قصة

السيارة الصفراء

من أعمال التشكيلية فيان سورا


الطريق الطويلة تذكرني بكل شيء، كأني أسحب الوسادة من تحت مرفقي لأتدثر بقليل من الأحلام التي اخترتها على مهل، الأغنية تتراوح بين العلو والانخفاض، فلم تتمكن من الثبات بسبب الرياح التي تتناوب على نوافذ السيارة، كأن موجة من بحر تعلو بي وتهبط ثانية، كأن أحاديثهم المقطعة قيثارة بثقوب عشوائية، كأني بين المنام واليقظة، إذ بادرني بصوته: أنتِ لا تحبيني، حين تذكرته وهو يطوي باقة الورد ليدق عظامها ويستنزف عصارتها تحت حذائه البني، ويبتلع كلماته غاضبا غاصا في محتوياتها التي كادت أن تنفجر في وجهي.

أردت أن أقول وقتها كل شيء، أمسك بيده أقسم له، لكنه ذهب، ذهب إليها، وجاءني بعد حين يلمح بفوزه المبهر وفشلي الذريع.

قاطعني صوت ما…. البوابة الرئيسية تطلب من الجميع النزول، هناك مشتبه به يحاول تنفيذ عملية.

تثاءبتُ وأنا أضع أناملي بكسل على شفتيّ، اصطدمت نظراتي بعينيه المتوهجتين غضبا، شعرت بشيء ما يكتسحني، يدفعني بعنف: انزلي

بسرعة، تعثرت بسبب حذائي العالي، كانت إحدى النساء تستغيث، تطلب منهم أن يسرعوا بفتح الطريق، لكنني لم آبه لشيء. الرجل الغاضب وقف وحيدا يرد على هاتفه، لكني سمعته يلعنها ويبرر الحظ العاثر بسبب أفكارها التعيسة. ضحكت في نفسي ، مازالت الذكريات تفتح ستائرها ، واحدة تلو الأخرى، لا أدري لِمَ تلازمني كلما هممت بسفر طويل ، الناس يتعلقون بأستار الوقت، امرأة تسب الدولة، لا أعرف ما علاقة الغضب بتحسن الأحوال رجل مسن يطلب كأسا من الشاي، مراهق يدس شيئا ما في جيب قميصه المزركش، رجل أصلع يغمز بكلتا عينيه ، ربما لكل النساء  وزع بطاقات عربون التعارف ، إحداهن علقت بتوبيخه زجرا ،لكنه استمر دون رادع، السيارة الصفراء اندفعت مثل ذكرياتي الباهتة في محاولة بائسة أزاحت بعض الأثقال الإسمنتية ، سمعت صوت صفارات الإنذار الصفراء ، تدافع الناس ، صرخ أحدهم: ياهو إرهابي في البوابة. الرجل الأصلع مازال يوزع بطاقات الائتمان…تبعثرت الحشود، امرأة تحمل طفلتها على ظهرها تهرول حافية، رجل عجوز اتكأ راضيا ينفث سيجارة وهو راضٍ يترقب حركة الأرجل التي اختلفت اتجاهاتها حين هرولت.

مقالات ذات علاقة

لعبة الاستمتاع بالخيال

حسن بوسيف

مشهدية

كريمة الفاسي

والقافلة تسير

سعيد العريبي

اترك تعليق