ الشعراء والكتاب ؟

ج ــــ علاقتي بالكتاب كانت قديمة جدا، كنت أحب دروس المطالعة والقراءة، وبرعت فيهما، طفولتي كانت قاسية جدا، فنتيجة اليتم والحرمان واضطهاد الأب كان الكتاب هو وسيلتي الوحيدة للتخلص من الواقع، أبحرت مع الحروف وهربت على أجنحة الخيال لأجد متنفسا أتنشق منه بعضا من عزاء، لم يكن في بيتنا مكتبة، ولا صحيفة، أول كتاب اقتنيته كان (مقتطفات من كتب الأدب العربي) جزآن كانا مقرران  لطلبة الصف الثاني والثالث ثانوي أيام كان هناك تعليم، هذان الكتابان لازالت أحفظها عن ظهر قلب كانا موسوعة من أدب الجاحظ وابن العميد وكل أعمدة التراث، كنت في الصف السادس ابتدائي، حفظت سورة مريم والكهف وطه  ويوسف، ثم وقع في يدي كتاب (نصوص مختارة) كان يدرس للمعاهد العليا لازالت أذكر منه قصيدة ميخائيل نعيمة التي قالها في موسكو بعنوان (النهر المتجمد) في تلك السن المبكرة تعرفت على هؤلاء ثم سرقت من مكتبة المدرسة أيام كان لكل مدرسة مكتبة، كتابا هو (البيان والتبين) للجاحظ تلقفته فرحا، صار الجاحظ هو أستاذي طريقة تفكيره هي طريقة تفكيري، أحببت المعتزلة وفكر المعتزلة، حفظت المعلقات أثناء دراستي الثانوية، وحين اكتشفت نزار قباني اكتشفت المرأة فتدفق الشعر والكتب والمعارف، أنا مدين لأصدقائي بكل شيء هم من أخذ بيدي وهم من علمني وفتح الطريق أمامي، أستاذي الدسوقي الشافعي الذي فتح لي مكتبته وأنا في ثاني ثانوي كان يدرسني اللغة العربية وقبل أن يتم الاستغناء عن المدرسين المصريين أهداني أغلب مكتبته، تعرفت على الشعر الجاهلي العباسي الأندلسي، المملوكي، الحديث، ولازلت أحن إلى أشعار هذيل وأتمنى أن أرجع يوما لقراءتها،،، كذلك كان للمسلسلات التي يعرضها (رشيد علامة) أثر كبير حيث ساعدتني في استعذاب اللغة العربية، كنت أحفظ تلك المسلسلات التي غالبا ما تكون مستوحاة إما من العقد الفريد أو من الأغاني، لا أنسى أستاذا كبيرا هو عبد الله غيث، تأثرت بطريقة نطقه السليم وإيقاعه الفصيح، تلك كانت فترة تكويني الأولى حيث كنت أشتغل بيدي في الصيف لأنفق على نفسي وأشتري كتبي، أما المرحلة المهمة فهي مرحلة الجامعة، تلك المرحلة التي  تفرغت فيها للقراءة والحب طبعا، دخلت الجامعة وكنت أظن أنني سأستفيد شيئا لكنني منيت بخسارة كبيرة، كل المنهج أعرفه، ليس من جديد، قضية الشك في الشعر الجاهلي، المعلقات، غيرها، كنت أدخل الامتحان فقط وهكذا، كان ذلك الوقت مهما بالنسبة لي ، تعرفت إلى زوربا والأرملة، وسمكة الشيخ، وجان فال جان وروائع منير البعلبكي المترجمة، صرت صديقا لمكتبة العلوم الاجتماعية تلك المكتبة التي سرقت منها الكثير من الكتب من أهمها نسخة من كتاب (الكشكول) للعاملي  ونهلت منها حتى ارتويت، أدب العالم كله بين يدي، ساعدني كذلك إنني بعد تخرجي من الجامعة لم أحصل على وظيفة، بقيت خمس سنوات أبيع الكتب على الأرصفة وهنا حدثت المعجزة حين خرجت من المكتبة إلى الحياة، إلى الناس، كانت هذه المدرسة هي المعلم الأكبر، تعرفت من خلالها على الاشتراكية الشيوعية، حركة انتقال الهم الإنساني من وإلى و داخل الروح، في معاملات الفقر والحضيض، كان ( سوق العتق ) عالما من الدهشة والانبهار، أحسست أنني أنتمي لهذه الفئة، انفجرت النصوص الضاجة بالحياة، كنت أشتري الكتب القديمة وبعد أن أقراها أبيعها، استفدت من جهتين، كانت تلك الفترة من أجمل الفترات في حياتي نهلت من القراءة وتعرفت على شعراء وأدباء وحشاشين، وكناسين وحرامية، وسمكرية، انفتحت أمامي كنوز المدينة القديمة وأسرارها، كم أحن لتلك الفترة، الآن أنا أستاذ ورئيس قسم وصحفي، لي مرتب، ولي جدول محاضرات كل هذا يربكني، كم أشتاق لأن أفترش الرصيف مرة أخرى وأقابل أولئك الآدميين الخارج الحياة (الناس اللي تعاني، ونستهم الأغاني).

