النقد

السيفاو بعين واحدة

في تجربة المصور “أحمد السيفاو”

1. [المنـطـلق]: تكمن فلسفة التصوير الضوئي (الفوتوغرافي) في القبض على اللحظة، وحبسها في أربعة زوايا، إنها البحث الذي أذهل المتلقي، ومن بعد تحول من مجرد اللقطة إلى الفن، إلى حالة يجتمع فيها الفن والفكر، حتى تحولت الصورة إلى حالة نافذة في عقلية المتلقي.. وما أحاوله الآن قراءة لتجربة ضوئية (فوتوغرافية) في مجموعة ملاحظات، بحيث لن يكون من الضروري وجود الصور في ترتيب معين/محدد، هي قراءة تحاول فتح بعض العناوين عن مكنوناتها، بنية أن تكون مفاتيح يمكن من خلالها الرحيل في هذه التجربة. وأزعم أنها محاولة أخذت مني الكثير، ودعم هذا الوقت صاحب التجربة ذاته، بما مدني به من صورٍ/ ولوحات.

من أعمال الفنان المصور أحمد السيفاو

نحن هنا نتحدث عن تجربة الفنان المصور “أحمد السيفاو”، المولود في طرابلس-سيدي خليفة (1/1/1953)، والغريب أن التخصص الأساسي له هو التصوير السينمائي، وقدم فيه مجموعة من الأعمال، لكن التصوير الضوئي، أو كما يعرف بالتصوير الثابت تملك منه وامتلكه، وأخذه بعيداً للرحيل، بعيدا في الصحراء الليبية المادة لونها حدود الأقق، إلى جبال أكاكوس وتاسيلي، حتى ليؤكد: (ليس هناك منطقة في هذه الصحراء لا يعرفني).

2. [لا خـطة معـدة سلـفاً]: أقترح هذا العنوان لتعليل التخلِّي عن الحركة مقابل الثبات، ولعلي أجد التعليل الأول في الآلة ذاتها، فالحجم ينحاز لآلة التصوير الضوئي، وإمكان الحركة بها فهي تمنح مستخدمها حركية أكبر في التعامل، بعكس آلة التصوير السينمائي، مرغمة مستخدمها الجلوس أو الحركة المقيدة إلى مسار.

في العمل السينمائي أنت تعمل ضمن خطة معدة سلفاً مخافة استهلاك الخام/ الوقت، وضمان سير العمل في مساره الطبيعي/ الصحيح المفترض، بالعكس منه التصوير الضوئي لا حدود للعدسة تلتقط كيف/ متى/ أين تشاء، و”السيفاو” يعمل من هذا المبدأ، لا خطة معدة سلفاً لحركته فوجود الآلة يعني بالضرورة استخدامها في الدائرة من حوله، فمجموعاته تتضمن صوراً كثيرة، موزّعة/ مفرّقة، قد لا يوجد رابط بينها لحظة الالتقاط (مبدأ حرية الحركة، والعين المفتوحة أبداً، خاصة وإن حركة الغالق تحتاج إلى جزء الثانية لتسجيل اللحظة)، لكنها في العام تجد نفسها مصنفةً ضمن مجموعاتٍ فنية (متخصصة)، هذا ما يفسر _بالنسبة لي على الأقل_ حالة الارتباك في مجموعات معارض “السيفاو” التي تجمع تحت عنوانٍ واحد، وكأن اللوحات طوعت لخدمة العنوان/ المعرض، وهي حالة خاصة مبعثها اهتمام المصور بالموضوع، أكثر من اهتمامه بالتفاصيل الخاصة لكل لوحة خدمة للمعرض.

3. [الـزمـن]: يتأكد حضور الزمن كمتغير مرافق للوضع أو الحالة (اللحظة)، معطياً التعريف الخاص بهذا التغـير. والصورة الضوْئية لا تعترف بالزمن، وهي تعمل على تثبيت اللحظة في المساحة بين أربعة حدود. لا كلام عن الحدث كما في معرض (ثنايا الزمن)، موجهاً حديثي لعنصر الزمن في الصورة/اللوحة في محاولة لتلمسه، وهي أثر تتواطأ فيه الحالة العامة للصورة.. نتحدث مثلاً عن أنفٍ مكسور لتمثالٍ روماني، الشرخ الحادث يخبرنا بالزمن الأول لهذا التمثال مستمراً في لحظة الصورة.. ونتحدث عن زمن قريب تصنعه آثار عابرٍ في الرمل مرَّ قريباً.. وماءٍ يجف لحظته الآن مازال.

هذا الحدث المتغير هو حدثنا نحن، كبعدٍ رابع للصورة. متغير تصنعه حركتنا في الصورة لحظة ضغط الزر، لحظة “السيفاو” الخاصة، وهو يميلُ على المشهد. بمعنى إن الصورة عبر العدسة تنقل الأثر، أو النتيجة، وعلينا تقدير هذا الأثر بإعادة إنتاجنا للصورة، هنا يعول المصور/ الفنان على ذائقة المتلقي، ومدى تواطؤه مع اللوحة. فهو لا يرتب أو يركب الإحداث أنه يرصدها ولا يعمل على تفعيلها، ويقيس درجتها في التلقي، في قياس ردات فعلنا الطبيعية، في مسألة الزمن (تأثيره).

