الدغمائية
المقالة

السياج الدوغمائي

الدوغمائية ، كلمة يونانية تعني الانحياز المطلق لفكرة دون النظر أوالتفكير فيها. بصورة اكثر وضوح، تعني الجمود والانغلاق الفكري المتزمت، والايمان المطلق بامتلاك الحقيقة، وإلغاء تفكير كل مخالف.

قاموس كامبريدج يعرف الدوغمائية (Dogma) بأنها عقيدة أو مجموعة عقائد (set of beliefs ) يقبلها الإنسان بدون أذنى شك فيها (without any doubts). وقد يعني أيضا “تعاليم” كما ورد إستخدمه في اللاهوت الكاتوليكي، وأرتبط بالإلهام الذي زعمته الكنيسة لنفسها، ويعني “المبدأ الذي ينسب إليه الصحة المطلقة”، والذي أصدرت بموجبه فكرة عصمة البابا (Papal infallibility) عام 1870م في زمن البابا بيوس التاسع، باعتبار البابا ملهم من عند الله وبالتالي لا يجوز أن يخطي. وعبر قبل ذلك الفنان الإيطالي كارلو ساراسيني على هذا المفهوم، قبل ان يصدر عن الكنيسة، في لوحته التي رسم فيها الروح القدس يحل على جسد غريغوريس الأول.

وقد استخدم هذا المطلح حديثا في السياسة وفي علم الأجتماع لوصف المذاهب الفكرية المتعصبة، والتي تجافي العقل في تصوراتها، وتعتقد في قدسية هذه التصورات، وتعتبرها حقائق مطلقة. بل تتجاوز الامر وتنسب الإنحراف  لكل من يخرج عن قناعاتها أو يرفضها.

اول من استخدم عبارة “السياج الدغمائي” ، على الأقل في نصها العربي، كان المفكر الجزائري محمد اركون في كتابة “من الاجتهاد الى نقد العقل الإسلامي” والذي تناول فيه اشكالية تفسير معنى “كلالة” في الاية 176 من سورة النساء، وإستنتج من خلاله ان المصدر الأساسي للفقه ليس القرآن وانما التفسير حسب ما يرى.

إذا، السياج الدغمائي لا يرتبط شرطا بالدين، فالولاء المطلق والتعصب الأعمى والإنغلاق الفكري والثقافي، بل وحتى النفسي سمة بشرية لا يختلف فيها المؤمن عن الملحد، والمثقف عن محدود الثقافة، والمتعلم عن الامي، والتاريخ شاهد على هذه السمة الإنسانية. ومن تجربتي الشخصية، كونت “سياجي الدغمائي” حول تعلم اللغة، فقد تسنى لي ان اعمل واعيش في خمس دول، واتيحت لي الفرصة ان اتعلم اربع لغات بالإضافة الى الإنجليزية، لكن لاني اقنعت نفسي بان عقلي غير مؤهل لتعلم اللغات الأجنبية، النتيجة اني فوت عن نفسي فرص ثمينه لزيادة مكاسبي واتقان لغات متعددة، لقد أصبحت سجين قناعة خاطئة، اكتشفتها بعد ان ضيعت عن نفسي تلك الفرص الذهبية.

ما دفعني لهذا المقال هو اللقاء الذي اجراه الإعلامي افشان رتانسي (Afshin Rattansi) على قناة RT في برنامجه ” going underground” مع المتحدث باسم النظام الليبي أثناء الثورة السيد موسى إبراهيم القذافي في عام 2011.

يقول موسى إبراهيم في هذا الحوار أن سبب تدخل الناتو في ليبيا هو بسبب مشروع القذافي الذي كان يسعى فيه الى افريقيا موحدة ومستقلة سياسيا وعسكريا عن هيمنة الغرب الامبريالي، وكان يسعى الى توحيد القارة، وخلق مصرف مركزي افريقي وعملة افريقيا ذهبية تحرر افريقيا من سلطة الدولار. كما قال ان إتهام النظام الليبي الذي استغله الغرب لضربها اما مختلق او مبالغا فيه. يقول موسى إبراهيم، ان القذافي لم يكن حالما بخصوص مشروعه الافريقي، بل كان جادا وعمل باجتهاد على هذا المشروع، لهذا ثم محاربته. وهنا لا ادري ماذا يعني ان يكون جادا في مشروع كهذا. فشعوب القارة الافريقية يتقاذفها الجهل والفقر، ويسود أنظمتها الاستبداد، وفي ظل ضعف مؤسساتها بسبب استبداد أنظمتها يتمتع بثرواتها ويسيطر عليها الاستثمار الأجنبي. فطبيعة الأنظمة الافريقية بما فيها ليبيا لا تسمح  بمجرد الحلم بهكذا مشروع، ناهيك على ان تحوله لمشروع تعمل على تحقيقه.