س ــ كيف تقيم المشهد الثقافي والشعري الليبي على وجه الخصوص، ما الذي يحتاجه لكي يكون اكثر اكتمالا ونضجا إذا افترضنا أنه ليس ناضجا كفاية

ج ــ المشهد الشعري الليبي مشهد مكتمل كأي مشهد عربي إن لم يكن أقوى المشاهد، وهذا ليس ادعاء لقد ثابرت على استقراء تجارب كثيرة، نجد أننا نتفوق على جيراننا كثيرا، لكل منا ما يميزه، أشجار تنمو غريبة عن موطنها الأصلي تفاحا وكرزا وعنبا ونخيلا  سامقا، فاكهة فيها من كل الأصناف كلها تتجاور بلا مقت، وتؤتي أكلها كل حين، تمر فتجد عشيرة من القصاصين وقبيلة من الشعراء، مسودات دواوينهم في الأدراج، لعل عزلتنا أفادتنا في التحصيل والمثابرة وعدم التميع، هناك كومة قش بالطبع داخل هذا الحقل لكن ذلك ضروري لإشعال النار إن الخبز الساخن له مذاقه، لعل ما ينقصنا هو ضخ إعلامي، اهتمام بالمستوى الفردي للمبدع، دور نشر، هناك تقصير واضح من المسؤلين عن الثقافة، المبدع الليبي محتاج أن تسلط عليه الأضواء أن ينفتح على الآخرين، أن يشارك وأن يحتفي ويحتفى بأدبه خارجيا، ليبيا بلد رائع ـ وجدت هكذا، فيها لوحات الإنسان الأول الذي رسم على الكهوف، ليبيا التي قامت نظريتها على كتاب يجب أن تهتم بالكتاب.

س ــ هل أفادتك الموسيقى في ضبط إيقاعات القصيدة لديك ؟

ج ـــ لا علاقة للموسيقى بضبط الإيقاع، إذا كنت تقصد معهد الموسيقى فهو قد ضبط إيقاع قلبي بحسناواته، أما إذا كنت تقصد الوزن فإني أكره الخليل، وبالتالي أكره كل قيد.

 

س ــ كتبت مرة مقالا في مجلة السؤال بعنوان (ألف نيلة ونيلة) ألا ترى أن هذا العنوان فيه الكثير من المجانية، خاصة وانك تتحدث فيه عن الثقافة والمثقفين ؟

