حوارات

الشاعرة نجاح المبروك: كتبت الشعر قبل أن أدرس الطب

حاورها / مهنّد سليمان

الشاعرة نجاح المبروك

للأدب والطب علاقة طويلة تمر بأسلاك شائكة بيد أنها تفتح النوافذ على هدف مشترك ألا وهو الإنسان بكل تكتلاته المتناقضة وتمثلاته المرئية واللامرئية، عالمين ينفذان إلى أعماق هذا الكائن البشري شديد التعقيد والبساطة يعيدان تجسيد المُجسّد وإعادة ترتيب الأغوار أو قذفها كالحمم أحيانًا، فالبعض يصنف هذه العلاقة بالخفية وبعضهم يرى غرائبيتها، فالكثير من الأطباء لديهم تجارب ثرية في مجاليّ الآداب والفنون الرابط بينهما اكتشاف خفايا الداخل الإنساني والوصول لأقصى مخرج يفتح فم الضوء على مصراعيه، ولعل ولع بعض الأطباء بالقراءة ونهمهم بتتبع الإصدارات الأدبية الشعرية والروائية ولّد لديهم واقع الشغف والجرأة على إستبدال المشارط بالأقلام، واللجوء لفضاء يضعهم بمعزل عن ثقل الوجود، وإن كانت الشاعرة “نجاح المبروك” التي تخوض غمار الحرف والكلمة وتتعاطى مع بركان القصيدة تنفي الصلة الكلاسيكية والمباشرة بين الشعر والطب ولا تجد ثمة خيط يربط بين كلا المجالين فهي قد اهتدت لموهبة الشعر في لواعج ذاتها على يد معلمتها التي دفعتها للكتابة واستشرفت ملامح غدها الشعريّ، ومذ ذاك الحين دأبت نجاح على حفر أصابعها العشر في صخور الأبجدية فهي تكتب بنفس عالٍ وغضب لا يخفي فرحته وهذا ما يجعل قصائدها تخرج في حُلّة ناضجة بضوع الكافور حينا ونسائم الصيف حينا آخر، الشعر حالة ملتهبة واضطجاع على أرائك القلق كالكيّ بالنار في لحم العدم  والعلاج بالصدمات الكهربائية محنة قد تجرّ في ذيلها أفق الحل فتحرِّك بقطعة حجر صغيرة البِرك الآسنة .    

أواصر العلاقة بين الطب والأدب متجذرة منذ زمن بعيد ومتشعبة من خلال عدة أسماء لمعت في الشعر والرواية والقصة، كيف تعثّر الشعر تحت قدميّ الطبيبة ؟

كتبت الشعر قبل أن أدرس الطب، اكتشفت موھبتي في درس التعبیر بالصف الثامن، أو بالأحرى معلّمتي ھي من فعلت ذلك، حین سألتني من قائل ھذه الأبیات؟ فأجبتھا أنا، أذكر أنھا قالت لي ستكونین شاعرة.

ربما الشعر كما الطب تمامًا كلاهما يسعيان لتشخيص وتشريح الإنسان كلّ وفق أدواته، ما هي الآفاق التي مكّنكِ بها الشعر وأحجمها عنك الطب ؟

الطب علم بذاته یحتاج اجتھادا ودراسة وھو مھنة أولا وأخیرا، أما الشعر فهو حالة قلقة دائما، خاضعة للشعور واللاشعور،هو نتيجة لما يحدث حولنا ولا أرى خيطا حتى وإن كان رفيعا يربط بين المجالين.

أيهما أشد قساوة مشرط الحرف أم مشرط حجرة العمليات؟

حیث أنني طبیبة أطفال، ولست جرّاحة، وبالرغم من عملي في غرفة العملیات كطبیب مساعد في عدة جراحات خاصة بالأطفال مع الاستشاري رحمه الله الدكتور طاهر سركز فالأمر يختلف طبعا ولا مجال للمقارنة، فالحرف عصي لن يصيب غيري بالتعب وسأتركه إلى حين ترويضه أما المشرط فإما يد تمسكه وإما فلا.

الهروب ثيمة تكاد تشكل العمود الفقري لبنية نصّك الشعري، هل نفهم أنك تتخذين القصيدة مطيّة للانفلات من حصار واقع ما؟

القصیدة بالنسبة لي متنفس، تخرجني من حالة السكون إلى الحركة، ھي تحاكي واقعا نعیشه، نعرفه جیدا، ونحتجّ علیه، ونأمل بتغييره لا أكثر.

نلمس في متون نصوصك الشعرية ثقلاً كبيرًا يدفعك لتقيؤ الحروف هل تجدين بأن اللغة كفيلة بمقاسمتك جحم ما تحملينه؟

قال لي صدیق شاعر ذات یوم (أنتِ في حرب مع اللغة)، سأقتبس ھنا نصا قدیما ربما یكون جوابا شافیا.. إنھا متسلطة ورحیمة في آن.. وبقدر ما تغدق تبخل أحیانا ، وتظل ھاجسا لا ینطفئ فتیلھ..ولا یشتعل مرة واحدة فیخمد أبدا.