4. [السـؤال]: ما المجدي من قاربٍ مقلوبٍ على الشاطئ؟، سؤال تعيد صياغته الشبكة الفارغة التالية.. ومن ثم هل لكرة الصخر هذه القوة للجم السفينة؟.

والسؤال هنا ليس محل افتراض، إنما حقيقة تطرحها الصورة متجلية في مكوِّناتها، التي عادة ما تتركز في عنصرٍ يستأثر بالمشهد، كالقارب والصخرة، أو زهرة عباد الشمس الطارحة سؤال الهمة، في مواجهتها للشمس.

وقد يأتي السؤال بطريقة مغايرة، طريقة يخاتل فيها قراءتنا، عندما ترجع العين عن اختراق اللوحة في الدراجة الهوائية في الممر المظلم، أو الرمل يغطي الملعقة. المفارقة تصنع السؤال، وتستثير حفيظة التلقي لإعادة النظر والتأويل، لا محاولة الإجابة، فالعمل خارج نطاق المعرفة محاولة للتأويل لا الإجابة.

5. [الـلـون]: المنظومة اللونية في الصورة التي نريد/ نبحث، هي المنظومة اللونية الناتجة عن عنصرٍ أساسٍ في الصورة، وهو العنصر النافر عن المشهد، بمعنى الخروج عن النمط، فيحدث أن يوجد هذا اللون الأساس في صفٍ من فتيات يتمايلن على إيقاع الأكف، أو عقدة تزين خطام ناقة، أو طرف سجادة رحلها.. من أجمل الصيغ اللونية، المفارقة التي يُوجِدها عازف الغيطة في تراتب ألوان أكمامه. كما وتظهر مجموعة صور مدينة (غدامس) الاهتمام باللون الأحمر كمنظومة تجمع إليها نمط التزيين في البيوت. الانتظام يحول وحدات اللون إلى تراكيب غايتها إيجاد حالة من التناغم والانضبات، لا الانفلات، والمصور غايته حبس اللحظة في التناغم، كحالة من السكون يسعى ان تكون مثال الانضباط (حرفية اللحظة).

6. [الـتكـويـنات]: تعمل التكوينات على إيجاد مستوى من التوافق للوحدات المندمجة في الصورة، في حالة من التناغم البصري، يظهر واضحاً في الصور المنـفتحة على الأفـق مستـفيدةً من اتساع الصحراء والسماء (المكان/ مكان الحدث). يظهر هذا التناغم البصري أيضاً، في تجاور التكوينات الصغيرة كوحدات متكررة، وهنا المصور يستفيد من التكرار لا من جماليته، إنه يرصد الطبع أو الانعكاس العام لهذه الوحدات المتجاورة.

ثمة نظام تكراري مميز يسترعي انتباهنا لا يعتمد التجاور، إنما تباين تكرار الأضداد، وهي تكوينات ضوئية بمعنى إنها تكوينات غير محسوس (كجسم)، إنا نتحدث هنا عن تكرار الضوء والعتمة، والملاحظ أن هذه التكوينات تكون باتجاه داخل اللوعة، بمعنى عمق اللوحة، متجهة بنا لبؤرة يفترضها إيقاع التناغم.. ثمة تكوين خاص، وهي رؤية تعتمد استقطاع التكوين المعول عليه من منظومة الكل، كاستقطاع (الطقطاقة) من هيكل الباب، وهي قراءة تختلف في كل تكوين. هي محاولة التقاط التكوين من مبدأ تقريب العدسة بالابتعاد عن التفاصيل إلى تفصيلٍ خاص، الاكتفاء بالجزء عن الكل، فهو يختـصر الكل في الجزء، المصور هنا يبحث عن تكثيف يحول الإجزاء المختفية إلى ظاهرة عند التلقي، كحاجة معرفية لإنتاج الدلالة.

7. [هذا ليس كل شيء]: نقف هنا، دون أن يغيب عن قراءتنا هذه، الجوانب الاحترافية الخاصة بـ”أحمد السيفاو” كمصور، يملك من الخبرة ما يتجاوز بنا عن الوقوف عنها، وأعيد قولي إن عمل “السيفاو” الفني الحر (غير المخطط له) هو من منحه هذه الإمكانية لتجاوز حدود الإبداع المخطط لها سلفاً، للخروج من دائرة الموضوع، هي حرية وانطلاق المبدع، لتـنـتـقل هذه الحرية لآلة التصوير، خاصة (العزوز) الآلة القريبة من “السيفاو” العاصرت معه الكثير، ورحلت معه أكثر. ونقف هنا رغبة بإنهاء الحديث.

مقالات ذات علاقة

قصيدة النثر.. الصَّوت والصَّمت وإشكاليات التَّلقي

سليمان زيدان

عالفرح مصبحنى..ديوان الفرح والبهجة

إنتصار بوراوي

بين عزة المقهور وعائشة إبراهيم.. وتر مشدود

المشرف العام

اترك تعليق