ج ــ ليس في هذا العنوان من مجانية ؟ قد تكون قرأت هذا النص بشكل مغاير، أشكر مجلة السؤال على ذلك، كان ذلك بإصرار من مفتاح العماري حين كنا نعمل بملفها الثقافي، هو نص تهكمي، حوار بين ابن خلدون وتلميذه أثناء دخول هولاكو دمشق، ناقشت فيه استكمالا لما قاله سعد الله ونوس في ( منمنمات تاريخية) عن المصالحة مع العدو وإشكالية خيانة المثقف حين رسم ابن خلدون خرائط المغرب لهولاكو، حين قرأت هذا العمل أعجبت به  ‘ عدت إلى تاريخ ذلك الزمن قرأت عن تلك الفترة ثم كتبت ذلك النص، طبعا لم يرضى أحد أن ينشره، أرسلت به إلى مجلة إلكترونية مرموقة طلب مني رئيس تحريرها بلطف أن يقص بعض أجزاء من النص تتعرض للخليج وضعت إيميلي أخر الصفحة، فوجئت بكم من الرسائل ترد تؤيد تشتم تبارك، تسخر، نجح النص، استفز قارئه، هذا هو الجميل أن هناك عربي واحدا لازالت الكلمة تؤثر فيه، قد أكون أتقن فن الهزء لكن هذا ليس عيبا، التاريخ كله استهزاء، لكن استهزائي استهزاء مثقف ومحرض، أما استهزاء التاريخ قاتل ومميت، لقد كان هذا النص شؤما على المجلة إذ أنها تعثرت فتوقفت في العدد الذي يليه ثم توقفت ولم نستلم من صاحبها قرشا أبيضا نذكره به، ولازال الدكتورغازي القبلاوي وعبد الدائم اكواص يلقبونني بـ(محرز بن كلبوس الخرائبي) وهو اسم الراوي في النص.

س ــ هل يمكن أن نستعيض عن الرصاصة بالقصيدة في محاربة العدو الذي يتربص بنا الدوائر في كل لحظة وفي كل أرض عربية؟

ج ـــ لا يمكن أن يحل شيء مكان شيء آخر، لكل منهما دوره، مستحيل أن يواجه الفلسطينيون في جنين دبابات شارون المغولية بقصائد درويش وهم يلوحون بها، ولا أغاني مارسيل خليفة بين ريتا وعيوني، الرصاصة لها مكان والقصيدة لها مكان آخر، أن تقاتل الطائرة بسيف عنترة فتلك جريمة في حق عبلة، لكن لابد من الثقافة إن صح التعبير، إن التخدير الحاصل في مجتمعاتنا عن طريق التغييب والتجهيل والكبت والمعوقات واستغلال الفقر والتوسل بالأموات وندرة الكتاب وهز القنوات ومشرع (إليسا) البنيوي جدا، مرورا بغرس خناجر الخطاب الديني في جسم بض، كل ذلك محتاج منا إلى وقفة جادة نتبين فيها موقعنا، أين نحن إلى أين نسير، إلى أين يذهب بنا ؟؟؟؟ إن إسرائيل صدقني لاشيء أمام الجهل والتخلف، ليست إسرائيل عدوتنا الأولى، من الممكن سحق إسرائيل لكننا لم نسحق الوالي العثماني المعشش في داخل عقل كل منا، يجب أن نطلق الرصاص على أنفسنا وأن نبعث من جديد أمة وسطا وأكرر أمة وسطا، أؤمن بأن التاريخ خط مستقيم لكن الإنسان جبار إن أراد، لابد من الرصاصة في جيب والقصيدة في جيب والخير والحليب في الجيب الذي يليه.

س ــ كيف تنظر لمصطلح الحرية كشاعر شاب أثناء عملية الكتابة ؟

ج ـــ في أوربا ألغي قانون الرقابة على المطبوعات منذ القرن الثامن عشر، ولكن أقل كلمة كان يقولها الأمير في عالمنا الإسلامي لمفكر أو عالم لم يعجبه منطقه ( الزم بيتك) أي ما يسمى الآن بالإقامة الجبرية، الزم بيتك، ومنها اشتق العرب معنى الالتزام في الأدب والحياة كمفهوم، فهم لحد الآن ملتزمون.