والحال في ليبيا …. كما اشرت …لا يختلف، وهنا انقل شهادة رحالة روسي معاصر يدعى الكسندر سيمو، قدر له ان يجوب معظم بلاد العالم، وتسنى له زيارة ليبيا في عام 2002. جاء على لسان “الرفيق” سيمو:أعترف، خفت من السفر إلى ليبيا، إذ أن تخيل الشيطان مرعب جدا. الحصول على تأشيرة كان صعبا جدا، كما إن اسم ليبيا الكامل الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية حرّك في داخلي ذكريات قديمة مخيفة، عشر سنوات بدون اشتراكية، وفجأة، هي في الجوار من جديد … أول شعور بعد العودة من الجمارك التونسية أنني أحسست وكأني في ساحة بناء، بل يراودني شعور بأنني لا أسير في الطريق الصحيح ولكن لا يمكن فعل شيء – الكل يسير و أنا أسير. أخاديد تحيط بالجوار، جبال من النفايات وبقايا مواد البناء، ومع ذلك لا يلاحظ هنا شغل أحد. نعم هي الاشتراكية في أبهى حللها !! اجتزنا الحدود الليبية المخيفة. وها نحن نتجول في أول الطريق في هذا البلد غير المرئي. هنا يعمل الهاتف المحمول. بعد عدة كيلومترات ينقطع الاتصال لوقت طويل. لليبيا شبكتها الهاتفية الخاصة، ولكن الاتصال من خلالها بالعالم الخارجي مقطوع … لا تعمل الا قناة حكومية واحدة ، الأخبار السياسية كثيرة جدا. نقل الأخبار يسير من موقع أن ليبيا هي مركز العالم، وهي نموذج يُقتدى. معمر القذافي يظهر على شاشة التلفزيون بقدر معتدل. في الوقت المتبقي من الزمن على الشاشة يسير جرار زراعي، ومضخة تستخرج النفط. برنامج “ساعة ريفية” بالضبط كما هو الحال عندنا، امرأة مسنة تشرح كيفية غرس نخلة. وهذا كله معروف جدا لنا بتلفزيون السبعينيات في الاتحاد السوفييتي … لما خرجنا للتنزه خلف جدار السرايا الحمراء، كنا ببساطة مصدومين بحجم الخراب. ثلث المنازل غارقة في الأنقاض، قمامة مخيفة، تعوّد الناس على إلقائها كيفما اتفق، و لا يأبه لرفعها أحد على الإطلاق. و يمكن التساؤل من قصفها !؟ حسب علمي منذ الحرب العالمية الثانية لا أحد حارب هنا. يبدو أن الأنقاض والقمامة جزء أساسي خاص بطريقة تطور الحضارة المحلية … المشي صار مرعبا.”

هذه الصورة على بشاعتها معروفة لليبين، هي بالفعل صورة “الجماهيرية البديعة”، فكيف يتسنى لبلد كهذا ان يقود مشروع توحيد قارة بمواصفات القارة الافريقية التعيسة، والتي لا تختلف تعاسة دولها عن ليبيا؟. اليس الاجدر ان تجعل بلدك أولا انمودج لتبني عليه؟ اما انك تعيش في وهم يصنعه خيالك؟ الحقيقة وضع “الجماهيرية البديع” لا يؤهلها لقيادة مشروع بهذا الحجم، لذلك لا اجد مصداقية في الإدعاء بان الغرب “الامبريالي” تأمر على ليبيا لخوفه من هذا المشروع.