إنھا لغتي الضعیفة أمام كم ھائل لم یسعفني الوقت لمعرفة القلیل منه فأحشر عاجزة بین ما بي من كلام وبین ما لیس عندي من مفردات أو صور تجید وصف الحالة بدقة أو تكاد..ھنا یبقى الكثیر مترسبا في القاع قد یطفو بحدیث یشبھ نصائحك وثقتك بذاك المزید المخبأ في غیاھب فكري وروحي وقد یرقد بلا سلام حتى یحین أوان حدث ما.

متى نرى لك مجموعة شعرية مطبوعة ؟

صدقا لا أعرف، مازلت أشعر بعدم نضج قصائدي، وأخشى أن طباعة دیوان الآن حدث یأتي قبل أوانه.

إلى أي حد يساعدك فعل الكتابة على إيجاد عالم بديل؟

إلى حد بعید. ولكنه یعكس عمق العلاقة بین الشاعر والعالم.

هل القصيدة صرخة يحتاجها المبدع دائمًا؟

سألت مرة كم نحتاج من الألم لنكتب قصیدة، ھي نتیجة دائما، نكتب لنخرج ھذا الألم.. نلقي بھ خارج أسوارنا غیر المحصّنة.

المعاناة دافع يحفّز قرائح الشعراء للكتابة الإبداعية، هل تمثل المعاناة جسرًا يُفضي إلى الضوء ؟

لا ضوء، بمعنى عند الانتھاء من كتابة قصیدة، ستعود للوراء، كل انتھاء ھو بدایة، ستبحث دائما عن قصیدة جدیدة.

الشاعرة نجاح المبروك (الصورة: عن الشبكة)

مشاعر الحزن والألم تُثري العملية الإبداعية أم تثقلها ؟

یتوقف ھذا على تفاعلنا مع المؤثر أیا كان.

قصيدة النثر اليوم تجاوزت سكب وسبك المشاعر كيفما اتفق لتتبنى مفردات الحياة اليومية، أترين إن التفاصيل وبال أم سماء مفتوحة؟

التفاصیل مادة الكتابة، وعین الشاعر منتبھة، وتلتقط الأحداث مھما كانت عادیة، ثم تتشكل الصور الشعریة وھنا سأستعیر اقتباسا قرأته یقول (الصورة الشعریة ھي حلم الشاعر) خیاله الخصب الذي یحیل العادي إلى غیر عادي، وھذا ما یمیز بین شاعر وآخر.

في اعتقادي أن الاھتمام بالتفاصیل یحمل الصفتین معا (الإثراء والثقل).

كلمة أخيرة..

ھناك دائما ما یقال، ما یُقرأ، ما یسمع، وھناك الصمت الذي ھدنة إن شئت تسمیتھ، في ھذا الحوار منحتني تلك الفسحة بأبعادھا

الأربعة… شكرا لك.

مقالات ذات علاقة

الدكتور موسى أبومحلولة : (اوراق الغربة والحنين) .. طفح فيض المشاعر وانفجار مخزون الكلمات وانسكاب حبر القلم على أوراق الغربة ..

المشرف العام

سيد الدهشات .. القادم من الجنوب

ليلى المغربي

الشاعر الليبي محمد الفقيه صالح: “الشعر الجديد يمـتـلك المغامرة”

المشرف العام

8 تعليقات

محمد كدوع 25 أغسطس, 2021 at 21:16

احترت بين عبقرية السؤال وعبقرية الجواب الذي تفادى الانسياق لإيحاءات السائل الذكية ….شكرا للسائل والمجيب

رد
المشرف العام 26 أغسطس, 2021 at 07:16

نشكر مرورك الكريم

رد
محمد كدوع 25 أغسطس, 2021 at 22:34

احترت بين عبقرية السائل في السؤال وعبقرية المجيب في الجواب الذي تفادى الانسياق لإيحاءات السائل الذكية ….شكرا للسائل والمجيب

رد
المشرف العام 26 أغسطس, 2021 at 07:16

نشكر مرورك الفاضل

رد
نجاح المبروك 27 أغسطس, 2021 at 10:16

أشكرك لهذه القراءة المتأنية، تحيتي وتقديري.

رد
يوسف بوليفة 26 أغسطس, 2021 at 01:11

الشعر هو القدرة على ترجمة احساسك الداخلي الى كلمات بحيث تلامس كلماتك احساس قارئك الداخلي….نجاح المبروك تفعل ذلك….فشكرا لها شكرا لها….

رد
المشرف العام 26 أغسطس, 2021 at 07:17

نشكر مرورك الكريم

رد
نجاح المبروك 27 أغسطس, 2021 at 10:21

شكرا استاذ يوسف، لم تتوقف عن تشجيعي يوما، غاية الشعر أن يلامس دواخلنا، ويعني ما لا يستطيع أحدهم أن يقوله. تحيتي

رد

اترك تعليق