أما عن سؤالك عن الحرية فإنني أرى أن الشاعر يقول ما يريد دون حسيب أو رقيب، قل كلمتك وامض، هذا شعاري، ليست هناك من ضوابط أو سجون للحروف إلا سجون الفن و الإبداع والخلق، أنا مع الشاعر العصفور مع المثقف النورس، عدا الضوابط الفنية لا يجوز لنا أن نحجر على أي مبدع، أي شاعر، أي مثقف، ليقل كل منا ما يريد، ما يفكر فيه وحين يكتب شاعر ما رأيه في الدين في السياسة والمرأة ولا يوافق هوى عند الآخرين يكون مصير هذا العالم هذا الشاعر (الزم بيتك) كلا ” يجب أن نرد عليه الحجة بالحجة، الفكرة بالفكرة، كتاب بكتاب وسطر بسطر هكذا دون دم ودون ذم، علينا أن نتخلص من عقلية من ليس معي فهو ضدي، خنق المفكرين باليومي وإرهابهم بالتلويح بعصي التكفير شيء لا يمكن السكوت عنه ، مشكلتنا أننا حجرنا على عقولنا، غابت حرية الفكر في زمن الطواغيت المرد، غابت حرية الرأي منذ أن أغلق باب الاجتهاد في الفكر الإسلامي العربي بقمع تيارات فكرية وعقول متوقدة، خرجت مصطلحات الدروشة والتغييب وانطلق علماء السلطة يتبجحون في شوارع العالم العربي وفي جوامعه، وداخل إذاعاته، إن مأزق العالم الإسلامي اليوم هو غلق باب الاجتهاد، حين كان علماؤنا  وأدباؤنا يفكرون مستقلين عن القصر صارت لغتنا وأمتنا في عليين وبلغت أزهى عصورها، وحين صودر الإبداع ونفيت العقول وهدرت الحريات صرنا ما نحن عليه الآن بدل أن نهدر دم سلمان رشدي، لنرد عليه، لنصنع إعلاما قادرا، وفكرا متميزا، يقنع العالم ولا ندير عرباتنا للشمس،إن خفافيش الكتاتيب ومنابر السلطة هي من يجب أن نهدر دمه، ليقل أبو زيد ما يشاء وعبد الصبور ليتصور آدم كما يريد دون لهيب سياط البدري أو مؤسسة الجامع، إن الحلاج تعثر أمام المقصلة، لكنه صلى لكعبته ودفع ثمن صليبه، نحتاج إلى الحرية، إلى الحرية، أشعر بالقهر حين أستمع إلى ميل جبسون في فيلمه الشهير قلب شجاع وهو يصرخ لحظة إعدامه (fredooooooooooooom) كم أتمنى أن أصرخ هذه الصرخة ملء فمي أمام الوطن العربي بملايينه وملاليمه.

س ـــ على هذا الأساس أنت تكره الشابي لماذا؟ وقد اعترضت على قصيدته إذا الشعب يوما أراد الحياة؟

ج ــ أنت تصطادني، لابأس، نعم أكره الشابي حد الموت فقط لأنه قال هذا البيت، إنه يخرف، أنا أؤمن بالطاغية وليس بالشعب، الحاكم هو الذي يبقى وليس العكس، أكره الشابي لأنه متفائل وعصي على الحياة، رجل مريض بالقلب يعتلي صخرة ويصرخ سأعيش رغم الداء والإعياء، أليس هذا رجل يكره، رجل بمثل هذا الإصرار والقوة ألا يترك في نفسك حزازة ما، لقد رددت عليه فقلت:

وتحلم تحلم يا من تقول/ إذا الشعب يوما أراد الحيــاة

 فهذي القيود ولم تنكسر/ وهذي الكراسي هي الباقيات

وليس لليل بأن ينجلي/ وما من خلود سوى للطـــــــغاة

الطغاة هم من يبقى يتوارثون السلطة كابرا عن كابر، أما نحن الشعب فنزول نهزل كأننا عابرون في زمان عابر.

س ــ هناك من يقول أن زمن الشعر ولى وأن هذا هو زمن الرواية، فماذا يقول خالد درويش في هذا السياق؟

ج ــ هناك انحسار كبير في الثقافة عموما  وليس الشعر فقط، أنا أؤمن أن لكل شيء وقته وزمانه وللشعر جمهوره الذي يتضائل بسبب الشعراء وليس غير، جمهور الشعر يجب أن يستدرج من جديد، لابد من غواية ما وإلا سينصرف عنك، اخلق هذه الغواية وسترى، غواية في النص في المكملات، لا أدري المهم هناك استدراج معين، ثم مسألة الإلقاء أكثر الشعراء لا يجيدون إلقاء قصائدهم، المستمع يريد منك أن تأخذه معك إليك وإلى الآخرين، مادام تنازل وجاءك ليبدد معك الربع ساعة حري به أن يسمع منك شيئا جميلا، لماذا نحرمه من ذلك ؟ إنه إذا لن يعود إليك مرة أخرى، أعول كثيرا على هذه المسألة، إن إلقاء القصيدة يجب أن يؤثر في المتلقي أما أن تكون نشرة أخبار فأكيد كل منا له تلفزيون في بيته، أما هل زمن الشعر أم الرواية، أعترف لك أنه زمن الرواية عندي على الأقل، الشعر صار حالات فردية، أما الرواية فهي البراح الذي يحتويني، في الأربع سنوات الأخيرة صرت منهمكا في عالم الرواية وتجاهلت الشعر ربما لم أجد ما يشدني إلا بعض الشذرات هنا وهناك، الرواية والتاريخ هما عمود مكتبتي الآن أهرب إليهما فيهما أجد نفسي وليس في الشعر، لا تستغرب حين أترك الشعر لأكتب الرواية.