وفي حديثه أيضا قال كانت هناك العديد من الفرص لإستبعاد الحرب والوصول الى حلول بين المتمردين والنظام، وقال: طالبنا العديد من المرات بإنشاء لجنة تحقيق دولية تحقق في المزاعم التي أدت الى التمرد، كما طالبنا بقوة حفظ سلام أفريقية لإقاف القتال. ودعونا الى مؤتمر ليبي يجمع الجميع بمن فيهم المتمردين للوصول الى حل. طبعا، من السهل ان تسترسل في انشاء ما تريد، وربما فعلا طالبوا بهذه الأمور لكن بشروطهم التي ربما لم تكن مقبولة من “المتمريدين” او حتى الوسطاء . لكن هل غاب عن موسى إبراهيم خطاب العقيد الذي وصف فيه “المتمريدين” بالــ”جردان”؟!…، وكيف هددهم في خطابه الذي أصبحت كلماته تتردد بسخريه على كل فم “زنقه زنقه دار دار”.

موسى إبراهيم، كغيره من الموهومين، سجنا ورهائن السياج الدغمائي  الذي احاطوا به انفسهم، وصدقوا ما انشاء “كبيرهم” من معاني لا تمت الى واقع الحال، بل حال البلاد يخالفه تماما كما ورد في شهادة “رفيقنا” سيمو، وفسروا ما يحدث حولهم بمزاج منظرهم صاحب نظرية “الانعتاق النهائي”، فاختلطت عليهم الحقيقة بالوهم، وحاولوا ان يصدرو اوهامهم على انها حقائق وطالبوا غيرهم ان يصدقوها. مازال يتحدث عن “الثورة الخضراء”، وقد سبقت وان اكلت هذه “الثورة الخضراء” اخضر ويابس هذه الأرض، وما يحدث الان ما هو الا نتاج الهدم الممنهج لاركان الدولة خلال العقود التي سبقت ثورة فبراير.

استعير هنا ما جاء في مقال السيد عمر الكلكي “ما يرضعه العجل ….” حيث يقول، وانا اتفق تماما معه: سياسة الإفراغ من المحتوى، والتشويش، وخلط الأوراق، كانت منهجا منظما، وعملا دؤوبا انتهجه النظام السابق، ممثلا في معمر القذافي، بإتقان لا لبس فيه، ما زلنا نعاين ونعاني آثاره التدميرية، ومازالت طاقته المنفلتة فعالة من حولنا، وفي أنفسنا. فمن إفراغ المؤسسات من مضمونها وتقويض أركانها، إلى خلط المفاهيم، وتمييع القضايا، إهمال المعايير، وإشاعة روح الاستسهال والاستهانة بكل شيء….. إن معمر القذافي ركز جهده واجتهاده على تنمية أسوأ جوانب الذهنية الليبية وإخصاب أسوأ ما في البيئة الثقافية الليبية.”

السياج الدغمائي ليس حكرا على مؤيدي أنظمة الاستبدا، فهو نفس السياج الذي جعل الصهاينة يعتقدون بانهم امه مختارة رغم كل الشرور التي يرتكبونها، وجعل السلفيين يعتقدون انهم خير امة أخرجت للناس رغم كل التخلف الذي يعيشونه، وجعل الشيعة سجنا مظلومية الحسين، والجنس الأبيض سجين فكرة تفوقه العرقي، ومؤيدي المستبدين سجنا فكرة أن الامبرايالية العالمية تحارب انظمتهم.

ليس الناتو من قصف ليبيا، بل الهدم الممنهج والتدمير المقصود الذي مورسا على مدى اربعة عقود هو من قصف ليبيا. وللأسف لا زال السياج الدغمائي يحبس العديد من مؤيدي ذلك النظام وجعلهم يعملون ما امكنهم على تقويض إعادة بناء الدولة، من خلال التنظيمات التي يصنعونها، والتي لا شك انها مدعومة من بعض الدول كجبهة الثورة الخضراء ، والجبهة الشعبية لتحرير ليبيا، والحركة الوطنية الشعبية الليبية. ومن اكبر مظاهر الانفصام عند هؤلاء انهم يتحدثون عن الديمقراطية والحرية وكرامة الانسان، وكأن نظامهم “الجماهيري البديع” لم يحطم هذه القيم مما استوجب الثورة عليه.

لندن 12/10/2019

مقالات ذات علاقة

طريقان لا يلتقيان

عائشة إبراهيم

مُقترح مبدئي للاحتفاء وللتوثيق، وأرشفة التاريخ النسوي الليبي (*)

فاطمة غندور

شـعـرة الـبوعـزيـزي

زياد العيساوي

اترك تعليق