من أعمال التشكيلية الليبية .. خلود الزوي
قصة

السور

عن هنا ليبيا

من أعمال التشكيلية الليبية .. خلود الزوي
من أعمال التشكيلية الليبية .. خلود الزوي

في إطار حدث “فيكان” بالشراكة بين “هنا ليبيا” وحركة “تنوير” في طرابلس، ننشر الأعمال الثلاثة الفائزة خلال هذه التظاهرة الثقافية. المساهمة الثانية للمدونة فيروز سالم من درنة)

في غرفة لم تتسع يوماً لأحلامها، تُشرع النافذة المؤمنة بقضبان حديدية، لا شيء سوى جدار مرتفع، تقف على رؤوس قدميها الباردتين, ترتفع قليلاً، ولا شيء سوى الجدار. ينتهي يومها محشورة في سرير يئن كلما تحركت, تَجرد أياماً مُنعت فيها من الضحك علناً .. أياماً وُبخت فيها لتباطؤها في المشي .. وأيام تبدد فيها حلم دخولها لمقهى يشرف على وسط المدينة. بات كل شيء يعبُرها برتابة .. الأسوار العالية التي لا تفسح مجالاً لفضولها لرؤية الحدائق المهملة .. النوافذ الحديدية والشرفات  التي لا تتسع سوى للخردة وحبل غسيل يفضح الخزانة. حتى الشاب الذي كان بالأمس ينثر لها الطريق المؤدي للمدرسة كلمات غزل مستهلكة انطلقت من بيته زغاريد مربكة ثم انتشر خبر إحاطة جسده الهش بحزام ناسف وتفجير نفسه وسط بوابة تابعة للجيش العراقي. أضحت ساعات النهار طويلة تكتظ بأحلام مؤجلة, تلتهب نهاراً وتتمرد مساءً. لم يبقى لها سوى أحاديث أمها عن الجامعة وعن فسح التعارف والصداقات وعن المكتبات والموسيقى هناك.

………………………………….

يركن السائق حافلته في ساحة شاسعة تحضن عشاقاً يتهامسون تحت غيوم رمادية وحبات مطر مترددة .. صوت فيروز يصدح من بعيد، يعبر رؤوس وألوان وعصافير ويصلها كما لو أن كل شيء توقف لبرهة .. ممر طويل يضج بالألوان والضحكات وشجيرات قصيرة القامة. تتسع عيناها لضم المشهد بالكامل .. تُخرج يدها المرتبكة من جيب المعطف وتنسف ما علق بمشيتها وضحكتها من طغيان المدارس والشوارع .. تُمرر يدها على حواف الشجيرات .. تسمح للمطر أن يبللها.. تعتريها قشعريرة مع حفيف النسائم بين أوراق شجر الصنوبر. بدأت في تكوين علاقة مع المكان. كان هنالك عُبادة، صانع الشاورما، سوري الجنسية يحرص على أن تتسلل رائحة الشاورما لقاعة الدراسة فتُشتت الانتباه عن أستاذة فيليبينية تتحدث بصخب عن الشعر والموسيقى، كانت تخبرهن أنهن جميلات ومحظوظات إذ في ليبيا تتنوع الملامح والألوان بشكل مبهر عكس ما تُخلفه الجينات الفيليبينية في رسم الأنوف والأعين. كان المكان ملائم جداً لما كان يعصف بداخلها من ظنون وتوقعات. كان لها حرية المشي كما يحلو لها، وحرية الدخول لمكان يشبه المقهى، والاستمتاع بصوت فيروز أمام الملأ.

………………………………….

لكأنها اختراق الشمس للغيمات الساكنة… تهاتفها صديقتها لتنظيم مظاهره نسائية .. الشمس تذعن للغوص .. الوجوه مزينة بألوان العلم والحناء تنمو على الأصابع .. هتافات ضد نظام طاغي ومطالبات بالحرية في شوارع  وأزقة كانت ممنوعة من المشي فيها .. تنطلق دون أن تتعثر بالطرق الوعرة .. ترمق صديقها بشقاوة وترتسم على طرف شفتيها ابتسامة تموه آثار السهر. كان الأمر أشبه بحلم, إذ تواجدت في الندوات والمهرجانات والمعارض  والفرح السخي يعتمرها. يملأ عيناها أمل ملحاح وشوق لا يهدأ لبداية العام الدراسي الجديد بعد الثورة التي جمعت النساء والرجال في ميدان واحد, وبعد الذكريات المؤججة.