س ــ كيف تؤمن بصراع الأجيال في الحياة الثقافية والدبية وهل من حق جيل بعينه أن يستحوذ على زمن غيره ويصادره؟

ج ـــ صراع الأجيال هو صراع التجاور وليس المقت، هذا ما أريده، لكن الصراع مفروض وضروري لأتكلم عن ما أعرفه عن جيلي عن ما يسميه رامز النويصري (تسعينيون) نحن نحترم الذين سبقونا ولا أعرف جيلا في ليبيا يحترم الأجيال التي سبقته كما فعل جيل التسعينيات، إننا نبجل أصدقائنا الشعراء والكتاب من أجيال سبقتنا لكننا لم نجد من بعض من شابت رؤوسهم إلا المعاداة والتتفيه، والمراهنة الخاسرة قد يكون جيل الثمانينيات  أقرب لنا بحكم  القرب المعرفي والجغرافي الزمني أما الباقي فيحترقون لما يحققه هذا الجيل الذي ولد وفي فمه ملعقة من ذهب.

س ــ هل نقول أن هذا الجيل محظوظ فعلا بما يملك من وسائل معرفة واتصالات وثورة معلوماتية أم أن ذلك كان نقمة عليه؟

ج ـــ نعم نحن جيل محظوظ، جئنا إلى الساحة الليبية وكانت ممهدة، فانتشرنا كالجراد الآسن نأكل الأخضر واليابس، التسعينات فترة انتعاش وهامش حرية كبير، خلاف الأجيال التي سبقتنا، في فترة الثمانينيات كانت ليبيا سياسيا في مواجهات وتحديات كبرى، فخفت صوت الثقافة واتجه الإعلام إلى معارك ضد قوى أكبر أ معارك الوحدة ودعم حركات التحرر وما كانت عليه الخريطة السياسية في ذلك الوقت من انشغالات انعكس هذا على الإعلام والثقافة فلم يلتقط هذا الجيل أنفاسه إلا بصعوبة ونحن نحترم هذه التجربة لكن اليوم كل شيء مفتوح أمامك، جئنا نحن وثورة الاتصالات على أشدها استخدمنا ثقافتنا الإلكترونية في إيصال رسالة هذا الجيل، صار لكل منا موقع خاص به، نحن محظوظون قصائدنا تنشر بأسمائنا وصورنا في كل الصحف، تستطيع أن تتداخل مع أية إذاعة محلية، المهرجانات نشارك فيها باستمرار، نعم محظوظون لدينا الصحة والشباب والتفرغ والحسناوات فما لا نكون كذلك.

س ــ كيف يمكن تقييم حركة النشر في ليبيا، وهل يمكن للشاعر أن يلوم دور النشر التابعة للدولة إذا كانت سوق الشعر أصلا كاسدة ؟

ج ــ حركة النشر في ليبيا والحمد لله تتدثر بألف معطف خوفا من الصقيع في الليالي المقبلة، إنها كما وصف الآعشى هريرة بأن مشيتها من بيتها إلى بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل، حركة فيها من البدانة وتكتل الشحم ما ليس لدى مصارعي اليابان، لأما ان يلوم الشاعر دور النشر الحكومية فهذا سؤال يتهم نفسه بنفسه، إذا كانت تابعة للدولة فكيف ترى الشعر والأدب بمنظار السوق، إذ ليس من شأنها أن يكون السوق كاسدا، أن من واجباتها أن تجعله مزدهرا، ثم هذه عقلية التجار  وليست عقلية وزارات ثقافية خصص لها المجتمع ميزانية لكي تنفقها فيما؟ هل ستقف مكتوفة الأيدي ولا تنشر لمبدعي البلد بحجة أن السوق راكدة، ومن قال لك أننا في البورصة، إن دور النشر التي أنشأتها الدولة خدمة للثقافة ومنارة لدفع الحركة الأدبية عليها وحدها تقع مسؤولية الدفع بالكتاب، والكتاب هو الآخر سوقه راكدة إذا هل ستتوقف المطابع وتموت الكتب، ثم من قال أن الشعر يكسب مالا، أو يجلب أرباحا.

س ــ حركة النقد العربي قاصرة عن مواكبة الإبداع العربي ما مدى صحة ذلك ؟ ومن هو المسؤول عن هذا القصور ؟

ج ــ النقد العربي اليوم يتعثر كثيرا، إن لم يكن عاجزا عن المشي أصلا، لابد من حركة نقدية تصاحب أي عمل إبداعي أو حركة ثقافية، فلكل حقبة أو مجموعة منظريها ومبدعيها ومؤرخيها وهذا مهم، لكن اسمح لي أن أتعاطف قليلا مع النقد وأسأل : أين هي الأعمال المتميزة على مستوى الوطن العربي التي على النقد أن يواكبها، لا أقصد ما تنتجه دور النشر من سيلان، كلا، أقصد عملا إبداعيا أو منجزا ثقافيا عربيا لا يكون صورة عن ما وراء البحر، لا يكون صورة عن كرمازوف أو كافكا أو فوكنر او كونديرا،هناك استثناء نعم، لكن المجمل ماذا؟ على صعيد الشعر أو المسرح أو السينما أو الرواية ؟ أين هو العمل العربي الذي يتصدى وينهض بنفسه، إن متتبعا حصيفا سيرى هذا الانحدار المؤدب الذي يعيشه واقعنا الأدبي، ناهيك عن الموسيقى والتلوث المبرمج، إننا قد نعذر القاتل حين لا نجد جسم الجريمة ربما لأن البحر يخاف من الغرق.

س ــ أحببت العراق كثيرا وفي كثير من أمسياتك سمعناك تردد قصائد عن بغداد وتبكيها بحرقة قائلا أن جيلكم يعيش نكسة أكبر بكثير من نكسة 67 ؟

وهل هناك بشر في الدنيا لا يحب العراق أقدم حضارة في التاريخ وبلاد الرافدين، المدرسة الحضارية المتنقلة بين البشر، العراق شوكة في القلب، وبغداد جميلة الجميلات لها في الذاكرة العربية والإسلامية مكان الصدارة كنت أبكي قرطبة والخليل واليوم تغلغل رمح غاضب ليتكور في دمامل الروح، غاضبا كأفعى التكوين، نعم شهدت وشهد العالم معي السقوط الأخير لبارجة الحمائم والنهر، سقطت بغداد والدين يلهج مكفرا عن غيبوبة الله، لا يعني هذا أنني أبكي الحجاج ولكن أبكي الرافدين وأهله، أما أن لهاته الحفنة من البشر أن تعيش بسلام في أرض الله، يوارثتها الطغاة كابرا عن كابر، إن الروح لتقطر استسلاما معفرا حين تذكر العراق والقلب يئن حروبا وانكسارا حين يرى ويسمع ما يعانيه الشعب العراقي، أما أن للجواهري أن يعود إلى دجلة الخير أمنا مطمئنا، أما أن للبياتي أن يرمم أباريقه المهشمة، إن ما حدث ويحدث في العراق هو نكسة أكبر بكثير من تلك النكسة المعروفة نكسة مصورة دجيتيل. سلام يا أرض النخيل،سلام يا قرط بغداد ، سلام أيها السياب يا مرثية العطش على مرأى من دجلة الـ(مايها الراكد عذب).

مقالات ذات علاقة

شكري الميدي: التبو أيتام على موائد اللئام

محمد الأصفر

حـوار صـريح .. مع الدكتور محمد محمد المفـتي

المشرف العام

مريم عيسى: الحواس ريشة تعزف موسيقى اللون

حواء القمودي

اترك تعليق