ولكن ثمة ما كان يحاك خلف كل تلك الألوان…

………………………………….

انطفأت الشوارع .. أُغلق المركز الثقافي بالمدينة .. وانتشرت الأعلام السود بغزارة على أبواب المحلات ومؤخرات السيارات وحتى فوق الأبنية. عيناها المحفوفة بالقلق تراقب تسارع وتيرة الأحداث. حتى في الجامعة بُعثرت اللحة في الوجوه ورُفعت البنطلونات بعناية وأصبح المناخ ملائم جداً لما سيحدث فيما بعد، حيث أن الموسيقى قد اختفت من الكافتيريا، والشبان الذين كانوا بالأمس يقطفون الأزهار للجميلات شرعوا في توزيع مناشير عن وجوب تغطية الوجه, متمتمين “اللهم يهديكِ أختي كما هدانا”. حتى أنه كان هناك بعض الأيام التي ذُيع فيها صوت خطب من الجامع الصغير المقابل للمكتبة. كان الصمت يكتنف الأجواء, عميقاً لحد بدت فيه طقطقة الكعوب ضجة صاخبة. باشر العمال المصريون برسم مخطط سور عازل يفصل الجامعة لساحتين. قناة فرانس 24 تبث في الشريط الإخباري “في جامعة ليبية, جدار يفصل الطالبات عن الطلاب”. حُجزنا في الساحة الكبيرة التي تضم أشجاراً عالية وكافتيريا خرساء ومقاعد خشبية باردة. السور يرتفع، يعلو، يحجب كل شيء. الجميع في حالة سكون، يراقبون المشهد بحذر، ويمشون بخطى سريعة وكأنهم ملاحقون. السور المحيط بساحة الطالبات كان به بابان محاطان بسور آخر لمنع محاولات التلصص. باتت الجامعة محاطة بهالة سوداء وبات الأمر أشبه بسخرية إذ أن ساحة الطلاب الحرة كانت تضم قاعات الدراسة والمكاتب وإدارات الأقسام وكل ما يتوجب على الجامعة أن تضم. وكلما توجهت لساحة الطلاب التي هي أولاً وأخراً “الجامعة” كان صوتاً شرساً يطاردها “وين يا طالبة؟ غادي غادي.. ساحة الطلبة هذي”. تتجاهل الصوت، يركض خلفها، ترتعش خوفاً لصوت المفاتيح المنزوية أعلى خصره والموازي لركضته الحمقاء. أصبحت ترتاد المكتبة كثيراً إذ كانت لاتزال تحتفظ بملامح الجامعة القديمة. لا أحد يدري لما لم يكن هناك رقابة على المكتبة حيث كان العشاق يتقابلون. تجلس في زاوية بعيدة وتراقب الملامح المضطربة الفاضحة للحب، الهاربة من وجوه يجافيها الجمال. تلملم أوراقها والبؤس المنسكب على شفتيها وتسلك الممر المُسور المؤدي لموقف الحافلات. في نهاية الممر, ملصق يحمل عبارات نعي و صورة تتوسط خلفية علم سوريا, وجه تألفه جيداً, عينان بلون اللوز, وحنك بارز يضفي مسحة ابتسامة شبه دائمة. تسلك الممر راكضة بأعين أغشاها الدمع وترجع بالذاكرة لعُبادة وهو يصف بحنق مقهى مكلل بالياسمين والألحان تعرض للقصف.

مقالات ذات علاقة

هـكـذا أتذكر هنـد

نهاية عقرب

حسين بن قرين درمشاكي

سقيم الهواء

صفاء يونس

اترك تعليق